*قال الشيخ محمد إسماعيل المقدم: «لقد شاع القول بإخراج القيمة مطلقًا وذاع فشب عليه الصغير، وهرم عليه الكبير، واستفاض في الناس، وجرى عليه عامتهم وخاصتهم حتى كاد الفرع - الذي هو إخراج القيمة - يعود على الأصل - والذي هو إخراج الأعيان المنصوصة - بالبطلان والنسيان، الأمر الذي أدى ببعض الناس إلى أن ينكروا على من يخرج الأعيان المنصوصة في الأحاديث الشريفة، رغم اتفاق العلماء على أن الأعيان تجزيء، وإنما كان الذي اختلفوا عليه هو (القيمة) هل تصلح بدلًا عن الأعيان المنصوصة أم أنها لا تجزئ؟
وقد نشأ اختلافهم هذا عن اختلافهم في النظر إلى حقيقة الزكاة هل هي عبادة وقربة إلى الله تعالا؟ أم هي حق مرتب في مال الأغنياء للفقراء أي: (ضريبة مالية) مفروضة على من وجبت عليه الزكاة؟ (٢)
* جاء في فتاوى اللجنة الدائمة (٩/ ٣٨٠): «لا يجوز توزيع زكاة الفطر نقدًا على الصحيح فيما نعلم، وهو قول جمهور العلماء» اهـ.
* قال الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم: «لعل أقرب الأقوال إلى الأدلة، وأنسبها لواقعنا وأبعدها عن إيرادات المخالفين - فيما يتعلق بزكاة الفطر خاصة ـ:
إخراج الزكاة من غالب قوت البلد مما يُكال ويُدخر بناء على توسع بعض الأئمة
_________________
(١) انظر المسألة بالتفصيل في كتاب (هل تجزيء القيمة في الزكاة؟) للشيخ محمد إسماعيل المقدم (ص٤ - ٥). وقال في المقدمة: مقصود البحث هو: ١ - تنبيه المسلمين إلى أن إخراج الأعيان هو الأصل أولًا. ٢ - بل هو الراجح ثانيًا. ٣ - ثم التخفيف من غُلَواء بعض من يشتدون في النكير على من يخرج القيمة ببيان أنه خلاف فقهي ذهب إليه أئمة أجِلّة، اعتمادًا على بعض الأدلة، وليس اتباعًا لهوى - حاشاهم - أو قصدًا إلى مخالفة من لا ينطق عن الهوى - ﵌ -. ٤ - ثم شحذ همم محبي السنة أن يحيوها بتجديد هذه الشعيرة الإسلامية، قبل أن تطوى في عالم النسيان.
(٢) هل تجزيء القيمة في الزكاة؟ للشيخ محمد إسماعيل المقدم (ص٤ - ٥).
[ ٢٣٣ ]
في مدلول كلمة (طعام) التي وردت في حديث أبى سعيد الخدري - ﵁ -: «كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام » (١) الحديث.
فإنه لا يوجد أحد يستغنى عن القوت الغالب، وإذا كثر عنده فإنه يصلح لادخاره، وبالتالي لا يضطر لبيعه بثمن بخس، وربما إذا أعطى الفقير مالًا قد ينفقه في منفعة شخصية أو كمالية، فضلًا عن أمور محظورة شرعًا كالتدخين، فدفع الطعام أولى وأجدى له ولأولاده» (٢).
* قال الشيخ ابن باز - ﵀ -: « زكاة الفطر عبادة بإجماع المسلمين والعبادات الأصل فيها التوقيف، فلا يجوز لأحد أن يتعبد بأي عبادة إلا بما ثبت عن المشرع الحكيم عليه صلوات الله وسلامه الذي قال عنه ربه ﵎: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَا﴾ [النجم: ٣ - ٤] وقال هو في ذلك: «من أحْدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٣)، وقال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٤)، وقد بيّن هو صلوات الله وسلامه عليه زكاة الفطر بما ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة: «صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من أقط» (٥) فهذه سنة محمد - ﵌ - في زكاة الفطر.
ومعلوم أن وقت هذا التشريع وهذا الإخراج يوجد بيد المسلمين - وخاصة مجتمع المدينة - الدينار والدرهم اللذان هما العملة السائدة آنذاك ولم يذكرهما صلوات الله وسلامه عليه؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولو فعل ذلك لنقله أصحابه - ﵃ - ولا نعلم أن أحدًا من أصحاب النبي - ﵌ - أخرج النقود في زكاة الفطر، وهم أعلم الناس بسنته - ﵌ -، وأحرص الناس على العمل بها، ولو وقع منهم
_________________
(١) رواه الإمام لبخاري (١٥٠٦).
(٢) هل تجزى القيمة (ص٧٠).
(٣) رواه الإمام البخاري (٢٦٩٧)، الإمام مسلم (١٧١٨).
(٤) رواه الإمام مسلم (١٧١٨).
(٥) رواه الإمام البخاري (١٥٠٣، ١٥٠٦)، الإمام مسلم (٩٨٥).
[ ٢٣٤ ]
شيء من ذلك لنُقل كما نُقل غيره من أقوالهم وأفعالهم المتعلقة بالأمور الشرعية، ومما ذكرنا يتضح لصاحب الحق أن إخراج النقود في زكاة الفطر لا يجوز ولا يجزئ عمن أخرجه؛ لكونه مخالفًا لما ذُكر من الأدلة الشرعية» (١).
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن باز (١٤/ ٢٠٨ - ٢١١) بتصرف.
[ ٢٣٥ ]