فصل: ادعاء صاحب المقال أن أمر النبي بحف الشوارب وإعفاء اللحى وإكرامها كان لمجرد أنه - ﷺ - يتضايق منها
وقال صاحب المقال الباطل: كل ما في الأمر أن النبي - ﷺ - كان يكره رؤية اللحية الكثة ويتضايق منها فقال: «حفوا الشوارب وأكرموا اللحى» أكرموها بمعنى هذبوها رتبوها امشطوها، وليست بمعنى أطلقوها لأنها مطلقة أصلًا.
والجواب أن يقال: أما قوله: إن النبي - ﷺ - كان يكره رؤية اللحية الكثة ويتضايق منها، فهو من الافتراء على النبي - ﷺ -، وقد تواتر عنه - ﷺ - أنه قال: «من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»، وقد كان النبي - ﷺ - يأمر بإعفاء اللحية وتوفيرها، وينهى عن التشبه بالمجوس الذين كانوا يحلقون لحاهم، وكان - ﷺ - كثّ اللحية ضخمها عظيمها قد ملأت نحره، وروي عنه - ﷺ - أنه كره النظر إلى المجوسين اللذين دخلا عليه وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما وأنه أنكر عليهما، فهل يقول عاقل بعد هذا إن النبي - ﷺ - كان يكره رؤية اللحية الكثة ويتضايق منها، كلا لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل. وما كان النبي - ﷺ - يأمر بإعفاء اللحية وتوفيرها، وهو مع ذلك يكره رؤية اللحية الكثة ويتضايق منها، وما كان يعفى لحيته حتى كانت كثة
[ ١٤ ]
ضخمة عظيمة، وهو مع ذلك يكره رؤية اللحية الكثة ويتضايق منها. وما كان ينهى عن التشبه بالمجوس الذين يحلقون لحاهم ويكره النظر إليهم وهو مع ذلك يكره رؤية اللحية الكثة ويتضايق منها. وعلى هذا فمن زعم أن النبي - ﷺ - كان يكره رؤية اللحية الكثة ويتضايق منها فقد نسبه إلى التناقض الذي يتنزه عنه آحاد العقلاء، فكيف بالنبي - ﷺ - الذي هو أعقل بني آدم على الإطلاق، فهو أحق بالتنزيه عن التناقض وعن كل ما لا يليق بالعقلاء. ومن ظن به شيئًا من التناقض فقد ظن به ظن السوء، وذلك من قواطع الإسلام.
وقد تقدم في القصة التي رواها أبو نعيم في «دلائل النبوة» أن موسى ﵊ كان كث اللحية وأن هارون كان يشبهه، وجاء في بعض أحاديث الإسراء أن رسول الله - ﷺ - رأى هارون في السماء الخامسة وقال في نعته: «نصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء، تكاد لحيته تصيب سرته من طولها» رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم في تفسيريهما، والبيهقي في «دلائل النبوة» من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقد جاء في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله - ﷺ - لما مر على هارون وهو في السماء الخامسة سلم عليه فرد ﵇ وقال: مرحبًا بالأخ
[ ١٥ ]