المبتدع يتبع المتشابه وينصر به بدعته
* قال الإمام الشاطبي: «لا تجد مبتدعًا ممن ينسب إلى الملة إلا وهو يستشهد على بدعته بدليل شرعي فينزله على ما وافق عقله وشهوته وهو أمر ثابت في الحكمة الأزلية التي لا مرد لها، قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] وقال: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [المدثر: ٣١] لكن إنما ينساق لهم من الأدلة المتشابه منها لا الواضح» (١).
* عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله - ﵌ - هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، قالت: قال رسول الله - ﵌ -: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» (٢).
* تفسير الآية: يخبر تعالى أن في القرآن ﴿آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أُخَر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم فمن رد ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى ومن عكس انعكس.
﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: أي أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه.
_________________
(١) الاعتصام (١/ ١٣٨، ١٣٩).
(٢) رواه الإمام البخاري (٤٥٤٧).
[ ٥٧ ]
﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئًا أخر، من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل.
﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه، لأنه دامغ لهم وحجة عليهم.
﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: أي الإضلال لأتباعهم.
﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾: أي تحريفه على ما يريدون (١).
* قال عبد الرحمن بن مهدي وغيره: «أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم» (٢).
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير عند تفسير الآية (بتصرف).
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص٧، ٨).
[ ٥٨ ]