استدل الأستاذ محمد حسين بجمْع عمر الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد وقوله: «نِعْمَت البِدْعَةُ هذه»، ثم قال: «وهذا لم يكن في زمن التشريع، بل صرح بقوله أن ذلك بدعة ولكنها محمودة، فقال: «نعمت البدعة هذه»، وأنها تكون بدعة أفضل، وأفضل لو كانت آخر الليل (ص٢١ - ٢٣).
الرد:
١ - إن هذا منه على سبيل الرد والمناظرة، ومعناه: إذا كان هذا الفعل بدعة، فنعم البدعة هذه، كأنه كان جوابًا على معترض، وهذا مثل قوله تعالا: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ (الزخرف:٨١).
أو أنه قصد البدعة اللغوية، أي أنها بدعة باعتبار إحيائها وإعادة العمل بها بعد أن توقف.
[ ٨٤ ]
وسبق أن نقلنا في الرد على الشبهة الثالثة قول الحافظ ابن رجب الحنبلي (الذي نقل الأستاذ محمد حسين بعضه ولم ينقله كله): «وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع إنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية فمن ذلك قول عمر - ﵁ - لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال: «نعمت البدعة هذه»، ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول في الشريعة يُرجع إليها، فمنها أن النبي - ﵌ - كان يحث على قيام رمضان ويُرغّب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانًا، وهو - ﵌ - صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع بعد ذلك معللًا بأنه خشي أن يكتب عليهم، فيعجزوا عن القيام به (١)، وهذا قد أُمِنَ بعده - ﵌ - وروى عنه أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر (٢)، ومنها أنه أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان وعلا». (٣)
٢ - قال الإمام الشاطبي - ﵀ -: «فإن قيل كيف سماها عمر - ﵁ - بدعة وحسنها بقوله: نعمت البدعة هذه، وإذا ثبتت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع.
فالجواب: إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله - ﵌ -، واتفق أنها لم تقع في زمان أبي بكر - ﵁ - لا أنها بدعة في المعنا، فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي، وعند ذلك لا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه لأنه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه» (٤)
_________________
(١) رواه الإمام البخاري (٢٠١٢).
(٢) رواه الإمام أبو داود (١٣٧٥) وصححه الشيخ الألباني.
(٣) جامع العلوم والحكم (ص٣٦٦، ٣٦٧).
(٤) الاعتصام (١/ ١٩٠).
[ ٨٥ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «وأما قول عمر - ﵁ -: «نعمت البدعة هذه» فأكثر ما فيه تسمية عمر تلك بدعة، مع حسنها، وهذه تسمية لغوية، لا تسمية شرعية. وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق، وأما البدعة الشرعية: فما لم يدل عليه دليل شرعي، فإذا كان نص رسول الله - ﵌ - قد دل على استحباب فعل، أو إيجابه بعد موته، أو دل عليه مطلقا، ولم يعمل به إلا بعد موته ككتاب الصدقة، الذي أخرجه أبو بكر - ﵁ -، فإذا عمل ذلك العمل بعد موته، صح أن يسمي بدعة في اللغة، لأنه عمل مبتَدَأ، كما أن نفس الدين الذي جاء به النبي - ﵌ - يسمى بدعة، ويسمى محدثا في اللغة.
ثم ذلك العمل الذي دل عليه الكتاب والسنة: ليس بدعة في الشريعة، وإن سمي بدعة في اللغة. فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة. وقد علم أن قول النبي - ﵌ -: «كل بدعة ضلالة» لم يُرَدْ به كل عمل مُبتَدَأ، فإن دين الإسلام - بل كل دين جاءت به الرسل - فهو عمل مبتدأ، وإنما أراد ما ابتُدِئ من الأعمال التي لم يشرعها هو - ﵌ -.
وإذا كان كذلك فالنبي - ﵌ - قد كانوا يصلون قيام رمضان على عهده جماعة وفرادي، وقد قال لهم في الليلة الثالثة، أو الرابعة، لما اجتمعوا: «إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم، إلا كراهة أن تفرض عليكم، فصلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (١) فعلل - ﵌ - عدم الخروج بخشية الافتراض، فعُلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم، فلما كان في عهد عمر - ﵁ - جمعهم على قارئ واحد، وأسرج المسجد. فصارت هذه الهيئة، وهي اجتماعهم في المسجد وعلى إمام واحد مع الإسراج عملًا لم يكونوا يعملونه من قبل، فسُمِّي بدعة؛
_________________
(١) رواه الإمام البخاري (٢٠١٢، ٧٢٩٠)
[ ٨٦ ]
لأنه في اللغة يسمى بذلك. ولم يكن بدعة شرعية، لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح، لولا خوف الافتراض، وخوف الافتراض زال بموته - ﵌ - فانتفى المعارض» (١).
* قال الأستاذ محمد حسين ص (٢٢ - ٢٣): «لعل قائل (٢) يقول: صلاة التراويح جماعة في المسجد خلف إمام واحد ليست بدعة لقيام رسول الله - ﵌ - جماعة في رمضان، فأقول: فما الأمر الذي تخلف في اليوم الرابع حيث لم يخرج عليهم النبي - ﵌ - كالأيام الثلاثة الأولا؟»
* الرد:
هذا الأمر ذكره الأستاذ محمد حسين نفسه (ص٢١) وهو قوله - ﵌ -: «أما بعد فإنه لم يَخْفَ عليّ مَكانُكم، ولكن خشِيتُ أن تُفتَرض عليكم فتعجزوا عنها».
وقال الحافظ ابن حجر: «فلما مات النبي - ﵌ - حصل الأمن من ذلك» (٣).
* قال الأستاذ محمد حسين (ص٢٣): «فبجانب قول عمر - ﵁ - أنها بدعة فقد روى سعيد بن منصور في سننه عن زكريا بن أبي مريم الخزاعي قال: «سمعت أبا أمامة الباهليّ يقول: «إن الله كتب عليكم صيام رمضان، ولم يكتب عليكم قيامه، وإنما القيام شيء ابتدعتموه فدوموا عليه ولا تتركوه، فإن ناسًا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة ابتغاء رضوان الله فعاتبهم الله بتركها، فقال: ﴿وَرَهْبانِيّةً ابْتَدَعُوها﴾» فقد سمّى الصحابي الجليل أبو أمامة الباهلي قيام رمضان جماعة في المسجد بدعة واستحسنها وطلب المداومة عليها. انتهى كلامه.
الرد:
١ - لم أجد هذا الأثر في سنن الإمام سعيد بن منصور، وإنما وجدته في تفسير الإمام الطبري (برقم ٢٦٠٦٣) عند تفسير الآية ٢٧ من سورة الحديد، قال الإمام
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (ص ٢٥٠)
(٢) هكذا بالأصل، والصواب: قائلًا. ولعله خطأ طباعي.
(٣) فتح الباري، شرح حديث (٢٠١٠).
[ ٨٧ ]
الطبري: «حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا زكريا بن أبي مريم، قال: سمعت أبا أمامة الباهليّ يقول: «إن الله كتب عليكم صيام رمضان، ولم يكتب عليكم قيامه، وإنما القيام شيء ابتدعتموه، وإن قوما ابتدعوا بدعة لم يكتبها الله عليهم، ابتغوا بها رضوان الله، فلم يرعوها حقّ رعايتها، فعاتبهم الله بتركها، فقال: ﴿وَرَهْبانِيّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلاّ ابْتِغاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقّ رِعايتِها﴾» (الحديد:٢٧) ا. هـ.
قال الإمام ابن أبي حاتم الرازي في كتاب (الجرح والتعديل) عن زكريا بن أبي مريم: «روى عن أبي أمامة، روى عنه هشيم، سمعت أبى يقول ذلك، حدثنا عبد الرحمن نا صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل نا علي يعنى بن المديني قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، وذكر زكريا بن أبي مريم الذي روى عنه هشيم، فقال: قلنا لشعبة: لقيتَ زكريا سمع من أبى أمامة، فجعل يتعجب ثم ذكره، فصاح صيحة، قال أبو محمد: دلت صيحة شعبة أنه لم يرض زكريا.
قال الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان ترجمة رقم (١٩٤٢): «زكريا بن أبي مريم شيخ، حدّث عنه هشيم، قال النسائي: ليس بالقوي، وقال عبد الرحمن بن مهدي: ذكرناه لشعبة فصاح صيحة، قال ابن أبي حاتم عقب حكاية بن مهدي: فدلت صيحة شعبة أنه لم يرضه، وقال الساجي: تكلموا فيه، وقال أبو داود: لم يرو عنه إلا هشيم، وقال الدارقطني: يعتبر به، وقد ذكره ابن حبان في الثقات» ا. هـ.
هل يُعتمد على توثيق ابن حبان؟
قال الشيخ الألباني في كتابه (تمام المنة في التعليق على فقه السنة: ص٢٠ - ٢١): « المجهول بقسميه لا يُقبل حديثه عند جمهور العلماء، وقد شذّ عنهم ابن حبان فقبل حديثه، واحتج به وأورده في (صحيحه)، قال الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان): «قال ابن حبان: من كان منكر الحديث على قلته لا يجوز تعديله إلا بعد السبر، ولو كان ممن يروي المناكير، ووافق الثقات في الأخبار، لكان عدلا مقبول الرواية، إذ
[ ٨٨ ]
الناس أقوالهم على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح [فيُجرح بما ظهر منه من الجرح]، هذا حكم المشاهير من الرواة، فأما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء فهم متروكون على الأحوال كلها». (الضعفاء: ٢/ ١٩٢ - ١٩٣) والزيادة من ترجمة عائذ الله المجاشعي.
ثم قال الحافظ: «قلت: وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من (أن الرجل إذا انتفت جهالة عَيْنِه كان على العدالة حتى يتبين جرحه) مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا مسلك ابن حبان في (كتاب الثقات) الذي ألفه، فإنه يذكر خلقا نص عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون، وكأنّ عند ابن حبان أنّ جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره». هذا كله كلام الحافظ.
ومن عجيب أمر ابن حبان أنه يورد في الكتاب المذكور - بناء على هذه القاعدة المرجوحة - جماعة يصرح في ترجمتهم بأنه «لا يعرفهم ولا آباءهم»! فقال في الطبقة الثالثة: «سهل، يروي عن شداد بن الهاد، روى عنه أبو يَعْفور، ولست أعرفه، ولا أدري مَنْ أبوه».
ومن شاء الزيادة في الأمثلة فليراجع (الصارم المُنْكي: ص ٩٢ - ٩٣)، وقد قال بعد أن ساقها: «وقد ذكر ابن حبان في هذا الكتاب خلقا كثيرا من هذا النمط، وطريقته فيه أنه يذكر من لم يعرفه بجرح وإن كان مجهولا لم يعرف حاله، وينبغي أن ينتبه لهذا ويعرف أن توثيق ابن حبان للرجل بمجرد ذكره في هذا الكتاب من أدنى درجات التوثيق».
ولهذا نجد المحققين من المحدثين كالذهبي والعسقلاني وغيرهما لا يوثقون من تفرد بتوثيقه ابن حبان. انتهى كلام الشيخ الألباني (بتصرف).
٢ - على فرض صحة الأثر - وقد تبين ما فيه - فإن كلام أبي أمامة - ﵁ - لا يعدو أن يكون مثل كلام عمر - ﵁ - وقد سبق بيان معناه.
[ ٨٩ ]
٣ - تفسير الآية: قال الحافظ ابن كثير: «يخبر تعالى أنه منذ بعث نوحا - ﵇ - لم يرسل بعده رسولا ولا نبيا إلا من ذريته وكذلك إبراهيم - ﵇ - - خليل الرحمن - لم ينزل من السماء كتابا ولا أرسل رسولا ولا أوحى إلى بشر من بعده إلا وهو من سلالته، حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى ابن مريم الذي بَشَّرَ مَنْ بعده بمحمد صلوات الله وسلامه عليهما ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ﴾ وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ وهم الحواريون ﴿رَأْفَةً﴾ أي رقة وهي الخشية ﴿وَرَحْمَةً﴾ بالخلق، وقوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ أي ابتدعتها أمة النصارى ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي ما شرعناها لهم وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، قاله سعيد بن جبير وقتادة.
والآخر: ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم رضوان الله.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أي فما قاموا بما التزموه حق القيام وهذا ذم لهم من وجهين: أحدهما: الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله.
والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله - ﷿ -.
٤ - ليس في الآية دليل على جواز الابتداع في الدين أو أن في الإسلام بدعة حسنة فقد تبين من كلام الحافظ ابن كثير أن الله قد ذمّ ابتداعهم في دين الله ما لم يأمر به الله، ولو فُرِضَ أن هذا جائز في شرع من قبلنا (النصارا) فقد جاء شرعُنا بنسخه لقوله - ﵌ -: «كل بدعة ضلالة» (١).
_________________
(١) رواه الإمام مسلم (٨٦٧).
[ ٩٠ ]