استدلاله (ص٢٧ - ٣٠) بجمع أبي بكر وعثمان - ﵄ - للمصحف.
الرد:
أولًا: القرآن كان في عهد النبي - ﵌ - مكتوبًا في الصحف؛ لقوله تعالى: ﴿يَتْلُو
[ ١٠٠ ]
صُحُفًا مُطَهَّرَة﴾ [البينة: ٢] وقول الرسول - ﵌ -: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه» (١)، لكنها كانت مفرقة، كما يدل على ذلك قول زيد بن ثابت - ﵁ - في قصة جمع القرآن التي رواها الإمام البخاري: «فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال».
ثانيًا: إن جمع القرآن لم يأت به الصحابة من تلقاء أنفسهم، بل هو تحقيق لوعد الله تعالى أيضًا بجمعه؛ كما وعد بحفظه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]، فإذا جمعنا بين الآيتين؛ تبين لنا يقينًا أصل عظيم وهو أن الذي شرع الغاية لم ينس الوسيلة، فكما أن حفظ القرآن غاية شرعها الله، كذلك جَمْعه وسيلة بيّنها الله، فكان على عهد النبوة مكتوبًا في الصحف التي هي العسب واللخاف (٢) وكذلك صدور الرجال، فلما رأى الصحابة أن القتل استحرَّ بالقراء يوم اليمامة؛ لجؤوا إلى الوسائل الأخرى التي كان القرآن مكتوبًا فيها، فجمعوها، وكان ذلك إيذانًا من الله بتحقيق جمع القرآن وحفظه.
ثالثًا: إن اتفاق الصحابة وقع على جمع القرآن وذلك إجماع منهم وهو حجة بلا ريب كيف وهم القوم لا يجتمعون على ضلالة؟! وقد قال النبي - ﵌ -: «إنَّ اللهَ - تعالى - لا يَجمعُ أُمَّتي على ضلالةٍ» (٣).
رابعًا: إن حاصل ما فعله الصحابة وسائل لحفظ أمر ضروري، أو دفع ضرر اختلاف المسلمين في القرآن، والأمر الأول من باب «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، والأمر الثاني من باب «درء المفاسد، وسد الذرائع» وهي قواعد أصولية مستنبطة من الكتاب والسنة.
فإن قيل: فلماذا لم يفعله رسول الله - ﵌ -؟ قيل: لوجود المانع، وهو أن القرآن
_________________
(١) رواه الإمام مسلم (٣٠٠٤).
(٢) العسب جمع عسيب وهو جريد النخل، و(اللخاف) كلِحاف: حجارة بيض رقاق، واحدتها لخفة، كسمكة.
(٣) رواه الإمام الحاكم في المستدرك، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (١٨٤٨).
[ ١٠١ ]
كان يتنزل عليه طيلة حياته، وقد ينسخ الله سبحانه منه ما يريد، فلما انتفى المانع؛ فعله الصحابة - ﵃ - باتفاق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «المانع من جمعه كان على عهد رسول الله - ﵌ - أن الوحي كان لا يزال ينزل، فيغير الله ما يشاء ويحكم ما يريد. فلو جمع في مصحف واحد، لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت، فلما استقر القرآن بموته، واستقرت الشريعة بموته - ﵌ - أمن الناس من زيادة القرآن ونقصه، وأمنوا من زيادة الإيجاب والتحريم، والمقتضي للعمل قائم بسنته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فعمل المسلمون بمقتضى سنته، وذلك العمل من سنته، وإن كان يسمى في اللغة بدعة» (١).
خامسًا: قال الإمام الشاطبي - ﵀ -: «هذا من قبيل المصالح المرسلة، لا من قبيل البدعة المحدثة، والمصالح المرسلة قد عمل بمقتضاها السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، فهي من الأصول الفقهية الثابتة عند أهل الأصول وإن كان فيها خلاف بينهم، ولكن لا يعد قدحًا على ما نحن فيه، فقد اختلف الناس في القراءة فخاف الصحابة - رضوان الله عليهم - اختلاف الأمة في ينبوع الملة، فقصروا الناس على ما ثبت في مصاحف عثمان - ﵁ - وطرحوا ما سوى ذلك، علمًا بأن ما طرحوه مضمن في ما أثبتوه؛ لأنه من قبيل القراءات التي يؤدى بها القرآن» (٢).
وقال أيضًا: «وهذا له أصل يشهد له في الجملة، وهو الأمر بتبليغ الشريعة، وذلك لا خلاف فيه؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] وأمته مثله» (٣)، وقال الحافظ ابن رجب: «وقد كان - ﵌ - يأمر بكتابة الوحي، ولا فرق بين أن يكتب مفرقًا أو مجموعًا، بل جمعه صار أصلح» (٤).
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (ص ٢٥٠)
(٢) الاعتصام (١/ ١٨١، ١٨٢) بتصرف.
(٣) الاعتصام (١/ ١٨٢) بتصرف.
(٤) جامع العلوم والحكم (٤٧٦).
[ ١٠٢ ]
* قال الدكتور عبد الكريم زيدان: «لا خلاف بين العلماء في أن العبادات لا يجرى فيها العمل بالمصالح المرسلة، لأن أمور العبادة سبيلها التوقيف، فلا مجال فيها للاجتهاد والرأْي، والزيادة عليها ابتداع في الدين، والابتداع مذموم فكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» (١)، وقد قال الأستاذ محمد حسين (ص٢٩): «اقتضت المصلحة ذلك » وقال (ص٣٠): «رأي الصحابة والمسلمون المصلحة في ذلك» ا. هـ. فهذا من قبيل المصالح المرسلة (٢) فليس في جمع الصحابة للقرآن دليل على أن في الإسلام بدعة حسنة (٣).
سادسًا: قد أمر الرسول - ﵌ - باتباع سنة الخلفاء الراشدين وهذا من سنة خلفائه الراشدين.