ذكر الأستاذ محمد حسين (ص١٣٦ - ١٤٢) تحت عنوان: «هل تطلق البدعة على كل ما لم يفعله النبي - ﵌ -؟» ٧٦ سؤالًا من شاكلة:
- هل فرش المساجد بدعة؟ فلم يكن ذلك معروفًا على عهد رسول الله - ﵌ -؟
- هل توصيل الكهرباء وإضاءة المساجد بدعة؟
- هل وضع الساعات لمعرفة الأوقات بالمساجد بدعة؟
- هل استخدام المراوح في المساجد بدعة؟
- هل الخطبة والأذان في الميكروفون بدعة؟
- هل نقل الحجاج بالطائرات والسفن والسيارات بدعة؟
ثم قال: «كل هذه المسائل وغيرها تحتاج إلى بحث لمن قال: إن كل ما لم يفعله رسول الله - ﵌ - في الدين بدعة، وهذه كلها أمور تدخل في هذا الإطار وذلك المفهوم، أما من يعتبر ذلك من المصالح المرسلة والاستحسان والبدع الحسنة فلا ينكر من ذلك شيئًا».
الرد:
_________________
(١) راجع: القاعدة التاسعة: الفرق بين البدع والمصالح المرسلة.
[ ١٠٧ ]
أولًا: على فرض أن هذه الأشياء من المصالح المرسلة فليس فيها دليل على البدعة الحسنة وقد تقدم في أول هذا الرد الفرق بين البدع والمصالح المرسلة، والفرق بين البدع والاستحسان.
قال الدكتور عبد الكريم زيدان: «لا خلاف بين العلماء في أن العبادة سبيلها التوقيف، فلا مجال فيها للاجتهاد والرأي، والزيادة عليها ابتداع في الدين، والابتداع مذموم، فكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (١)، فالفرق شاسع بين المصالح المرسلة والبدع.
ثانيًا: قال الدكتور محمد بن حسين الجيزاني - عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية ـ: «إن المصلحة المرسلة لا مدخل لها في التعبدات المحضة، كأفعال الصلاة وأفعال الحج وأنصبة المواريث ومقادير الكفارات والعِدَد والحدود.
فجميع هذه المسائل تعبدية توقيفية، لا مجال فيها للرأي، ولا مدخل فيها للاجتهاد، إلا أن الاستصلاح ربما يقع في بعض العبادات، لكنه إنما يقع في وسائلها المطلقة لا في ذات العبادة وأصلها، ولا يقع أيضًا في وسائلها التوقيفية التي ورد بها الشارع.
ومن الأمثلة على ذلك أن استقبال القبلة ودخول الوقت أمور تعبدية لابد من تحقيقها بالنسبة إلى الصلاة، وقد يستعان في معرفة القبلة بالبوصلة أو غيرها، وبالساعة في معرفة وقت الصلاة، فكل هذا من قبيل الوسائل التي أطلقها الشارع، وتندرج تحت قاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به).
ومن ذلك أيضًا: إنشاء طابق ثانٍ للطواف والسعي والصلاة في المسجد الحرام، ومثل إنشاء جسر متعدد الأدوار للجمرات» (٢) ا. هـ.
_________________
(١) الوجيز في أصول الفقه (ص٢٣٨ - ٢٤٢) بتصرف.
(٢) موقع الإسلام اليوم ٢٧/ ٢/١٤٢٧هـ.
[ ١٠٨ ]
وينطبق هذا الكلام على معظم الأمثلة التي ذكرها الأستاذ محمد حسين، فمثلًا استخدام الناس المراوح في المساجد، وتوصيل الكهرباء إليها، وإضاءتها وفرشها، وغير ذلك، كلها وسائل لعمارة المساجد، حيث إن الشرع قد حثّ على عمارتها وهذه وسائل لعمارتها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِين﴾ [التوبة: ١٨] فقد أثبت الإيمان في الآية لمن عمر المساجد بالصلاة فيها، وتنظيفها وإصلاح ما وَهَى منها (١).
واستخدام الميكروفون في الخطبة والأذان مجرد وسيلة لتبليغ صوت الخطيب والمؤذن، ووضع الساعات لمعرفة الأوقات مجرد وسيلة لتحديد وقت الصلاة، وما ذُكِر من الأمثلة ليس له علاقة من بعيد أو قريب بمسألة البدعة الحسنة.
ثالثًا: من العجيب أن يسأل الأستاذ محمد حسين: «هل نقل الحجاج بالطائرات والسفن والسيارات بدعة؟».
ونقول له: هل يعتقد أحد من المسلمين أن الحج عن طريق الطائرة أفضل في الثواب من الحج عن طريق الإبل؟ إن طريقة انتقال الحاج لأداء الفريضة يرجع إلى العادة وليس العبادة، وهذا أمر مسلّم به، فليس فيما ذكره الأستاذ محمد حسين دليل على وجود البدعة الحسنة.
رابعًا: بعض الأمثلة التي ذكرها الأستاذ محمد حسين تحتاج إلى بحث؛ لأن بعض العلماء قد يعتبرها من المكروهات كالزخرفة للمساجد (٢)، أو من البدع كالدعاء الجماعي في الطواف. (٣)
خامسًا: بعض الأمثلة التي ذكرها الأستاذ محمد حسين أخطأ وقال إنها لم تكن
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي.
(٢) انظر فقه السنة (١/ ٢٩٧)، صحيح فقه السنة (١/ ٥٦٥).
(٣) فتاوى اللجنة الدائمة (١١/ ٣٥٨)، فتاوى أركان الإسلام للشيخ ابن عثيمين (ص٥٤٤ - ٥٤٥).
[ ١٠٩ ]
موجودة على عهد رسول الله - ﵌ -، رغم وجودها على عهده - ﵌ - أو أن لها أصلًا من هديه - ﵌ -، وإليك بعض الأمثلة:
- قال الأستاذ محمد حسين (ص١٣٨ رقم ٢٦): «هل خلْع جميع الناس لأحذيتهم لأداء الصلوات بدعة؟ فقد كانوا يصلون بأحذيتهم ولا يخلعونها في عهد النبي - ﵌ -؟»
* تعليق: قال الشيخ الألباني: «وكان يقف حافيًا أحيانًا ويتنعل أحيانًا (١) وأباح ذلك لأمته فقال: «إذا صلى أحدكم فلْيَلْبس نعليه أو ليخلعهما بين رجليه ولا يؤذ بهما غيره» (٢) وأكد عليهم الصلاة فيهما أحيانًا فقال: «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم» (٣)» ا. هـ (٤).
وعن عبد الله بن السائب قال: «رأيت النبي - ﵌ - يصلى يوم الفتح، ووضع نعليه عن يساره» (٥)، فقد ثبت جواز خلع الأحذية لأداء الصلوات من قول النبي - ﵌ - وفعله.
- قال الأستاذ محمد حسين (ص١٣٩ رقم ٣): «هل الالتزام بدرس ديني في يوم وموعد محدد مقرر بدعة؟ فقد كان رسول الله - ﵌ - يتخوّل الناس بالموعظة».
* تعليق: ذكر الإمام البخاري في كتاب العلم، باب ١٢: باب من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة (الحديث رقم ٧٠): عن أبي وائل قال: كان عبد الله (يعنى ابن مسعود) يذكّر الناس في كل خميس، فقال له رجل: «يا أبا عبد الرحمن لوَدِدْتُ أنك ذكّرتنا كل يوم»، قال: «أما إنه يمنعنى من ذلك أنّي أكره أنْ أُمِلَّكُم وإني أتخَوَّلُكم بالموعظة كما كان النبي - ﵌ - يتخَوَّلُنا بها مخافةَ السَّآمةِ علينا».
_________________
(١) رواه الإمام أبو داود (٦٥٣) وهو حديث متواتر كما ذكر الإمام الطحاوا.
(٢) رواه الإمام أبو داود (٦٥٥) والبزار وصححه الإمام الحاكم ووافقه الإمام الذهبى وصححه الشيخ الألباني.
(٣) رواه الإمام أبو داود (٦٥٢) وصححه الإمام الحاكم ووافقه الإمام الذهبا، وصححه الشيخ الألباني.
(٤) صفة صلاة النبي - ﵌ - (ص ٥٤).
(٥) رواه الإمام أبو داود (٦٤٨) وصححه الشيخ الألباني.
[ ١١٠ ]
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: «قوله: «باب من جعل لأهل العلم يومًا معلومًا» وكأنه أخذ من صنيع ابن مسعود في تذكيره كل خميس أو من استنباط عبد الله (يعني ابن مسعود) ذلك من الحديث الذي أورده» اهـ.
وروى الإمام مسلم (٢٦٣٣) عن أبي سعيد الخدري قال: جاءت امرأة إلى رسول الله - ﵌ - فقالت: «يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله»، قال: «اجتَمِعْنَ يوم كذا وكذا»، فاجتمَعْنَ فأتاهُن رسول الله - ﵌ - فعلمَهُنّ مما علمه الله، ورواه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب: هل يُجعل للنساء يومٌ على حدة في العلم؟ حديث رقم (١٠١)
- قال الأستاذ محمد حسين (ص١٣٦ رقم ١): «هل فرش المساجد بدعة فلم يكن ذلك على عهد رسول الله - ﵌ -؟»
* تعليق: ثبت في صحيح البخاري كتاب الصلاة، باب الصلاة على الحصير (رقم ٣٨٠) أن النبي - ﵌ - صلى على حصير.
قال الحافظ ابن حجر تعليقًا على هذا الحديث: «بل سيأتي عنده - البخاري - من طريق أبي سلمة عن عائشة أن النبي - ﵌ - كان له حصير يبسطه ويصلي عليه»، وكأن الحافظ - ﵀ - يشير إلى ما رواه البخاري (٧٣٠) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة ﵂ أن النبي - ﵌ - كان له حصير يبسطه بالنهار ويحتجره بالليل، فثاب إليه ناس فصلوا وراءه.
قال الحافظ: «يحتجره: أي يتخذه مثل الحجرة، فثاب: أي اجتمعوا».
وروى البخاري أيضًا (٧٣١) عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت - ﵁ - أن رسول الله - ﵌ - اتخذ حجرة وقال: حسبت أنه قال: «من حصير» في رمضان فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه فلما علم بهم جعل يقعد، فخرج إليهم فقال: «قد عرفتُ الذي رأيتُ من صنيعكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة».
[ ١١١ ]
وقال الحافظ ابن حجر أيضًا تعليقًا على الحديث رقم ٣٨٠: «وفي مسلم من حديث أبى سعيد أنه رأي النبي - ﵌ - يصلى على حصير».
خامسًا: ملحوظة: كرر الأستاذ محمد حسين بعض الأمثلة كما في مسألة المراحيض ودورات المياه في المساجد ذكرها تحت رقم (٢٥، ٤٣)، وذكر المراوح تحت رقم (١٣) ثم ذكر تكييف المسجد تحت رقم (٤٦)، وذكر فرش المساجد تحت رقم (١) ثم ذكر فرش السجاجيد تحت رقم (٤٧).
سادسًا: في المقابل نسأل الأستاذ محمد حسين عن بعض ما نعتقده بدعة، ونظن أنه يعتقده كذلك، مثل إضافة لفظ (سيدنا) في الأذان بأن يقول المؤذن: أشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله، فإن النبي - ﵌ - لم يَنْهَ المؤذنين عن ذلك، ولم يرِدْ عنه - ﵌ - دليل خاص في قَصْر المؤذنين على ذلك، مع كون النبي - ﵌ - هو سيدنا بحكم الواقع وبحكم الشرع (انظر سنن أبي داود ٤٨٠٦)، وقد اشترط الأستاذ محمد حسين (ص٢٠) في كون الشيء بدعة (ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه الله أو رسوله - ﵌ -) لكي يُخْرج بذلك البدع الإضافية من بدع الضلالة، وبالتالي - حسب كلامه - لا يكون قول المؤذن: (أشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله) من البدع، وبهذه الطريقة ينفتح الباب لكثير من البدع مثل قول الشيعة: (أشهد أن عليًا وليّ الله) في الأذان فإنه من أولياء الله بلا شك، وكذلك ما يحدث في دولة كسوريا من الأذان الجماعي، حيث يؤذن مجموعة من الناس معًا ويردد مجموعة أخرى خلفهم.
وهذه بعض الأمثلة لبدع إضافية نعتقد أن الأستاذ محمد حسين يوافقنا على أنها من البدع الضلالة، فإما أن يقول إن هذه البدع الإضافية بدع حسنة، وإما أن يقول إنها بدع ضلالة وعندئذ يُقِر بأن «كل بدعة ضلالة» كما قال النبي - ﵌ -، ويقر بأنه ليس في الدين بدعة حسنة:
١ - الأذان لصلاة العيدين.
٢ - قول كثير من المصلين بين ركعات التراويح: «أبوبكر الصديق - ﵁ -»
[ ١١٢ ]
وغيرها من الأذكار بصوت واحد.
٣ - الصلاة والسلام على النبي - ﵌ - من المؤذن عقب الأذان مع رفع الصوت بهما وجعلهما بمنزلة ألفاظ الأذان.
٤ - صلاة تحية المسجد جماعة.
٥ - صلاة سنة الظهر جماعة في المسجد.
٦ - صيام يوم ذكرى غزوة بدر والخندق وفتح مكة
[ ١١٣ ]