النبي - ﷺ -، وعلى الثاني فحكمه الرفع، وعلى التقديرين فهو حجة، وبالجملة فهذا عكس الوارد، إذ الوارد أن يصنع الناس الطعام لأهل الميت، فاجتماع الناس في بيتهم حتى يتكلفوا لأجلهم الطعام قلبٌ لذلك، وقد ذكر كثير من الفقهاء أن الضيافة لأهل الميت قلبٌ للمعقول لأن الضيافة حقًا أن تكون للسرور لا للحزن انتهى. وقوله إن الضيافة لأهل الميت، معناه من أهل الميت وهي إقامتهم الولائم للعزاء.
وقد نقل المباركفوري في كتابه «تحفة الأحوذي» قول ابن الهمام يكره اتخاذ الضيافة من أهل الميت لأنه شرع في السرور لا في الشرور وهي بدعة مستحقة، قال: وقال القاري واصطناع أهل الميت الطعام لأجل اجتماع الناس عليه بدعة مكروهة، بل صح عن جرير ﵁ «كنا نعده من النياحة» وهو ظاهر في التحريم انتهى.
ونقل النووي في الروضة وشرح المهذب عن صاحب الشامل أنه قال: وأما إصلاح أهل الميت طعامًا وجمعهم الناس عليه فلم ينقل فيه شيء، قال وهو بدعة غير مستحبة. قال النووي وهو كما قال انتهى.
واستدل في «شرح المهذب» على كونه بدعة بحديث جرير بن عبد الله ﵁ الذي تقدم ذكره، وقال: رواه أحمد بن حنبل وابن ماجه بإسناده صحيح.
ونقل الشيخ محمد الشربيني الخطيب في «مغني المحتاج، إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج» عن ابن الصباغ وغيره أنهم قالوا: أما إصلاح أهل الميت طعامًا وجمع الناس عليه فبدعة غير مستحب، ثم استدل على كونه بدعة بحديث جرير بن عبد الله ﵁ الذي تقدم ذكره.
وقال شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة بن شهاب الدين الرملي في كتابه: «نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج» ويكره كما في
[ ٨٥ ]
الأنوار وغيره أخذًا من كلام الرافعي والمصنف - يعني النووي - أنه بدعة لأهله صنع طعام يجمعون الناس عليه قبل الدفن وبعده لقول جرير: «كنا نعدّ ذلك من النياحة» انتهى.
وقال ابن الحاج في «المدخل»: وأما إصلاح أهل الميت طعامًا وجمع الناس عليه فلم ينقل فيه شيء وهو بدعة غير مستحب، قال وقد سئل مالك ﵀ عن جمع الناس على العقيقة فأنكر ذلك وقال: تشبه بالولائم، قال ابن الحاج: فإذا كان هذا قوله في العقيقة فما بالك به في الطعام الذي اعتاد بعضهم عمله في بيت الميت وجمع الناس عليه، قال: وقال أزهر بن عبد الله من صنع طعامًا لرياء وسمعة لم يستجب الله لمن دعا له ولم يخلف الله عليه نفقة ما أنفق، قال ابن الحاج: وإذا كان هذا في وليمة العرس والختان فما بالك بما اعتاده بعضهم في هذا الزمان من أن أهل الميت يعملون الطعام ثلاث ليالٍ ويجمعون الناس عليه عكس ما حكي عن السلف ﵃، فليحذر من فعل ذلك فإنه بدعة مكروهة انتهى.
وقول صاحب الشامل وابن الحاج: إن إصلاح أهل الميت للطعام وجمعهم الناس عليه لم ينقل فيه شيء، وإن أرادا أنه لم ينقل شيء يدل على جواز ذلك فنعم هو كذلك فإنه لم ينقل شيء يدل على جوازه، وإن أرادا أنه لم ينقل شيء يدل على المنع منه فيقال بل قد ورد عن عمر ﵁ أنه عده من النياحة وتقدم ذكر ذلك عنه، وتقدم أيضًا عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنهم كانوا يعدونه من النياحة، وهذا حكاية إجماع من الصحابة ﵃ على عده من النياحة، والنياحة حرام وكبيرة من الكبائر، وجميع الآيات والأحاديث التي تقدم ذكرها في البراهين السبعة والعشرين تدل على المنع منه، وقد تقدم بيان ذلك في
[ ٨٦ ]