ولعلَّنا إن شاء الله يتيسَّر لنا [شرح] الآيات المتعلِّقة بأهل الكتاب جميعها [ بتفسيرها]، ولكني الآن في شغل. ومع ذلك فقد أجاب ابن حزمٍ، ورحمة الله، والنَّبهاني (^١) عن آيات كثيرة وأحاديث، و[هوَّن عليَّ الأمر ] ظنِّي. كيف والآيات التي أيَّد الله بها رسوله محمَّدًا ﵌ لا تحصى، وفيها مؤلَّفات خاصَّة، كـ"دلائل النبوَّة" للبيهقي، وغيره.
ويكفيك من هذا أنَّ يتيمًا من قريش نشأ بين أظهرهم بمكَّة، لم يشارك في شيءٍ من شؤونهم، وإنَّما رعى الغنم وشارك في التجارة ونحو ذلك، وكان بين قريش من صغره معروفًا بالصِّدق والأمانة، فلمَّا بلغ أربعين سنة بايَنَ قومَه كلَّ المباينة، وسفَّه أحلامهم وسبَّ آلهتهم وضلَّلهم وآباءهم، وعرَّض نفسه للإهانة والأذى، حتى بلغوا منه كلَّ مبلغٍ من الأذى، فلم يؤثِّر فيه ذلك.
ثم عادوا إلى استمالته وبذلوا له الأموال، وبذلوا له الملك، فلم يستخفَّه ذلك، ولا حادَ عن سبيله قِيد شعرةٍ، حتى ترامت به الأيَّام إلى هجر وطنه ومسقط رأسه، ولم يزل مجاهدًا في سبيل الله تعالى حتى أتمَّ الله تعالى دينَه.
ولم يُؤْثَر عنه شيءٌ ممَّا لا تخلو الملوك عنه من الجبروت والظلم والفساد في الأرض، بل كان نورًا كلُّه من أوَّله إلى آخره.
_________________
(١) لعلَّه يقصد كتاب النبهاني: "حُجَّة الله على العالمين في معجزات سيِّد المرسلين".
[ ٦ / ٢١٩ ]
ويا ترى [نظريتك] هذه كيف فاتت أحبار اليهود الذين أسلموا، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ومن أسلم من النصارى أو قارب، كالنجاشي وأصحابه، وهرقل وغيرهم. كلَّا والله، لم يفُتْهُم، وإنَّما كانوا ينظرون ببصائر سليمة.
ومع هذا فأقول مستعينًا بالله تعالى، مستمدًّا من كلام الإمام ابن حزم ﵀ (^١).
وأمَّا إيرادك لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ [الإسراء: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (^٢) (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ الآية [العنكبوت: ٥٠ - ٥١] = مستدلًّا بهما على أنَّها لم تكن لمحمَّدٍ ﵌ آيةٌ غير القرآن، فهذا نظرٌ غير صحيح.
فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ لا يقتضي أنَّه لم يرسل آية أصلًا؛ فإنَّ "أل" في الآيات عهديَّةٌ (^٣)، أي: الآيات التي سألها أهل مكَّة، من قلب الصفا ذهبًا ونحوه، كما فسَّره ابن عباس وغيره (^٤).
_________________
(١) تصرَّف المؤلِّف ﵀ في الاستمداد من كلام ابن حزم كما أشار ههنا، وسأكتفي بالإحالة لمواضع كلامه من "الفِصَل".
(٢) في الأصل: (وإذا لم تأتهم آية قالوا لولا أنزل عليه آية).
(٣) يُنظَر: "الفِصَل" لابن حزم (١/ ١٩٣).
(٤) يُنظَر في ذلك: "الدُّر المنثور" للسيوطي (٩/ ٣٨٥ - ٣٨٨).
[ ٦ / ٢٢٠ ]