* عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سألت أبا سعيد الخدري عن الإزار، فقال: على الخبير سقطتَ! قال رسول الله - ﵌ -: «إزْرَةُ المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج - أو لا جناح - فيما بين الكعبين، ما كان أسفل الكعبين فهو في النار، من جر إزاره بطرًا لم ينظر الله إليه» (١).
قسم النبي - ﵌ - طول القميص إلى أربعة أقسام:
١ - السُّنة: إلى نصف الساق.
٢ - الرخصة: ما نزل من نصف الساق إلى الكعب.
٣ - كبيرة من كبائر الذنوب: ما نزل عن الكعبين.
٤ - من جر ثوبه خيلاء أو بطرًا؛ وهو أشد من الذي قبله.
وفي هذا دليل على أن من أنزل ثوبه: إزارًا أو قميصًا أو سروالًا أو (مشلحًا) إلى أسفل من الكعبين فإنه قد أتى كبيرة من كبائر الذنوب سواء فعل ذلك خيلاء أو لغير الخيلاء، لأن النبي - ﵌ - فرّق في هذا الحديث بين ما كان خيلاء وما لم يكن كذلك فالذي جعله خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة.
وإذا ضممنا هذا الحديث إلى حديث أبي ذر (٢) - ﵁ - قلنا: لا ينظر الله إليه ولا يكلمه ولا يزكيه وله عذاب أليم.
أما ما دون الكعبين فإنه يعاقب عليه بالنار فقط، ولكن لا تحصل له العقوبات
_________________
(١) رواه الإمام أبو داود (٤٠٩٣) وصحح الإمام النووي إسناده، وصححه الشيخ الألباني.
(٢) عن أبي ذر عن النبي - ﵌ - قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم» قال: فقرأها رسول الله - ﵌ - ثلاث مِرَار، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟! قال: «المسبل والمنان والمنَفِّق سلعته بالحلف الكاذب» رواه الإمام مسلم (١٠٦).
[ ١٧٢ ]
الأربع (١).
* قال - ﵌ -: «الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر منها شيئًا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» (٢).
* مناقشة كلام الأستاذ محمد حسين:
أولًا: قول الرسول - ﵌ - لأبي بكر - ﵁ -: «إنك لَسْتَ ممن يفعلُه خُيَلاء».
* الرد:
١ - قال رسول الله - ﵌ -: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، قال أبو بكر - ﵁ -: «يا رسول الله، إن أحد شقى إزارى يسترخى إلا أن أتعاهد ذلك منه»، فقال النبي - ﵌ -: «لستَ ممن يفعله خيلاء» (٣).
قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث من فتح الباري: «(الشق): الجانب، (يسترخا): وكان سبب استرخائه نحافة جسم أبي بكر، (إلا أن أتعاهد ذلك منه): أي يسترخى إذا غفلتُ عنه، فكأن شدّه كان يَنْحَلّ إذا تحرك بمشْى أو غيره بغير اختياره.
قوله: «لست ممن يصنعه خيلاء»: فيه أنه لا حرج على من انجر إزاره بغير قصد مطلقًا» (٤).
يتضح من كلام الحافظ ابن حجر أن أبا بكر - ﵁ - لم يُرخ ثوبه اختيارًا منه، بل كان ذلك يسترخا، ومع ذلك فهو يتعاهده، ومع ذلك فإن أبا بكر - ﵁ - لم يبرّئ نفسه ابتداءً عند سماع الحديث، وسؤاله يدل على أنه اتهم نفسه وخاف عليها، والذين يسبلون ويزعمون أنهم لم يقصدوا الخيلاء يرخون ثيابهم عن قصد، فنقول لهم؛ إن قصدتم
_________________
(١) شرح رياض الصالحين للشيخ ابن عثيمين (١/ ٦٣٤).
(٢) رواه الإمام أبو داود (٤٠٩٤) وصححه الشيخ الألباني.
(٣) رواه الإمام البخاري (٥٧٨٤).
(٤) فتح الباري (١٠/ ٣٠٨ - ٣٠٩).
[ ١٧٣ ]
إنزال ثيابكم إلى أسفل من الكعبين بدون قصد الخيلاء عُذبتم على ما نزل فقط بالنار، وإن جررتم ثيابكم خيلاء عُذبتم بما هو أعظم من ذلك: لا يكلمكم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليكم، ولا يزكيكم ولكم عذاب أليم.
٢ - أبو بكر - ﵁ - زكاه النبي - ﵌ - وشهد له أنه ليس ممن يفعل ذلك خيلاء، فهل نال أحد من هؤلاء تلك التزكية والشهادة؟! (١)
٣ - عن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: مررت على رسول الله - ﵌ - وفي إزاري استرخاء فقال: «يا عبد الله، ارفع إزارك » (٢)، فهل الذين يسبلون ويزعمون أنهم لم يقصدوا الخيلاء أفضل من عبد الله بن عمر، فقد أمره الرسول - ﵌ - أن يرفع إزاره، ولم يسأله: هل تفعل ذلك خيلاء أم لا؟
٤ - عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﵌ -: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، فقالت أم سلمة: «فكيف يصنع النساء بذيولهن؟»، قال: «يرخين شبرًا»، فقالت: «إذًا تنكشف أقدامهن»، قال: «فيرخينه ذراعًا، لا يزدن عليه» (٣).
فلو كان التحريم مختصًا بالخيلاء لما كان في استفسار أم سلمة عن حكم النساء في جر ذيولهن معنا، بل فهمَتْ الزجر عن الإسبال مطلقًا سواء كان عن مخيلة أم لا، فسألَتْ عن حكم النساء في ذلك لاحتياجهن إلى الإسبال من أجل ستر العورة، لأن جميع قدمها عورة، فبين لها أن حكمهن في ذلك خارج عن حكم الرجال في هذا المعنى فقط، وقد نقل القاضي عياض الإجماع على أن المنع في حق الرجال دون النساء، ومراده منع الإسبال؛ لتقريره - ﵌ - أم سلمة على فهمها، إلا أنه بيّن لها أنه عام مخصوص لتفرقته في الجواب بين الرجال والنساء في الإسبال وتبيينه القدر الذي يمنع
_________________
(١) فتاوى أركان الإسلام للشيخ ابن عثيمين (ص٢٩٨ - ٢٩٩) بتصرف.
(٢) رواه الإمام مسلم (٢٠٨٦).
(٣) رواه الإمام الترمذي (١٨٠١) وصححه الشيخ الألباني.
[ ١٧٤ ]
ما بعده في حقهن كما بين ذلك في حق الرجال.
والحاصل أن للرجال حالين: حال استحباب وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق، وحال جواز وهو إلى الكعبين، وكذلك النساء حالان: حال استحباب وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر، وحال جواز بقدر ذراع. (١)
* قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: «قال ابن العربي: «لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه، ويقول: لا أجُرّه خيلاء، لأن النهي قد تناوله لفظًا، ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكمًا أن يقول لا أمتثله لأن تلك العلة ليست فيّ، فإنها دعوى غير مسَلَّمة، بل إطالته ذيله دالة على تكبُّره» ا. هـ ملخصًا، ثم قال الحافظ: «وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصد اللابس الخيلاء ويؤيده ما أخرجه أحمد عن ابن عباس في أثناء حديث رفعه (٢): «وإياك وجر الإزار، فإن جر الإزار من المخيلة» (٣).
ثانيًا: كالعادة اعتمد الأستاذ محمد حسين (ص٧٣ - ٧٥) على أقوال وأفعال لبعض العلماء.
* الرد:
١ - معظم هذه الأقوال معتمدة على قول الرسول - ﵌ - لأبي بكر: «لست ممن يفعله خيلاء» وقد سبق الرد على ذلك.
٢ - سبق الرد على منهج المؤلف في ترك الأحاديث لأقوال العلماء (أنظر مسألة اللحية).
٣ - فعل الصحابي أو قوله إذا خالف قول النبي - ﵌ - لا يؤخذ به فمن دونه من باب أولا.
_________________
(١) فتح الباري (شرح حديث ٥٧٨٨) (١٠/ ٣١٢).
(٢) رفعه: أي رفعه إلى النبي - ﵌ - أي أن النبي هو الذي قال ذلك.
(٣) فتح الباري (شرح حديث ٥٧٩١) (١٠/ ٣١٨).
[ ١٧٥ ]
٤ - العلماء الذين نقل عنهم - إن صح النقل - أمروا بترك أقوالهم وأفعالهم إذا خالفت قول النبي - ﵌ - (١).
ثالثًا: نقل الأستاذ محمد حسين (ص٧٣) أن الشيخ تقي الدين - شيخ الإسلام ابن تيمية - اختار عدم تحريمه ولم يتعرض للكراهة ولا عدمها.
* توضيح: سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن طول السراويل إذا تعدى عن الكعب هل يجوز؟
فأجاب: «طول القميص والسراويل وسائر اللباس، إذا تعدى ليس له أن يجعل ذلك أسفل الكعبين، كما جاءت بذلك الأحاديث الثابتة عن النبي - ﵌ -، وقال: «الإسبال في السراويل والإزار والقميص» (٢)، يعنى نهى عن الإسبال» (٣)، وقال أيضًا: «الإسبال والجر منهي عنه بالاتفاق، وهو محرم على الصحيح» (٤).
سؤال: لو تخيلنا أن الرسول - ﵌ - جاءنا وقال لنا - كما قال لابن عمر ـ: «ارفع إزارك»، فهل ننقل له أقوال العلماء كما ذكر الأستاذ محمد حسين في (اللمع) أم نقول: «سمعًا وطاعة يا رسول الله»؟
* الدين كله لُباب لا قشور فيه:
قال الدكتور عمر الأشقر - وهو أحد رموز الإخوان المسلمين في الأردن ـ: «يجب الاعتناء بفعل الأعمال التي فرضها الله علينا أو حبَّب إلينا القيام بها، وبترك ما نهى عنه من أعمال؛ لأن ذلك جزء من الإيمان، فالعمل المتروك - وإن كان قليلًا - يُنقِص من الإيمان بذلك المقدار.
ومن هنا يجب أن ينتبه الذين يهوّنون من شأن العمل بسنة الرسول - ﵌ -
_________________
(١) راجع أقوالهم في بداية هذا الكتاب.
(٢) رواه الإمام أبو داود (٢٠٩٤) بلفظ: «الإسبال في الإزار والقميص والعمامة» وصححه الشيخ الألباني.
(٣) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٤٦) الطبعة القديمة (٢٢/ ١٤٤).
(٤) اقتضاء الصراط المستقيم (ص١١٨).
[ ١٧٦ ]
والتزامها إلى خطورة موقفهم، وقد يتعدى بعض هؤلاء طوره فيصف أمورًا من السنن أو الدين بأنها قشور، ونسأل الله أن يعفو عن هؤلاء، فإن الدين كله لباب لا قشور فيه، وإن تفاوتت أمور الدين في الأهمية
وكم يؤثر في نفسي مشهد عمر - ﵁ - عندما طُعِن ودخل عليه شاب وقال لعمر قولًا حسنًا، فلما أدبر الشاب ليخرج، إذا إزاره يمس الأرض، فدعاه عمر - ﵁ - وقال له: «يا ابن أخي، ارفع ثوبك؛ فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك»، ولم يمنعه الموت الذي نزل به من أن يرشد ذلك الرجل إلى أمرٍ يَعُدَّه كثير من الناس اليوم من القشور التي لا يجوز أن يُعنَى بها» (١).
مثال لإنكار النبي - ﵌ - لهذا المنكر (الإسبال): أبصر رسول الله - ﵌ - رجلًا يجر إزاره فأسرع إليه أو هرول، فقال: «ارفع إزارك واتق الله»، قال: إني أحنف تصطك ركبتاي، فقال: «ارفع إزارك فإن كل خلق الله - ﷿ - حسن». فما رُؤيَ ذلك الرجل بعدُ إلا إزاره يصيب أنصاف ساقيه أو إلى أنصاف ساقيه (٢).
الحَنَف: إقْبال القدَم بأصابعها على القَدم الأخْرَا.
الصَّكَكُ: ان تَضْرِب إحْدى الركْبتَين الأُخْرى عند العَدْو.
فتأمل إنكار النبي - ﵌ - على هذا الصحابي رغم ما رأيتَ من حاله - ﵁ -، وتأمل امتثاله لأمر النبي - ﵌ -، وقارن بينه وبين من يسبلون ثيابهم اليوم بحجج واهية.
_________________
(١) العقيدة في الله في ضوء الكتاب والسنة (١/ ٢٣ - ٢٤)، والأثر رواه الإمام البخاري (٣٧٠٠).
(٢) رواه الإمام أحمد في المسند ١٩٣٦٧، وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة ١٤٤١.
[ ١٧٧ ]