الحث على التمسك بالدين وإحياء السنة والتحذير من الابتداع
قال الشيخ على محفوظ:
* قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فإذا كان الله سبحانه قد أكمل لنا الدين بما أنزله في كتابه العربي المبين وعلى لسان نبيه الأمين وبين لنا من حلال وحرام، فمن اتبع غير سبيل المؤمنين فهو الحقيق بهذا الوعيد الشديد، قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
* قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أي ما تركنا وما أغفلنا شيئًا يحتاج إليه من الأشياء المهمة، فقد نفى سبحانه التقصير فيما شرع من كتابه الحكيم الذي هو متن السنة، وقد أمر تعالى باتباع سبيله وما شرع من الدين القويم، ونهى عن اتباع غير سبيل المؤمنين فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] فذكر تعالى أن له سبيلًا واحدًا سماه صراطًا مستقيمًا لأنه أقرب طريق إلى الحق والخير والسلام، وأن هناك سبلًا متعددة يتفرق متبعوها عن ذلك الصراط، وهي طرق الشيطان، وحث سبحانه على اتباع سبيله الذي هو الكتاب والسنة حثًا مقرونًا بالنهي عن اتباع السبل مبينًا أن ذلك سبب للتفرق، ولذا ترى المسلمين العاملين قد لزموا سبيلًا واحدًا أمروا بسلوكه وأما أهل البدع والأهواء فقد افترقوا في سبلهم على حسب معتقداتهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة.
* قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] قال العلماء: معناه: إلى الكتاب والسنة، فأمر سبحانه برد الأمر في حالة النزاع إلى كتابه
[ ١٩ ]
العزيز وسنة نبيه - ﵌ - ففي حالة الوفاق أولا.
* قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فقد جعل ﷾ علامة محبته اتباع الرسول - ﵌ - فمن لم يتبع الرسول وادعى محبة الله تعالى فهو كاذب في دعواه فإن عصيان الرسول عصيان لله تعالا، ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠] وعصيان الله تعالى ينافي محبته، فالخيرة في اتباع الرسول - ﵌ - والشر في مخالفة سنته، فإذًا الواجب علينا معاشر المسلمين اتباعه في جميع أقواله وأفعاله والتأسي به في سائر أحواله، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وما أخبث رجلًا ترك سبيل السُنة الشارحة للكتاب واستبدل العذب بالعذاب، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (١).
* قال الحافظ ابن كثير: «﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: عن أمر رسول الله - ﵌ -، وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وشريعته فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبِل وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله، كائنًا من كان كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله - ﵌ - أنه قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) أي: فليحذر ولْيَخْش من خالف شريعة الرسول باطنًا أو ظاهرًا ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الدنيا، بقتل أو حد أو حبس، أو نحو ذلك» (٣).
* قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
قال مجاهد: «تبيانًا للحلال والحرام» (٤).
_________________
(١) الإبداع في مضار الابتداع للشيخ علي محفوظ (ص١٧ - ١٩) بتصرف.
(٢) رواه الإمام البخاري (٢٦٩٧)، الإمام مسلم (١٧١٨).
(٣) تفسير القرآن العظيم (عند تفسير الآية ٦٣ من سورة النور).
(٤) تفسير القرطبيّ (١٠/ ١٦٤).
[ ٢٠ ]
قال الإمام القرطبيُّ: «أي ما تركنا شيئًا من أمر الدين إلاَّ وقد دللنا عليه في القرآن، إمَّا دلالة مبيَّنة مشروحة، وإمَّا مجملة يُتَلقَّى بيانُها من الرسول ﵊، أو من الإجماع، أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال: ﴿وَمَا ءاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فأجْمَلَ في هذه الآية وآية النحل ما لم ينص عليه مما لم يذكره، فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شيءٍ إلاَّ ذكره، إمَّا تفصيلًا وإمَّا تأصيلًا، وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]» (١).
* قال - ﵌ -: «إنِّي قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وما خالف النصوص فهو بدعة باتفاق المسلمين» (٣).
* قال - ﵌ -: « ولكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٤).
قال الإمام الشاطبي: «والرأيُ إذا عارض السنة فهو بدعة وضلالة» (٥).
* قال رسول الله - ﵌ -: « إنه من يَعِش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثاتِ الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٦)، عضوا عليها
_________________
(١) تفسير القرطبي (٦/ ٤٢٠).
(٢) رواه الإمام الحاكم في المستدرك (١/ ٩٣)، وصححه الشيخ الألبانِيُّ.
(٣) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٦٣).
(٤) رواه البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١).
(٥) الاعتصام (٢/ ٣٣٥).
(٦) رواه الإمام أبو داود (٤٦٠٧) وصححه الشيخ الألباني، وروى الإمام مسلم لفظة: «كل بدعة ضلالة».
[ ٢١ ]
بالنواجذ: كناية عن شدة التمسك بها، والنواجذ: الأضراس.
قال الإمام الشاطبي: «يطلق لفظ السنة على ما جاء منقولًا عن النبي - ﵌ - على الخصوص مما لم يُنَصّ عليه في الكتاب العزيز، بل إنّ ما نُصَّ عليه من جهته - ﵌ - كان بيانًا لما في الكتاب أولًا.
ويُطلَق أيضًا في مقابلة البدعة، فيقال: فلان على سنة، إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي - ﵌ -، ويقال: فلان على بدعة، إذا عمل على خلاف ذلك.
ويطلق أيضًا لفظ السنة على ما عمل عليه الصحابة - ﵃ -، وُجِد ذلك في الكتاب والسنة أو لم يوجد، لكونه اتباعًا لسنة ثبتت عندهم، لم تُنْقل إلينا، أو اجتهادًا مجتمعًا عليه منهم أو من خلفائهم، فإن إجماعهم إجماع، وعمل خلفائهم راجع أيضًا إلى حقيقة الإجماع، من جهة حَمْل الناس عليه حسبما اقتضاه النظر المصلحي عندهم، فيدخل تحت هذا الإطلاق المصالح المرسلة والاستحسان، كما فعلوا في حَدّ الخمر، وتضمين الصناع، وجمع المصحف، وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة، وتدوين الدواوين، وما أشبه ذلك، ويدل على هذا الإطلاق قوله - ﵌ -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» (١) اهـ.
قال الشيخ عبد الله دراز - تعليقًا على قول الإمام الشاطبي السابق ـ: «فقد أضاف - ﵌ - السنّة إليهم كما أضافها إلى نفسه، فسُنّتهم هي ما عملوه استنادًا لسنته، وإن لم تطلع عليها منقولة عنه، وكذا ما استنبطوه بما اقتضاه نظرهم في المصلحة».
* قال رسول الله - ﵌ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» (٢).
قال الإمام النوويُّ: «قال أهل العربية: الرد هنا بمعنى المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتد به». وقال: «وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه - ﵌ -، فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات»، وقال: «وهذا
_________________
(١) الموافقات (٤/ ٣).
(٢) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).
[ ٢٢ ]
الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به» (١).
قال الحافظ ابن رجب: «فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود» (٢).
وقال الحافظ ابن حجر: «وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعده؛ فإن من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه» (٣).
* قال - ﵌ -: «إنَّه لم يكن نبيٌّ قبلي إلاَّ كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرّ ما يعلمه لهم» (٤).
قيل لسلمان - ﵁ -: قد علَّمكم نبيُّكم - ﵌ - كلَّ شيء؛ حتى الخراءة!!. فقال: «أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقلّ من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم» (٥).
* قال رسول الله - ﵌ -: «من أحيا سنة من سنتي فعمل بها الناس، كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئًا، ومن ابتدع بدعة فعُمِل بها، كان عليه أوزار من عمل بها لا ينقص من أوزار من عمل بها شيئًا» (٦).
_________________
(١) شرح مسلم (١٢/ ١٦).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ١٧٨).
(٣) فتح الباري (٥/ ٣٠٢).
(٤) رواه مسلم (١٨٤٤).
(٥) رواه مسلم (٢٦٢).
(٦) رواه الإمام ابن ماجه (٢٠٩) وصححه الشيخ الألباني.
[ ٢٣ ]