بإحدى الطَّائفتين (^١)، والبشرى بالفتح (^٢).
وزِدْ على ذلك أخبار الأنبياء وأممهم، مع أنَّ محمدًا ﵌ كان رجلًا أُمِّيًّا لا يكتب ولا يحسب، وكان مشهورًا بالصدق والأمانة، لا يخون ولا يكذب.
أمَّا قولك: إنَّ كثيرًا من الخطباء والشُّعراء السَّابقين واللَّاحقين تحدَّوا معاصريهم، فلم يعارضوهم، وأقرُّوا لهم بالسَّبق= فأقول: اللَّهم يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك.
أولًا لا يسلَّم وقوع ذلك؛ فلا بد أن يكون موجودًا في الكون ــ سابقًا أو لاحقًا ــ من ساواه أو زاد عليه، سواء قصد المعارضة أم لا. فأمَّا القرآن فهات كلامًا متقدِّمًا أو متأخِّرًا يشبهه، أو عارِضْه أنتَ، ليتمَّ عليك الخذلان. ولو سلَّمنا فقل لي: أَلَا تُبصر فرقًا بين تحدِّي شاعرٍ لبضعة شعراء أو خطيب لبضعة خطباء، بقصيدةٍ لا تجاوز الخمسين أو السبعين بيتًا، وخطبة في [] ولا يلزم من عدم معارضتهم شيء سوى قول: هو أفصحهم= وبين تحدِّي رجل أُمِّيٍّ لأمَّةٍ كبرى، هي أُمَّة اللسان والبيان، في أقل جزء من كتابٍ كبير، وقد ضلَّلهم وضلَّل آباءهم وسبَّ آلهتهم! ويلزم من عدم معارضتهم انقلابٌ دينيٌّ عظيم، وترك مألوفات عديدة، إلى غير ذلك حتى عادوا إلى القتال! العياذ بالله من الضلال المبين.
_________________
(١) يعني: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧].
(٢) يعني: قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣].
[ ٦ / ٢١١ ]
وها هو القرآن بين يديك، اختر منه بضع آيات، واقرنها بأي كلامٍ شئت من كلام المتقدِّمين والمتأخِّرين، أو من كلام محمَّد ﵌ نفسه، أو من كلام بعض أصحابه. وانظر الفرق إن كان بقي لعقلك أثر، وإلَّا فراجع الكتب المؤلَّفة في إعجاز القرآن، كتأليف الباقلَّاني (^١) وغيره.
والله لا يسمع القرآن رجلٌ ذو مسكةٍ بكلام العرب إلَّا تيقَّن أنَّه ليس من كلام البشر.
على أنَّ بعض الزَّنادقة قد حاول معارضة القرآن، فلو نظرتَ بين كلام ذلك المعارِض في المعارضة وكلامه في غير المعارضة لظهر لك الفرق الجليُّ الواضحُ. وذلك أنَّ كلامه في المعارضة كلامٌ غثٌّ ركيكٌ إلى حدٍّ لا يخفى على أحدٍ.
وبالله العظيم لو لم يكن لمحمَّد صلَّى الله وسلَّم عليه وآله آيةٌ إلَّا القرآن، ولم يكن في القرآن وجهٌ من وجوه الإعجاز إلَّا سلامته من المناقضة والكذب الذي عمَّ ما بأيدي أهل الكتاب من الكتب، وصدق الله تعالى إذ قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
بل لو لم يكن فيه إلَّا حفظُه من التغيير والتبديل، لاستمرار نقل الكواف العظمى عن الكواف العظمى، بخلاف التوراة والإنجيل التي كانت مبادئها [] متقطعة= لكان ذلك كافيًا أيضًا.
_________________
(١) يقصد "إعجاز القرآن" للباقلَّاني.
[ ٦ / ٢١٢ ]