وهو ما يسمى زورًا في مصر بعيد الربيع، وهو عادة ابتدعها أهل الأوثان لتقديس بعض الأيام تفاؤلًا به أو تزلفًا لما كانوا يعبدون من دون الله (١) وهو معدود في أعياد الفراعنة، وقيل أحدثه الأقباط، ولا مانع أنه لكليهما، وأنه انتقل من أولئك إلى هؤلاء، ولازال الأقباط يحتفلون به ويشاركهم فيه كثير من المسلمين، وفي الآونة الأخيرة أصبح عيدًا رسميًا إحياءً لتراث الفراعنة (٢).
* قال الشيخ على محفوظ: «مما ابتلى به المسلمون وفشا بين العامة والخاصة مشاركة أهل الكتاب من اليهود والنصارى في كثير من مواسمهم فانظر ما يقع من الناس اليوم من العناية بأعيادهم وعاداتهم، فتراهم يتركون أعمالهم - من الصناعات والتجارات والاشتغال بالعلم - في تلك المواسم، ويتخذونها أيام فرح وراحة يوسعون فيها على أهليهم، ويلبسون أجمل الثياب ويصبغون فيها البيض لأولادهم كما يصنع أهل الكتاب من اليهود والنصارا، فهذا وما شاكله مصداق قول النبي - ﵌ - في الحديث الصحيح: «لَتَتَّبِعُنَّ سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى إذا دخلوا جحر ضب لتبعتموهم»، قلنا: «يا رسول الله، اليهود والنصارا؟»، قال: «فمن غيرهم؟!» رواه البخاري، وناهيك ما يكون من الناس من البدع والمنكرات والخروج عن حدود الدين والأدب في يوم شم النسيم» (٣).
* مناقشة كلام الأستاذ محمد حسين:
أولًا: يقول الأستاذ محمد حسين (ص٤٥ - ٤٦): «هناك موروث من طقوس
_________________
(١) الإبداع (٢٧٥).
(٢) أعياد الكفار وموقف المسلم منها (ص٢١) بتصرف.
(٣) الإبداع في مضار الابتداع (ص٢٧٥).
[ ١٥٧ ]
الفراعنة لا يزال بين المصريين من مسلمين ونصارا، منها الاحتفال بيوم إله الحياة والمسمى عند العامة بشم النسيم، حيث يكون من مراسمه إنبات الحلبة والترمس وغيرها مما يكون فيه مظاهر بدء الحياة في النباتات، ومثله تلوين البيض رمز بدء الحياة في الحيوانات، ومثله أكل الفسيخ والأسماك رمز الحياة في الأسماك، وبرغم أن الذين يحتفلون بهذا اليوم لا يتقربون بذلك إلى الله ولا يعتبرونه قربة ولا عبادة سواء المسلمين أو النصارا، فإن الاحتفال به كموروث ديني وثني يجعل في الاحتفال شبهة البدعة المذمومة، فيجب التحرز من الاحتفال به والمشاركة فيه، إلا أن ينتفع بيوم الأجازة فيه للفسح والتنزه الخالي من المظاهر المورثة».
التعليق:
١ - كنا نتوقع من الأستاذ محمد حسين بعد أن ذكر أن لذلك الاحتفال أصلًا من دين الفراعنة أن يقول الاحتفال به بدعة مذمومة، ولكنه قال إن فيه شبهة البدعة المذمومة!!! رغم وضوح أن فيه تشبها بالفراعنة فيما هو من خصائص دينهم، فقد قال - ﵌ -: «من تشبه بقوم فهو منهم» (١)، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية إن مشابهة الأمم الكافرة في أعيادهم من الأمور المحرمة (٢) والتشبه بالكفار في الشرع هو: مشاكلة الكافرين في عقائدهم، أو عباداتهم أو عاداتهم، أو أخلاقهم وسلوكياتهم التي هي من خصائصهم، سواء قصد التشبه بهم أم لم يقصد، ما دام يعلم أن ذلك من خصائصهم (٣).
ثانيًا: قوله (ص٤٦) إن الذين يحتفلون بهذا اليوم لا يتقربون بذلك إلى الله ولا يعتبرونه قربة وعبادة سواء المسلمون والنصارا.
_________________
(١) رواه الإمام أبو داود (٤٠٣١) وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح.
(٢) انظر اقتضاء الصراط المستقيم (ص١٧).
(٣) أعياد الكفار (ص٦٣).
[ ١٥٨ ]
الرد:
١ - لا يشترط لكون الفعل تشبهًا بالكفار أن يقصد به القربة والعبادة فلو أن مسلمًا لبس صليب النصارى ولم يقصد العبادة والقربة فهل يقول الأستاذ محمد حسين إن ذلك جائز مع أنه شعار النصارى ودليل على أن لابسه راضٍ بانتسابه إليهم، والرضا بما هم عليه كفر (١)؟ فكذلك الاحتفال بأعيادهم محرم ولا يشترط فيه قصد القربة والعبادة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لا يرخص في اللعب في أعياد الكفار، كما يرخص في أعياد المسلمين فلا يجوز لنا أن نفعل في كل عيد للناس من اللعب ما نفعل في عيد المسلمين ومن المعلوم أن هؤلاء - أي اليهود والنصارى والفرس - كانت لهم أعياد يتخذونها، ومن المعلوم أيضًا أن المقتضي لما يُفعل في العيد: من الأكل والشرب، واللباس والزينة، واللعب والراحة ونحو ذلك، قائم في النفوس كلها إذا لم يوجد مانع خصوصًا نفوس الصبيان والنساء وأكثر الفارغين من الناس.
ثم من كان له خبرة بالسِّيَر عَلِم يقينًا أن المسلمين على عهد رسول الله - ﵌ - ما كانوا يشركونهم في شيء من أمرهم، ولا يغيرون لهم عادة في أعياد الكافرين، بل ذلك اليوم عند رسول الله - ﵌ - وسائر المسلمين يوم من الأيام لا يختصونه بشيء أصلًا إلا ما قد اختُلف فيه من مخالفتهم فيه، كصومه» (٢).
٢ - هذا اليوم مرتبط بأعياد النصارى بدليل أنه ليس له يوم محدد في السنة بالتقويم الميلادا، فشم النسيم هو اليوم التالى لعيد القيامة - يوم الأحد - ويسبق هذا العيد سبت النور ويسبقه الجمعة الحزينة، فيوم شم النسيم ليس مرتبطًا فقط بأعياد الفراعنة بل له علاقة بأعياد النصارى ورغم ذلك يقول الأستاذ محمد حسين: «في الاحتفال به شبهة البدعة المذمومة».
_________________
(١) انظر فتاوى اللجنة الدائمة (٢/ ١١٩).
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (١٧٤ - ١٧٤) بتصرف.
[ ١٥٩ ]
٣ - لو أن إخواننا المسلمين في فلسطين المحتلة احتفلوا كل عام يوم (١٥أبريل) بعيد الفصح (عيد اليهود) ولم يتقربوا إلى الله بذلك ولم يعتبروه قربة وعبادة فهل هذا الاحتفال بدعة ومحرم كما يقول علماء الإسلام أم أنه فيه شبهة البدعة كما يقول الأستاذ محمد حسين؟ فكذلك الاحتفال بشم النسيم.
٤ - قال الأستاذ محمد حسين (ص٤٦): «عمل سنوية أو أربعين أو عمل خميس أول للميت من موروثات الوثنية الفرعونية بدع مذمومة يجب القضاء عليها بنشر تعاليم الدين الحنيف»، ونسأله: ما الفرق بين ذلك وبين الاحتفال بشم النسيم؟ فالأعياد عبادة والجنائز عبادة.
ثالثًا: قوله (ص٤٦) إنه «يجب التحرز من الاحتفال به والمشاركة فيه، إلا أن يُنتفَع بيوم الأجازة (يقصد: العطلة) فيه للفسح والتنزه الخالي من المظاهر الموروثة».
الرد:
١ - كيف يُنتفَع بيوم العطلة (الأجازة) فيه للفسح والتنزه الخالي من المظاهر الموروثة وطبيعة الاحتفال أصلًا هي التنزه حيث يخرج الناس للمزارع والحدائق للاحتفال بهذا اليوم.
٢ - كيف يتميز المسلم الذي يريد أن يتنزه بعيدًا عن المظاهر الموروثة عن المسلم الآخر الذي يحتفل بهذه البدعة؟ هل يأخذ معه في الحدائق التونة بدلًا من الفسيخ، والفول السوداني بدلًا من الترمس، والبيض غير الملون بدلًا من الملون، أم ماذا يفعل ليتميز؟ فمجرد الخروج للتنزه في هذا اليوم مشاركة في هذا الاحتفال وتكثير لسواد النصارى ومن يتشبهون بهم.
٣ - أليس حضور المسلم الملتزم هذه الأماكن فتنة للآخرين الذين يحتفلون بهذا اليوم بالطريقة المبتدعة؟ فكيف يعرف الناس أن هذا يتنزه بالمظاهر الموروثة وذاك يتنزه بالمظاهر غير الموروثة؟ وماذا لو رأي الناس معهم في الحدائق في هذا اليوم بالذات شخصًا تظهر عليه علامات التمسك بالدين؟ هل سيعتقدون أن هذا الاحتفال الذي يقومون به فيه شبهة البدعة المذمومة أم سيعتقدون أنه لا شيء فيه؟
[ ١٦٠ ]