* قواعد:
١ - لا يجوز الاحتفال بمولد النبي - ﵌ - لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين (١)، ويرجع ذلك - كما يقول الشيخ رشيد رضا - إلى ذلك الاجتماع المخصوص بتلك الهيئة المخصوصة في الوقت المخصوص وإلى اعتبار ذلك العمل من شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص شرعي بحيث يظن العوام والجاهلون بالسنة أن عمل المولد من أعمال القرب المطلوبة شرعًا، وعمل المولد بهذه القيود بدعة سيئة وجناية على دين الله تعالى وزيادة فيه تُعَد مِن شرْع ما لم يأذن به الله ومن الافتراء على الله والقول في دينه بغير علم (٢).
٢ - بدعة المولد النبوي حدثت بعد القرون الثلاثة المفضلة، نقل ذلك أيضًا الأستاذ محمد حسين (ص١٠٢) عن الحافظ ابن حجر، و(ص١٠٤) عن الحافظ السخاوي.
٣ - أول من أحدث بدعة المولد هو الحاكم العبيدي الملقب بالمعز لدين الله في القرن الرابع الهجري، ومعلوم ما يكنه العبيديون لأهل الإسلام من كراهية وحقد، وما يبطنونه من عقائد فاسدة يسترونها بإظهار محبة آل البيت والولاء لهم.
٤ - الاحتفال بالمولد مخالف لأمر الله - تعالى - بطاعة رسوله - ﵌ -، ومخالف لأمر الرسول - ﵌ - بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، وفيه وقوع في المحدثات التي حذر منها النبي - ﵌ - وبيّنَ أنها طريق إلى النار.
٥ - الاحتفال بالمولد فيه مشابهة للنصارى في احتفالهم بميلاد المسيح - ﵇ -.
_________________
(١) فتاوى اللجنة الدائمة (٣/ ١٨).
(٢) القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل للشيخ إسماعيل الأنصاري (ص١١٣) وعزاه لفتاوى رشيد رضا الجزء الخامس.
[ ١٤٢ ]
الرد على الشبهات التي تعلق بها الأستاذ محمد حسين
في أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة حسنة
أولًا: نقل (ص١٠٢، ١٠٣، ١٠٥) عن بعض العلماء أن الاحتفال بالمولد بدعة حسنة، ونقل (ص١٠٣) عن السبكي أنه من البدع الحسنة إذا خلا عن المنكرات شرعًا.
* الرد:
١ - من المعلوم أن رسول الله - ﵌ - قضى وقرر بأن كل بدعة ضلالة، ولم يرِدْ نَصّ من كتاب أو سنة يمكن أن يُستَنَد إليه في تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، وقد سبق توضيح ذلك بالتفصيل.
٢ - الاحتفال نفسه من المنكرات شرعًا لأنه بدعة وكل بدعة ضلالة.
ثانيًا: نقل الأستاذ محمد حسين (ص١٠٢) عن الحافظ ابن حجر العسقلانى تخريج الاحتفال بالمولد على صيام الرسول - ﵌ - يوم عاشوراء حيث إن الرسول - ﵌ - قدم المدينة فوجد اليهود يصومون عاشوراء فسألهم فقالوا: «هذا يوم أغرق الله فيه فرعون وأنجى فيه موسى فنحن نصومُه شكرًا لله تعالا»، فقال: «أنا أحقُّ بموسى منكم فَصامَه وأمَرَ بصيامِه» فيستفاد من فعل ذلك شكرًا لله تعالى على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر يحصل بأنواع العبادات والسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي الكريم نبي الرحمة في ذلك اليوم.
* الرد:
١ - تخريج الحافظ ابن حجر عمل المولد على صيام عاشوراء لا يمكن الجمع بينه وبين جزمه بأن ذلك بدعة لم تُنقل عن أحد من السلف من القرون الثلاثة - كما نقل
[ ١٤٣ ]
ذلك الأستاذ محمد حسين (ص ١٠٢) - فإن عدم عمل السلف الصالح بالنص على الوجه الذي يفهمه مَنْ بعدهم، يمنع اعتبار ذلك الفهم صحيحًا، إذ لو كان صحيحًا لم يعزب عن فهم السلف الصالح ويفهمه من بعدهم، كما يمنع اعتبار ذلك النص دليلًا عليه إذ لو كان دليلًا لعمل به السلف الصالح، فاستنباط الحافظ ابن حجر الاحتفال بالمولد النبوي - ما دام الأمر كذلك - من حديث صوم يوم عاشوراء أو من أي نص آخر، مخالف لما أجمع عليه السلف الصالح من ناحية فهمه ومن ناحية العمل به، وما خالف إجماعهم فهو خطأ، لأنهم لا يجتمعون إلا على هدا، وقد بسط الإمام الشاطبي الكلام على تقرير هذه القاعدة في كتابه (الموافقات) وأتى في كلامه بما لا شك في أن الحافظ ابن حجر العسقلانى لو تنبه له لما خرّج عمل المولد على حديث صوم يوم عاشوراء ما دام السلف لم يفهموا تخريجه عليه منه ولم يعملوا به على ذلك الوجه الذي فهمه منه (١).
٢ - حديث صوم يوم عاشوراء لنجاة موسى - ﵇ - فيه وإغراق فرعون فيه ليس فيه سوى أن النبي - ﵌ - صامه وأمر بصيامه (٢).
٣ - الشرط الذي شرطه الحافظ ابن حجر للاحتفال بالمولد النبوى وهو تحري ذلك اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى - ﵇ - لا سبيل إليه (٣)، حيث إن يوم عاشوراء يوم محدد معروف أما يوم ميلاد الرسول - ﵌ - فغير محدد حيث اختلف العلماء في تعيينه على أقوال كثيرة.
٤ - نقل الأستاذ محمد حسين (ص١٠٣) أن النبي - ﵌ - لم يزِدْ فيه على غيره من الشهور شيئًا من العبادات، فهل نحن أعلم وأحرص على الدين من رسول الله - ﵌ - وأصحابه؟ وخير الهدي هدي محمد - ﵌ -.
_________________
(١) القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل (ص٧٨ - ٧٩).
(٢) القول الفصل (ص٨٠).
(٣) القول الفصل (ص٨٠).
[ ١٤٤ ]
ونُذَكّر هنا بما نقله الأستاذ محمد حسين (ص١٠٨) عن ابن مسعود - ﵁ -: «لقد جئتم ببدعة ظلما، أو لقد فضلتم أصحاب محمد - ﵌ - علمًا أو إنكم لتمسكون بذَنَبِ ضلالة».
ثالثًا: نقل الأستاذ محمد حسين (ص١٠٣) قول الإمام السيوطى إن الاحتفال بالمولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي - ﵌ - وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.
* الرد:
١ - ما الدليل على أن الاحتفال بالمولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها؟ وما هو مقدار هذا الثواب؟ وهل نحن أحرص من الصحابة والتابعين على هذا الثواب؟ وهل نحن أكثر تعظيمًا لقدر النبي - ﵌ - منهم؟ فهم لم يحتفلوا، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
٢ - تعظيم قدر النبي - ﵌ - يكون باتباع هديه وليس باختراع عبادات لم يشرعها فإن ذلك فيه اتهام له بأنه قصَّر في تبليغ الرسالة أو أن الرسالة لم تكتمل، وإذا كان الصحابة لم يفعلوا المولد فهل معنى ذلك أنهم كانوا لا يعظمون قدر النبي - ﵌ -؟
٣ - قال ابن الحاج: توفي النبي - ﵌ - يوم الاثنين ١٢ربيع الأول سنة ١١هجرية (١) في نفس الشهر الذي ولد فيه فكيف يحتفلون ويأكلون ويشربون، ولا يبكون ولا يحزنون من أجل فَقْد النبي - ﵌ - في ذلك اليوم، مع أنهم لو فعلوا ذلك والتزموه لكان بدعة أيضًا، وإن كان الحزن عليه - ﵌ - واجبًا على كل مسلم دائمًا لكن لا يكون على سبيل الاجتماع لذلك (٢).
رابعًا: نقل الأستاذ محمد حسين (ص١٠٣ - ١٠٤) عن ابن الحاج في المدخل أن النبي - ﵌ - أشار إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم
_________________
(١) الرحيق المختوم (ص٥٥٤) وانظر البداية والنهاية (٣/ ٣٢٣ - ٣٢٥) حيث ذكر الحافظ ابن كثير أن هذا هو المشهور.
(٢) القول الفصل (ص٦٢) عن المدخل لابن الحاج (ج٢ ص ١٦ - ١٧) بتصرف.
[ ١٤٥ ]
الاثنين: «ذاك يوم وُلِدتُ فيه» رواه مسلم، فتشريف هذا اليوم متضمن تشريف هذا الشهر الذي ولد فيه، ألا ترى أن صوم هذا اليوم فيه فضل عظيم؛ لأنه - ﵌ - ولد فيه؟
* الرد:
١ - كلام ابن الحاج عن صيام يوم الاثنين وليس إقرارًا للمولد ولكن الأستاذ محمد حسين لم ينقل الكلام كاملًا؛ فابن الحاج له كلام شديد في الإنكار على بدعة المولد فراجع ما نقلناه عنه قبل أسطر، وقال أيضًا بعد أن ذكر المفاسد المترتبة على عمله ما نصه: «فإن خلا - أي عمل المولد النبوى - منه - أي من السماع - وعمل طعامًا فقط ونوى به المولد، ودعا إليه الإخوان وسَلِم من كل ما تقدم ذكره - أي من المفاسد - فهو بدعة بنفس نيته فقط إذ إن ذلك زيادة في الدين ليس من عمل الماضين، واتباع السلف أولى بل أوجب من أن يزيد نية مخالفة لما كانوا عليه، لأنهم أشد الناس اتباعًا لسنة رسول الله - ﵌ - وتعظيمًا له ولسنته ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد ونحن لهم تبع فيسعنا ما وسعهم» (١).
٢ - صوم النبي - ﵌ - يوم الاثنين ليس دليلًا على بدعة الاحتفال بالمولد فقد سُئِل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بُعِثْتُ، أو أُنزِلَ عليَّ فيه» (٢)، فقد كان - ﵌ - يصوم ذلك اليوم من كل أسبوع وعلى طول الشهر، وعلى مدى العام كله، ولم يكن ذلك مرة واحدة في العام، فأين هذا مما يفعله المسلمون اليوم؟ ولو كان احتفالًا كما يزعم الزاعمون لاختلفت الكيفية، كأن يجتمع الصحابة مع رسول الله - ﵌ -، ويتسابقون في إلقاء الخطب والأناشيد كما هو حال الكثير من المسلمين اليوم، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
خامسًا: نقل الأستاذ محمد حسين (ص١٠٣) عن الإمام السيوطى أن النبي
_________________
(١) القول الفصل (ص٥٧) عن المدخل (٢/ ١١ - ١٢).
(٢) رواه الإمام مسلم (١١٦٢).
[ ١٤٦ ]
- ﵌ - عقّ عن نفسه بعد النبوة، مع أنه ورد أن جده عبد المطلب عقّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن هذا فعله - ﵌ - إظهارًا للشكر على إيجاد الله تعالى إياه رحمة للعالمين، فيستحب لنا أيضًا إظهار الشكر بمولده - ﵌ - بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات.
* الرد:
١ - ما روى أن النبي - ﵌ - عق عن نفسه غير صحيح ولم يثبت، فقد ضعفه الأئمة مالك، وأحمد بن حنبل، والبزار، والبيهقي - الذي نقل عنه السيوطي هذا الحديث ـ، والنووي، والحافظ المزي والحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر (١).
٢ - لو ثبت هذا عن النبي - ﵌ - لما كان هذا الحكم يخصه بل لاستُحِبَّ لكل مسلم أن يعق عن نفسه شكرًا لله على نعمة الخلق والإيجاد، حتى ولو لم يكن المخلوق نبيًا.
٣ - على فرض صحة الحديث - رغم وضوح ضعفه - فإنه لا يزيد أن يكون مثل حديث صيام يوم الاثنين وقد سبق الرد عليه.
سادسًا: نقل الأستاذ محمد حسين (ص١٠٥) أن وجود الرسول - ﵌ - سبب النجاة لمن اتبعه، وتقليل حظ جهنم لمن أُعدّ لها، لفرحه بولادته - ﵌ -، فمن المناسب إظهار السرور.
* الرد:
١ - اتباع النبي - ﵌ - سبب النجاة وليس ابتداع أعياد ما أنزل الله بها من سلطان.
٢ - يشير بقوله: «تقليل حظ جهنم لمن أعد لها لفرحه بولادته - ﵌ -» إلى قول عروة ابن الزبير: « وثويبة مولاة لأبى لهب وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي - ﵌ -، فلما مات أبو لهب أُريه بعض أهله بشرّ حِيبَة (أي سوء حال)، قال له: «ماذا
_________________
(١) راجع نص كلامهم في القول الفصل (ص٨٠ - ٨٤).
[ ١٤٧ ]
لقيتَ؟» قال أبو لهب: «لم ألق بعدكم غير أني سُقِيَتْ فيَّ هذه بعتاقتى ثويبة».
- هذا الخبر رواه البخاري (٥١٠١)، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: «الخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به» (والمقصود الجزء الذي ذكرناه، أما المنسوب إلى النبي - ﵌ - والذي لم نذكره فلا).
- ذلك الخبر لو كان موصولًا لا حجة فيه لأنه رؤيا منام فلا حجة فيه كما قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري).
- ما في مرسل عروة هذا من أن إعتاق أبي لهب ثويبة كان قبل إرضاعها النبي - ﵌ - يخالف ما عند أهل السير من أن إعتاق أبى لهب إياها كان بعد ذلك الإرضاع بدهر طويل، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) (١).
٣ - نُذكّر الأستاذ محمد حسين بقول شيخه الشيخ حسن البنا - ﵀ - حيث قال: «الإلهام والخواطر والكشف والرؤى ليست من أدلة الأحكام الشرعية» (٢).
سادسًا: نقل (ص١٦) عن الحافظ ابن كثير أن أول من أحدث ذلك من الملوك صاحب إربل، وكان شهمًا شجاعًا عاقلًا عادلًا.
* الرد: البدعة في الدين لا تقبل من أي أحد كان، وعدالته لا توجب عصمته (٣)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «عادة بعض البلاد أو أكثرها، وقول كثير من العلماء أو العباد، أو أكثرهم ونحو ذلك ليس يصلح أن يكون معارضًا لكلام رسول الله - ﵌ - حتى يعارض به» (٤).
وأبو بكر ومَن بعده من الخلفاء الراشدين - ﵃ - سنتهم أولى بالاتباع من صاحب إربل.
_________________
(١) القول الفصل (ص٨٤ - ٨٧) وانظر فتح الباري حديث (٥١٠١).
(٢) مجموعة الرسائل (ص٢٦٨).
(٣) القول الفصل (ص٨٧ - ٨٨) عن رسالة للشيخ محمد بن إبراهيم في حكم الاحتفال بالمولد النبوى (ص٧٧).
(٤) اقتضاء الصراط المستقيم (ص٢٤٥).
[ ١٤٨ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى - ﵇ -، وإما محبة للنبي - ﵌ -، وتعظيمًا، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد ــ لا على البدع ــ من اتخاذ مولد النبي - ﵌ - عيدًا، مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيرًا، ولو كان هذا خيرًا محضا، أو راجحًا لكان السلف - ﵃ - أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله - ﵌ - وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص، وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن هذه طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حُرَّاصًا على أمثال هذه البدع، مع ما لهم من حُسن القصد، والاجتهاد الذي يُرجَى لهم بهما المثوبة، تجدهم فاترين في أمر الرسول، عما أُمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتبعه، وبمنزلة من يزخرف المسجد، ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلًا، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة، وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع، ويصحبها من الرياء والكبر، والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها» (١).
قال الشيخ عطية سالم في تفسير سورة الإنسان من (تتمة أضواء البيان): «من المسلمين من يقول: نعلم أن المولد ليس سنة نبوية ولا طريقًا سلفيًا ولا عمل القرون المشهود لها بالخير، وإنما نريد مقابلة الفكرة بالفكرة والذكريات بالذكرا، لنجمع شباب المسلمين على سيرة سيد المرسلين.
وهنا يمكن أن يقال: إن كان المراد إحياء الذكرى لرسول الله - ﵌ - فإن الله تعالى قد تولى ذلك بأوسع نطاق حيث قرن ذكره - ﵌ - مع ذكره تعالى في الشهادتين، مع كل
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم ص٤٠٤ - ٤٠٥.
[ ١٤٩ ]
أذان على كل منارة من كل مسجد، وفي كل إقامة لأداء صلاة، وفي كل تشهد في فرض أو نفل مما يزيد على الثلاثين مرة جهرًا وسرًا، جهرًا يملأ الأفق، وسرًا يملأ القلب والحس.
ثم تأتي الذكرى العملية في كل صغيرة وكبيرة في المأكل باليمين، لأنه السنة، وفي الملبس في التيامن لأنه السنة، وفي المضجع على الشق الأيمن لأنه السنة، وفي إفشاء السلام وفي كل حركات العبد وسكناته إذا راعى فيها أنها السنة عن النَّبي - ﵌ -، وإن كان المراد التعبير عن المحبة، والمحبة هي عنوان الإيمان الحقيقي، كما قال - ﵌ -: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وماله والناس أجمعين» (١) فإن حقيقة المحبة طاعة من تحب، وفعل ما يحبه وترك ما لا يرضاه أو لا يحبه.
وإن كان المراد مقابلة فكرة بفكرة. فالواقع أنه لا مناسبة بين السببين ولا موجب للربط بين الجانبين لبعد ما بينهما، كبعد الحق عن الباطل والظلمة عن النور.
ومع ذلك، فإن كان ولا بد فلا موجب للتقييد بزمن معين بل العام كله لإقامة الدراسات في السيرة وتعريف المسلمين الناشئة منهم والعوام وغيرهم بما تريده من دراسة للسيرة النبوية».
_________________
(١) رواه الإمام البخاري (١٥).
[ ١٥٠ ]