(سلوكيات وأحكام المرأة في المجتمع المسلم)
خرج علينا الأستاذ محمد حسين صاحب كتاب (اللمع) في كتابه (سلوكيات وأحكام المرأة في المجتمع المسلم) بآراء غريبة ما كنا نتوقع أن تصدر من مثله، فإن بعض ما قاله الأستاذ محمد حسين في كتابه المذكور تكرار لما سبق أن نادى به قاسم أمين - عدو المرأة المسلمة - في كتابه (تحرير المرأة) وتعرض وقتها لهجوم شديد من علماء المسلمين، بل إنه قال أقوالًا لم يجرؤ قاسم أمين أن يقولها في كتابه المذكور.
منهج الأستاذ محمد حسين في كتابه
(سلوكيات وأحكام المرأة في المجتمع المسلم)
سار الأستاذ محمد حسين في هذا الكتاب على نفس المنهج الذي سار عليه في كتابه (اللمع) حيث انتقاء الآراء التي تؤيد آراءه - تمامًا مثلما كان يفعل قاسم أمين - وبَتْر بعض ما ينقله عن علماء المسلمين والاعتماد على بعض الأحاديث التي تؤيد آراءه دون تمييز بين صحيح وضعيف، ويتضح ذلك من الأمثلة الآتية:
١ - قال (ص٢٨) إن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن تغطية وجه المرأة عادة وأنه مباح ليس من الدين.
وننقل هنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوا) (١١/ ٤٢٥، والطبعة القديمة التي يحيل عليها الأستاذ محمد حسين ٢٢/ ١١١): « فإذا كُنّ مأمورات بالجلباب لئلا يُعْرَفْنَ، وهو ستر الوجه، أو ستر الوجه بالنقاب كان الوجه
[ ٢٤٠ ]
واليدان من الزينة التي أُمِرَتْ ألا تظهرها للأجانب» ا. هـ.
وقال شيخ الإسلام في تفسير الجلباب: « وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها» (١).
وقال شيخ الإسلام أيضًا: «الوجه واليدان والقدمان، ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين، بخلاف ما كان قبل النسخ، بل لا تبدي إلا الثياب» (٢).وقال أيضًا: «المرأة كلها عورة» (٣).
٢ - قال (ص٧٩): «عن ابن عمر - ﵄ - قال: «كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله - ﵌ - جميعًا» رواه البخاري » ثم قال الأستاذ محمد حسين: «وظل الأمر حتى أتى زمن عمر بن الخطاب فجعل حياضًا للرجال وحياضًا للنساء أمام المسجد » واستدل على ذلك بأثر رواه الإمام عبد الرزاق ولم يبين درجة صحة الأثر (٤)، وجعله دليلًا على اختلاط الرجال بالنساء، والعجيب قوله بعد ذكر الأثر المنسوب إلى عمر - ﵁ -: «وذلك منه - ﵁ - دفعًا للتزاحم ومفسدته وليس لتواجد النساء مع الرجال».
ونقول له: حديث ابن عمر - ﵄ - رواه البخاري في كتاب الوضوء، باب وضوء
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٢٤)، الطبعة القديمة (٢٢/ ١١١).
(٢) حجاب المرأة ولباسها في الصلاة (ص٢٣).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٢٠).
(٤) هذا الأثر رواه الإمام عبد الرزاق في مصنفه (رقم ٢٤٦) وفي إسناده إسرائيل بن يونس وسماك بن حرب. قال الإمام العقيلي عن إسرائيل بن يونس: مختلف فيه، قال يحيى بن معين: كان يحيى بن سعيد لا يروي عن إسرائيل. (الضعفاء ١/ ١٣١). وقال الإمام الذهبي عن إسرائيل بن يونس: ثقة إمام ضعفه ابن حزم ورد أحاديثه. وقال ابن سعد: منهم من يستضعفه وقال ابن معين: كان يحيى القطان لا يروي عنه. (من تكلم فيه ١/ ٤٤). وقال الحافظ ابن حجر: وأما سماك بن حرب فالمعروف عن الثوري أنه ضعفه. وقال ابن حبان في الثقات: يخطيء كثيرًا وقال النسائي: كان ربما لُقِّن، فإذا انفرد بأصل لم يكن حجة لأنه كان يلقن فيتلقن. (تهذيب التهذيب ٤/ ٢٣٤). وقال الإمام ابن الجوزي: سماك بن حرب كان شعبة والثوري يضعفانه. قال ابن عمار: كانوا يقولون إنه يغلط ويختلفون في حديثه. (الضعفاء والمتروكين ٢/ ٢٦).
[ ٢٤١ ]
الرجل مع امرأته (حديث ١٩٣) وعلى فرض أن المقصود من الحديث اجتماع الرجال والنساء الأجانب فليس هذا دليلًا على اختلاط الرجال بالنساء؛ لأن هذا كان قبل نزول آية الحجاب.
قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: «لا مانع من الاجتماع قبل نزول الحجاب وأما بعده فيختص بالزوجات والمحارم» (١) ا. هـ.
ونقول للأستاذ محمد حسين: طالما جعلت هذا الحديث دليلًا على جواز اختلاط الرجال بالنساء - مع أنه ليس فيه دليل - فهل يرضى مسلم حريص على دينه وعرضه أن تتوضأ ابنته أو زوجته أمام الرجال الأجانب؟ وقل لي - بالله عليك ـ: كيف تتوضأ المرأة المسلمة أمام الرجال الأجانب؟ كيف تغسل قدميها وذراعيها وجزءًا من ساقيها وتمسح شعرها؟
لقد قلت شيئًا لم يجرؤ قاسم أمين أن يقوله، فالواجب علينا أن نتقي الله في نساء المسلمين.
٤ - استدل (ص١٠٨) على حق المرأة في انتخاب الخليفة بقصة ذكرها الحافظ ابن كثير في كتاب (البداية والنهاية) وهو كتاب تاريخ، وقد أشار الحافظ ابن كثير إلى ضعفها بتصديرها بصيغة التمريض «يُروا» وبالطبع لم يذكر الأستاذ محمد حسين ذلك، بل بنى على تلك القصة أن هذا يكاد يكون إجماعًا من الصحابة.
٥ - استدل أيضًا على حق المرأة في انتخاب الخليفة بحديث «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» وهو حديث ضعيف (٢)، وإن صح فليس فيه حجة لما ذهب إليه.
٦ - قال (ص١٠٣): «فقد رُوي أن عمر بن الخطاب - ﵁ - ولى امرأة الحسبة في السوق، وهي نظام يشبه نظام النيابة العامة، فلم يمنع الصحابة - ﵃ - المرأة من تولى
_________________
(١) فتح الباري شرح حديث (١٩٣).
(٢) انظر ضعيف الجامع الصغير (٥٤٢٩)، السلسلة الضعيفة (٣١٠ - ٣١١) للشيخ الألباني.
[ ٢٤٢ ]
الوظائف العامة منذ زمن عمر بن الخطاب ولم يعرف له مخالف من بينهم» اهـ.
ومرة أخرى بنى إجماع الصحابة على أثر ذكره هو نفسه بصيغة التمريض التي تدل على ضعفه، ولم يذكر من أخرجه من علماء الحديث.
٧ - قال ص (٧٤) تحت عنوان: «النبي - ﵌ - يحضر الأفراح وغناء النساء»:
عن خالد بن ذكوان: قال قالت الربيع بنت معوذ بن عفراء: جاء النبي - ﵌ - فدخل حين بُنِيَ علاّ فجلس على فراشي كمجلسك مني فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من أبائي يوم بدر إذ قالت إحداهن: «وفينا نبي يعلم ما في غد»، فقال: «دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين» (١).
ثم نقل أجزاء من شرح الحافظ ابن حجر للحديث، ومعنى ذلك أنه قرأ شرح الحديث، ورغم ذلك قال (ص٧٥): «ففي هذا الحديث والذي قبله يحضر النبي - ﵌ - عرس إحدى النساء الأجنبيات من غير محارمه ويجلس مع العروس على فراشها» اهـ.
ورغم قراءته لشرح الحديث ونقله أجزاء منه لم ينقل قول الحافظ ابن حجر: «قوله: «كمجلِسك» بكسر اللام أي: مكانك، قال الكرماني: «هو محمول على أن ذلك كان من وراء حجاب، أو كان قبل نزول آية الحجاب، أو جاز النظر للحاجة أو عند الأمن من الفتنة» اهـ.
ثم قال الحافظ ابن حجر: «والأخير هو المعتمد، والذي وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائص النبي - ﵌ - جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها، وهو الجواب الصحيح عن قصة أم حرام بنت ملحان في دخوله عليها ونومه عندها وتفليتها رأسه ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية» (٢).
٨ - قال (ص٧٥): «عن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بن كعب وأبي
_________________
(١) رواه البخاري برقم (٥١٤٧).
(٢) رجح الإمام النووي أنها كانت من محارمه [شرح صحيح الإمام مسلم (حديث ٢٣٣٢)].
[ ٢٤٣ ]
مسعود الأنصاري في عُرْس وإذا جواري يُغَنِّين، فقلت: «أنتما صاحبا رسول الله - ﵌ - ومن أهل بدر، يفعل هذا عندكم؟» فقالا: «اجلس إن شئت فاسمع معنا وإن شئت اذهب، قد رُخِّصَ لنا في اللهو عند العرس» رواه الإمام النسائي، وقال الشيخ الألباني: إسناده صحيح، فالأمر استمر فيه الرخصة والحضور والاجتماع الرجال والنساء في العرس حتى بعد عصر النبوة» اهـ.
ونقول للقارئ الكريم: أين النساء في الأثر الذي ذكره؟ إنهن جوارٍ صغار، فالجارية هي البنت الصغيرة، وهي غير مأمورة بالحجاب.
* تنبيه: ما ثبت في هذا الحديث وغيره من غناء الجواري الصغار لا يدل على جواز الغناء الذي تصحبه المعازف (آلات الموسيقا)؛ لنهي النبي - ﵌ - عن المعازف (١).
٩ - خلط بين عورة المرأة في الصلاة وعورة النظر إليها حيث نقل (ص٢٠ - ٢١) أقوال بعض العلماء في عورة المرأة في الصلاة واستدل بها على جواز كشف المرأة لوجهها ويديها خارج الصلاة.