قال (ص٢٣، ٢٤) إن عبد الله بن عمر - ﵄ - استحسن صلاة الضحى جماعة في المسجد وسماها بدعة حسنة.
الرد:
سنذكر الآثار التي استدل بها الأستاذ محمد حسين ونرد على كلامه بالتفصيل:
* أولًا: قال الأستاذ محمد حسين (ص٢٣ - ٢٤): «عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر - ﵄ - جالس إلى حجرة عائشة والناس يصلون الضحى في المسجد فسألناه عن صلاتهم، فقال: «بدعة» رواه البخاري (١)، ففي الحديث تسمية ابن عمر لصلاة الضحى جماعة في المسجد بدعة ولم يذمها ولم ينه عنها ومثله ومثل مجاهد وابن الزبير لا يترك بدعة ضلالة أمامه ويقرها».
* الرد:
قوله إن ابن عمر لم يذمها ولم ينه عنها إلخ، أقول: ألم يقل ابن عمر إنها بدعة؟ وقد قال - ﵌ -: «كل بدعة ضلالة»، أليس هذا إنكارًا لها أم لابد أن ينكر عليهم باليد؟ ويدل على إنكار ابن عمر - ﵁ - قول الإمام النووي: «وأما ما صح عن ابن عمر أنه قال في الضحى: هي بدعة، محمول على أن صلاتها في المسجد والتظاهر بها، كما كانوا يفعلونه بدعة، لا أن أصلها في البيوت ونحوها مذموم» (٢)، ويدل على ذلك أيضًا ما قاله الحافظ في فتح الباري - بعد عدة أسطر من المكان الذي نقل منه الأستاذ محمد حسين ـ: «قال عياض وغيره: إنما أنكر ابن عمر ملازمتها وإظهارها في المسجد، وصلاتها جماعة، لا أنها مخالفة للسنة، ويؤيده ما رواه ابن أبى شيبة عن ابن
_________________
(١) رواه الإمام البخاري (١٧٧٥).
(٢) شرح صحيح الإمام مسلم حديث (٧/ ٧).
[ ٩١ ]
مسعود أنه رأي قومًا يصلونها فأنكر عليهم، وقال: إن كان ولابد ففي بيوتكم» اهـ.
* ثانيًا: قال الأستاذ محمد حسين (ص٢٤): «جاء في (فتح الباري) لابن حجر عن الحكم بن الأعرج عن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحا، فقال: «بدعة ونعمت البدعة» كما روى عبد الرزاق في مصنفه بإسناد صحيح كما ذكره أيضًا صاحب فتح الباري عن عبد الله بن عمر - ﵁ - قال: «لقد قُتل عثمان وما أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئًا أحب إليَّ منها»، فقد استحسن ابن عمر صلاة الضحى جماعة في المسجد وسماها بدعة ومحدثة».
* الرد:
١ - أطلب من القارئ الكريم أن يقرأ النص مرة أخرى فقد سئل ابن عمر عن صلاة الضحى (لم يُسأل عن صلاة الضحى جماعة وفي المسجد)، فقال: «بدعة ونعمت البدعة»، فمن أين جاء بهذا الاستدلال العجيب.
٢ - أما قوله: «نعمت البدعة» و«وما أحدث الناس شيئًا أحب إليَّ منها» فليس دليلًا على جواز الابتداع في الدين؛ فقد تقدم كلام ابن رجب الحنبلي: «وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية» (١) فيكون قوله - ﵁ - كقول أبيه في صلاة التراويح: «نعمت البدعة» من حيث المداومة عليها كما سبق الرد عليه.
ويدل لذلك قول عائشة ﵂: «ما رأيت رسول الله - ﵌ - يصلى سُبْحة الضحى قط، وإني لأُسبّحها، وإن كان رسول الله - ﵌ - لَيَدَع العمل وهو يحب أن يَعْمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم» (٢).
قال الإمام البيهقي: «عندي أن المراد بقولها: «ما رأيته سبحها» أي داوم
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٣٦٦).
(٢) رواه الإمام مسلم (٧١٨).
[ ٩٢ ]
عليها، وقولها: «وإني لأسبحها» أي أداوم عليها» (١).
قال الإمام النووي أن النبي - ﵌ - لم يواظب عليها خشية أن تفرض، وهذا في حقه - ﵌ -، وقد ثبت استحباب المحافظة في حقنا بحديث أبى الدرداء وأبى ذر (٢).
فقول ابن عمر - ﵁ - عن صلاة الضحى: «نعمت البدعة»، ليس دليلًا على الابتداع في الدين، فسنة الضحى ثابتة عن رسول الله - ﵌ - من فعله ومن قوله (٣).
بل ثبت في السنة ما يدل على جواز صلاة الضحى في المسجد - فرادى وليس في جماعة ـ، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: بعث رسول الله - ﵌ - سريَّة فغنموا وأسرعوا الرجعة، فتحدث الناس بقُرْب مغزاهم وكثرة غنيمتهم وسرعة رَجْعتهم، فقال رسول الله - ﵌ -: «ألا أدلكم على أقرب منه مغزى وأكثر غنيمة وأوشك رجعة؟ من توضأ ثم غدا إلى المسجد لِسُبحة الضحا، فهو أقرب مغزى وأكثر غنيمة، وأوشك رجعة» (٤).
قال الحافظ ابن حجر: «وفي الجملة ليس في أحاديث ابن عمر ما يدفع مشروعية صلاة الضحا؛ لأن نفيَه محمول على عدم رؤيته لا على عدم الوقوع في نفس الأمر، أو الذي نفاه صفة مخصوصة» (٥).