تقسيم بعض العلماء البدع إلى حسنة وقبيحة، أو محمودة ومذمومة: (من ص ١٨ - ص ٢٠).
الرد:
١ - ذكر الأستاذ محمد حسين أقوالًا للأئمة الشافعي وابن حزم وابن رجب الحنبلي وغيرهم، والكلام قد يكون فيه إجمال ويحتاج إلى تفصيل، وأحيانًا ينقل الأستاذ محمد حسين من الكلام ما يؤيد رأيه ويترك باقي الكلام ويوضح ذلك أنه نقل كلام الإمام الشافعي ونقل كلام الحافظ ابن رجب في (جامع العلوم والحكم) وسأنقل هنا للقارئ الكريم كلامًا للحافظ ابن رجب الحنبلي وأيضًا في (جامع العلوم والحكم) يرد كلام الأستاذ محمد حسين في هذه الشبهة وغيرها.
قال الحافظ ابن رجب: «فقوله - ﵌ -: «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن
_________________
(١) فتح الباري شرح حديث (٢٤٧).
[ ٧٧ ]
له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين برئ منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة، وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية، لا الشرعية» ثم ذكر أمثلة على ذلك، منها جمع عمر الناس في قيام رمضان، وجمع المصحف في كتاب واحد (١).
٢ - قول الإمام الشافعي - ﵀ -: «البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة، فهو محمود، وما خالف السنة، فهو مذموم» واحتج بقول عمر - ﵁ - في قيام رمضان: «نعمت البدعة هذه» (٢).
وقوله: «المحدثات من الأمور ضربان: ما أحدث يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه بدعة ضلالة، وما أحدث من الخير لا خلاف لواحد من هذا، فهذه محدثة غير مذمومة، قد قال عمر في قيام رمضان: «نعمت البدعة هذه»
يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى» (٣).
الرد:
قال الشيخ سليم الهلالي (٤) رادًا على من يستدل بهذا القول للإمام الشافعي: «أولًا: بالنسبة لما أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ١١٣) ففي سنده عبد الله بن محمد العطشي، ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه والسمعاني في (الأنساب) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وأما بالنسبة لما أخرجه البيهقي ففيه محمد بن موسى الفضل، لم أجد له ترجمة.
ثانيًا: قول الإمام الشافعي - إن صح - لا يصح أن يكون معارضًا أو مخصصًا لعموم حديث رسول الله - ﵌ -، والإمام الشافعي نفسه - ﵀ - نقل عنه أصحابه أن قول
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (ص٤٦٦، ٤٦٧).
(٢) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (٩/ ١١٣).
(٣) أخرجه البيهقي في مناقب الشافعي (١/ ٤٦٩).
(٤) البدعة وأثرها السيئ في الأمة: ص (٦٣ - ٦٦).
[ ٧٨ ]
الصحابي إذا انفرد ليس حجة، ولا يجب على من بعده تقليده، فكيف يكون قول الإمام الشافعي حجة، وقول الصحابي ليس بحجة؟!
ثالثًا: كيف يقول الإمام الشافعي - ﵀ - بالبدعة الحسنة وهو القائل: «من استحسن فقد شرع»، والقائل في (الرسالة: ص٥٠٧): «إنما الاستحسان تلذذ»،
وعقد فصلًا في كتابه (الأم: ٧/ ٢٩٣ - ٣٠٤) بعنوان: «إبطال الاستحسان»، لذلك من أراد أن يفسر كلام الإمام الشافعي - ﵀ - فلْيفعل ضمن قواعد وأصول الإمام الشافعي، وهذا يقتضي أن يفهم أصوله، وهذا الأمر مشهود في كل العلوم، فمن جهل اصطلاحات أربابها جهل معنى أقاويلهم، وإن المتأمل في كلام الإمام الشافعي - ﵀ - لا يشك أنه قصد بالبدعة المحمودة البدعة في اللغة، وهذا واضح في احتجاج الشافعي - ﵀ - بقول عمر - ﵁ - وعلى هذا الأصل يفسر كلام الإمام الشافعي، وأنه أراد ما أراده عمر بن الخطاب - ﵁ - أي: البدعة اللغوية لا الشرعية؛ فإنها كلها ضلالة؛ لأنها تخالف الكتاب والسنة والإجماع والأثر» ا. هـ بتصرف.
٤ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله - ﵌ - الكُليّة، وهي قوله: «كل بدعة ضلالة» بسلب عمومها، وهو أن يقال: «ليست كل بدعة ضلالة»، فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل» (١).
٥ - إذا كان رسول الله - ﵌ - قال: «كل بدعة ضلالة»، وقال بعض العلماء: «ليست كل بدعة ضلالة، هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة» فمع من تكون؟ قال الإمام الشافعي - ﵀ -: «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله - ﵌ - فقولوا بسنة رسول الله - ﵌ - ودعوا ما قلت».
٦ - من قسم البدعة إلى مذمومة ومحمودة نقول له: ما مقياس الذم والحمد؟ ما
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص٢٤٨).
[ ٧٩ ]
مقياس أن هذه بدعة حسنة وهذه بدعة سيئة؟ المقياس هو الشرع وقد قال - ﵌ -: «كل بدعة ضلالة» (١).
٧ - كثيرٌ من الذين قالوا بالبدع الحسنة قد أنكروا أعمالا في ظاهرها الحُسْن، بل إنك تجد أحد العلماء يقول في بدعةٍ ما إنها حسنة بينما تجد عالمًا آخر وهو ممن يقول بالبدع الحسنة ينكرها أشد الإنكار وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
أ- العز بن عبد السلام وهو من أشهر من قال بتقسيم البدع إلى بدع حسنة وبدع سيئة يقول: «فإن الشريعة لم ترِد بالتقرب إلى الله تعالى بسجدةٍ منفردةٍ لا سبب لها، فإن القرب لها أسباب، وشرائط، وأوقات، وأركان، لا تصح بدونها.
فكما لا يتقرب إلى الله تعالى بالوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة من غير نسكٍ واقعٍ في وقته بأسبابه وشرائطه، فكذلك لا يتقرب إليه بسجدةٍ منفردةٍ، وإن كانت قربةً، إذا لم يكن لها سبب صحيح.
وكذلك لا يتقرب إلى الله - ﷿ - بالصلاة والصيام في كل وقتٍ وأوانٍ، وربما تقرب الجاهلون إلى الله تعالى بما هو مبعد عنه، من حيث لا يشعرون» (٢) اهـ.
وهذا الكلام صدر من العز بن عبد السلام - ﵀ - أثناء إنكاره لصلاة الرغائب المبتدعة؛ وقد أنكر هذه الصلاة بالإضافة إلى العز بن عبد السلام كثير من العلماء القائلين بالبدعة الحسنة مثل الإمام النووي في فتاويه (ص٥٧) مع العلم أن بعض العلماء قال باستحبابها وعدوها من البدع الحسنة.
ب - الإمام أبو شامة - ﵀ - أنكر في كتابه (الباعث على إنكار البدع والحوادث) كثيرًا من بدع الجنائز مثل قول القائل أثناء حمل الجنازة: استغفروا له غفر الله لكم، كما أنكر أن يكون للجمعة سنة قبلية (ص٢٥٨ - ٣٠٤)، وأنكر كذلك صلاة الرغائب (ص١٣٨ - ١٩٦)، وأنكر كذلك صلاة ليلة النصف من شعبان (ص١٣٤ - ١٣٨)،
_________________
(١) راجع أيضًا: القاعدة الثامنة: هل في الإسلام بدعة حسنة؟
(٢) الترغيب عن صلاة الرغائب الموضوعة (ص٧ - ٨).
[ ٨٠ ]
ومع كل ذلك قال (ص٩٥) بأن الاحتفال بالمولد النبوي يعتبر بدعة حسنة!!
جـ - الإمام النووي - ﵀ - وهو من القائلين بتقسيم البدع، فقد قال: «قال الشيخ أبو محمد الجويني: رأيت الناس إذا فرغوا من السعي؛ صلوا ركعتين على المروة، قال: وذلك حسن، وزيادة طاعة، ولكن لم يثبت ذلك عن رسول الله - ﵌ -، هذا كلام أبي محمد!! وقال أبو عمرو بن الصلاح: ينبغي أن يكره ذلك؛ لأنه ابتداء شعار، وقد قال الشافعي - ﵀ -: ليس في السعي صلاة»، ثم قال الإمام النووي: «وهذا الذي قاله أبو عمرو أظهر، والله أعلم» (١) ا. هـ.
وقال أيضًا: «قال الشافعي وأصحابنا ﵏ يكرهون الجلوس للتعزية؛ قالوا: يعني بالجلوس لها: أن يجتمع أهل الميت في بيتٍ ليقصدهم من أراد التعزية، بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها إلخ» (٢).
د- الإمام السيوطي - ﵀ - فقد أنكر في كتابه (الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع) الصلاة في المساجد المبنية على القبور! وكذلك إيقاد السرج على القبور والمزارات (ص١٣٤) وأنكر صلاة الرغائب (ص١٦٦) وأنكر الاجتماع للعزاء (ص٢٨٨) وأنكر التلفظ بالنية قبل الصلاة (ص٢٩٥) وغير ذلك من البدع مع أنه قرر في كتابه هذا بأن البدع تنقسم إلى بدع حسنة وبدع سيئة!
يظهر بهذه النقول أنه لا يوجد ضابط معين يميز بين البدعة الحسنة - المزعومة - والبدعة السيئة؛ حتى عند القائلين بهذا التقسيم، ولا يَسْلم الشخص من الوقوع في هذا الاضطراب إلا بمتابعة السنة وترك الابتداع في الدين.
_________________
(١) المجموع (٨/ ١٠٢).
(٢) الأذكار (ص١٣٦).
[ ٨١ ]