استدلاله بحديث: «من سَنّ في الإسلام سُنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سَنّ في الإسلام سُنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» رواه مسلم، ثم قال: «فالحديث يثبت الابتداع الحسن في الإسلام ويقره ويثبت الابتداع السيئ في الإسلام ولا يقره » إلخ (ص٢٥ - ٢٦).
الرد:
١ - قال الإمام الشاطبي - ﵀ -: «ليس المراد بالحديث الاستنان بمعنى الاختراع
_________________
(١) انظر الاعتصام (١/ ١٨١)، الوجيز في أصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان (ص٣٧٠).
[ ٩٥ ]
وإنما المراد العمل بما ثبت من السنة النبوية، وذلك من وجهين:
أحدهما: أن السبب الذي جاء لأجله الحديث هو الصدقة المشروعة بدليل ما ثبت في الصحيح من حديث جرير بن عبد الله - ﵄ - قال: كنا عند رسول الله - ﵌ - في صدر النهار فجاء قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مُضر بل كلهم من مضر، فتمعّر وجه رسول الله - ﵌ - لما رأي بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: «﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] والآية التي في الحشر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨] تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّه، من صاع تمره»، حتى قال: «ولو بشق تمرة»، قال: فجاء رجل من الأنصار بصُرَّة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومَين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله - ﵌ - يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله - ﵌ -: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها » إلخ الحديث (١).
فتأملوا أين قال رسول الله - ﵌ -: «من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة » تجدوا ذلك فيمن عمل بمقتضى المذكور على أبلغ ما يقدر عليه حتى بتلك الصرة فانفتح بسببه باب الصدقة على الوجه الأبلغ، فسُرَّ بذلك رسول الله - ﵌ - حتى قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة » الحديث، فدل على أن السنة ها هنا مثل ما فعل ذلك الصحابي، وهو العمل بما ثبت كونه سنة.
الوجه الثاني من وجهي الجواب: أن قوله - ﵌ -: «من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة » لا يمكن حمله على الاختراع من أصل، لأن كونها حسنة أو سيئة لا
_________________
(١) رواه الإمام مسلم (١٠١٧) مجتابى النمار: خرقوها وقوروا وسطها، النمار: ثياب صوف، تمعر: تغير.
[ ٩٦ ]
يعرف إلا من جهة الشرع؛ لأن التحسين والتقبيح مختص بالشرع، لا مدخل للعقل فيه وهو مذهب جماعة أهل السنة، وإنما يقول به المبتدعة، أعنى: التحسين والتقبيح بالعقل، فلزم أن تكون السنة في الحديث إما حسنة في الشرع وإما قبيحة بالشرع فلا يصدق إلا على مثل الصدقة المذكورة، وما أشبهها من السنن المشروعة وتبقى السنة السيئة مُنَزّلة على المعاصي التي ثبت بالشرع كونها معاصي، كالقتل في حديث ابن آدم حيث قال - ﵌ -: «لأنه أول من سَنَّ القتل» (١) وعلى البدع لأنه قد ثبت ذمها والنهي عنها بالشرع كما تقدم» (٢).
٢ - يقول الأستاذ محمد حسين: «فالحديث يثبت الابتداع الحسن في الإسلام ويقره».
ونقول له: من أين لك هذا؟ وقد قال - ﵌ -: «من سن في الإسلام سنة حسنة»، ولم يقل: «من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة».
ومما يدل على تناقضه قوله بعد سطور: «وأما حسنة وسيئة فهو مما دل عليه أصل في الدين يحسنه أو يصححه» ا. هـ.
ونسأله: لِمَ ردّ النبي - ﵌ - قول الثلاثة الذين قال أحدهم: «أما أنا فأنا أصلى الليل أبدًا»، وقال آخر: «أنا أصوم الدهر ولا أفطر» وقال آخر: «أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا»، وقال لهم: «من رغب عن سنتي فليس مني» (٣) مع أن لفعلهم هذا أصلًا في الشرع من الصلاة والصيام؟
_________________
(١) رواه الإمام البخاري (٣٣٣٥).
(٢) الاعتصام (١/ ١٧٩ - ١٨١) بتصرف.
(٣) رواه الإمام البخاري (٥٠٦٣).
[ ٩٧ ]