[قال أبو محمد ﵁]: "في التوراة: أنَّ بنيامين لم يولد ليعقوب إلَّا [بأقراشا] بقرب بيت لحم، [على أربعة أميال من بيت المقدس بعد] رحيله من فدان أرام بدهر" (^١).
ثم ذكر بنيامين في ذكر الذين ولدوا [ليعقوب] بفدان أرام، وفيها قال ابن حزمٍ: "فصلٌ: وبعد ذلك قال: "وكان مسكن بني إسرائيل بمصر أربع مائة وثلاثين سنة، فلما انقضت هذه السنون خرج ذلك اليوم معسكر السيد من أرض مصر.
قال أبو محمد ﵁: هذه فضيحة الدَّهر، وشهرة الأبد، وقاصمة الظهر! يقول ههنا إنَّ مسكن بني إسرائيل بمصر أربع مائة سنة وثلاثون سنة! وقد ذكر قبل أنَّ فاهاث بن لاوي دخل مصر مع جدِّه [يعقوب] ومع أبيه لاوي، ومع سائر أعمامه وبني أعمامه، وأنَّ عُمْر [فاهاث] بن لاوي المذكور كان مائة سنة [وثلاثة] وثلاثين سنة، وأنَّ عمران بن فاهاث بن لاوي المذكور كان عمره مائة سنة وسبعًا وثلاثين [سنة، وأنَّ موسى بن عمران] بن فاهاث بن لاوي المذكور كان إذ خرج ببني إسرائيل من مصر مع نفسه ابن ثمانين سنة.
هذا كلُّه [منصوصٌ كما نذكره] في الكتاب الذي يزعمون أنَّه التوراة.
فهَبْكَ أنَّ فاهاث دخل مصر ابن شهرٍ أو أقل، وأنَّ عمران ابنَه وُلِد بعد موته، وأنَّ موسى بن عمران وُلِد بعد موت أبيه، ليس يجتمع من كل ذلك إلَّا ثلاثمائة عام وخمسون عامًا فقط، فأين الثمانون عامًا الباقية من جملة
_________________
(١) "الفِصل" (١/ ٢٣٥).
[ ٦ / ٢٢٨ ]
أربعمائة سنة وثلاثين سنة؟ !
فإن قالوا: نضيف إلى ذلك مُدَّة بقاء يوسف بمصر قبل دخول أبيه وإخوته.
قلنا: قد بيَّن في التوراة أنَّه كان إذ دخله ابنَ سبع عشرة سنة، وأنَّه كان إذ دخلها أبوه وإخوته ابنَ تسعٍ وثلاثين سنةٍ، فإمَّا (^١) كان مقامه بمصر قبل أبيه وإخوته اثنين (^٢) وعشرين سنة ضمَّها إلى ثلثمائة سنة وخمسين سنة= يقوم من الجميع بلا شكٍّ ثلاثمائة واثنان (^٣) وسبعون سنة، أين الثماني والخمسون الباقية من أربعمائة سنة!
هذه شهرة لا نظير لها، وكذبٌ لا يخفى على أحد، وباطلٌ يقطع بأنَّه لا يمكن ألبتَّة أن يعتقده [أحدٌ في رأسه شيءٌ] من دماغٍ صحيحٍ؛ لأنَّه لا يمكن أن يكذب اللهُ تعالى في دقيقةٍ، ولا أن يكذب [رسولُه]- ﷺ -[عامدًا ولا] مخطئًا في دقيقةٍ فيقرُّه الله تعالى على ذلك= فكيف ولابد أن يسقط [من هذه المُدَّة] سِنُّ [فاهاث إذ وُلِد له عمران]، وسِنُّ عمران إذ ولد له موسى ﵇.
والصَّحيح [الذي] يخرج على [نصوص كتبهم] أنَّ مُدَّة [بني إسرائيل مذ دخل يعقوب] وبنوه مصر إلى أن خرجوا منها مع موسى عليه [السلام لم تكن إلَّا مائتي عام وسبعة عشر عامًا، فهذه كذبة في مائتي] عام وثلاثة عشر
_________________
(١) في "الفِصَل" (١/ ٢٥٣): "فإذن". وأشاروا في الهامش أنه "فإما" في نسخة.
(٢) كذا في الأصل و"الفِصَل" (١/ ٢٥٣).
(٣) كذا في الأصل و"الفِصَل" (١/ ٢٥٣).
[ ٦ / ٢٢٩ ]