تعريف البدعة (١)
قال الشيخ صالح الفوزان: «البدعة في اللغة: مأخوذة من البَدْع، وهو الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله - تعالى ـ: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] أي مخترعها على غير مثال سابق، وقوله - تعالى ـ: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] أي: ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل. ويقال: ابتدع فلان بدعة، يعني: ابتدأ طريقة لم يُسبَق إليها.
والابتداع على قسمين: ابتداع في العادات كابتداع المخترعات الحديثة، وهذا مباح؛ لأن الأصل في العادات الإباحة. وابتداع في الدين وهذا مُحرَّم؛ لأن الأصل فيه التوقيف، قال - ﵌ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٢)، وفي رواية: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله - ﵌ -، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب، فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، وعُلِم الأمر به بالأدلة الشرعية فهو من الدين الذي شرعه الله، وسواء
_________________
(١) مجموع الفتاوي (٤/ ١٠٨)، الاعتصام للإمام الشاطبي (١/ ٤٢ - ٤٦، ٢/ ٤٢١ - ٤٢٢، ٤٣٨). محاضرات في العقيدة والدعوة (١/ ٩٩ - ١٠٠) بتصرف.
(٢) رواه الإمام البخاري (٢٦٩٧)، والإمام مسلم (١٧١٨).
(٣) رواه الإمام مسلم.
[ ١٥ ]
كان هذا مفعولًا على عهد النبي - ﵌ - أو لم يكن، فما فُعِل بعده بأمره - من قتال المرتدين، والخوارج المارقين، وفارس والروم والترك، وإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وغير ذلك - هو من سنته.
ولهذا كان عمر بن عبد العزيز - ﵀ - يقول: سن رسول الله - ﵌ - سننًا، الأخذ بها تصديقٌ لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله. ليس لأحد تغييرها ولا النظر في رأي من خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا، فسنة خلفائه الراشدين هي: مما أمر الله به ورسوله، وعليه أدلة شرعية مفصلة».
قال الإمام الشاطبي: «البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه، (تضاهى: تشابه).
فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص لم تُسَمّ بدعة كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدم.
* ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم، فمنها ما له أصل في الشريعة ومنها ما ليس له أصل فيها، خُصّ منها القسم المخترع، أي طريقة ابتُدِعت على غير مثال تقدمها من الشارع، وبهذا القيد انفصلت عن كل ما ظهر لبادي الرأي أنه مخترَع مما هو متعلق بالدين، كعلم النحو والتصريف ومفردات اللغة وأصول الفقه وأصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة، فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول، فأصولها موجودة في الشرع، إذ علوم اللسان هادية للصواب في الكتاب والسنة، فحقيقتها إذًا أنها فقه التعبد بالألفاظ الشرعية كيف تُؤْخَذ وتُؤَدَّا.
* البدعة تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك بل هي مضادة لها من أوجه متعددة، منها:
١ - وضع الحدود كالناذر للصيام قائمًا لا يقعد، ضاحيًا لا يستظل، والاختصاص في الانقطاع للعبادة، والاقتصار في المأكل والمشرب على صنف دون
[ ١٦ ]
صنف من غير علة.
٢ - التزام الكيفيات والهيئات المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي - ﵌ - عيدًا، وما أشبه ذلك.
٣ - التزام العبادات المعيَّنة في أوقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة، كالتزام صوم يوم النصف من شعبان (١) وقيام ليلته.
فلو كانت لا تضاهي الأمور المشروعة لم تكن بدعة، لأنها تصير من باب الأفعال العادية».
* هل البدع تدخل في العادات؟
قال الإمام الشاطبي: «العاديات من حيث هي عادية لا بدعة فيها، ومن حيث يُتَعَبَّد بها أو توضع وضع التعبد - تدخلها البدعة، وأفعال المكلفين - بحسب النظر الشرعي فيها - على ضَرْبين: أحدهما: أن تكون من قبيل التعبدات، والثاني: أن تكون من قبيل العادات.
وثبت في الأصول الشرعية أنه لابد في كل عادي من شائبة التعبد؛ لأن ما لم يُعقَل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه فهو المراد بالتعبدي وما عُقِل معناه وعُرِفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي، فالطهارات والصلوات والصيام والحج كلها تعبدي، والبيع والنكاح والشراء والطلاق والإجارات والجنايات كلها عادي؛ لأن أحكامها معقولة المعنا، ومع أنها معقولة المعنى لابد فيها من التعبد إذ هي مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها، وإذا كان كذلك فقد ظهر اشتراك القسمين في معنى التعبد، فإن جاء الابتداع في الأُمور العادية من ذلك الوجه، صح دخوله في العاديات كالعبادات، وإلا فلا».
_________________
(١) أما إن صامه على أنه أحد الأيام البيض (١٣، ١٤، ١٥) فهذا من السنة، فعن ملحان القيسي - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﵌ - يأمرنا أن نصوم البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، قال: قال: «هن كهيئة الدهر»، رواه الإمام أبو داود (٢٤٤٩)، وصححه الشيخ الألباني.
[ ١٧ ]
فالأفعال العادية قد تدخل في نطاق البدع بنية صاحبها سواء في الفعل (كلبس الصوف بقصد التقرب إلى الله)، أو في الترك (كالتقرب إلى الله بالصمت الدائم، أو بالامتناع عن الخبز واللحم وشرب الماء البارد، أو بالقيام في الشمس وترك الاستظلال).
[ ١٨ ]