وأما التعاون فإنما هو مشروع في أفعال الخير، ولا يجوز في أفعال الشر لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، وقد ذكر الكاتب كلمة التعاون على وجه الإطلاق الذي يدخل فيه التعاون الذي أمر الله به والتعاون الذي نهى الله عنه. وهذا خطأ وجهل إذ لا بد من تقييد التعاون بما أمر الله به من التعاون على البر والتقوى.
وأما الأخلاق فإن الإسلام قد رغب في محاسنها، ونهى عن مساويها وسفسافها، وقد ذكر الكاتب كلمة الأخلاق على وجه الإطلاق الذي يدخل فيه محاسن الأخلاق ومساويها، وهذا خطأ وجهل إذ لا بد من تقييد الأخلاق بما هو مأمور به ومرغب فيه من التحلي بالأخلاق الحسنة، والبعد عن الأخلاق السيئة.
وأما قوله: لا يعرفون أن المسلم هو من سلم المسلمون من لسانه ويده.
فجوابه أن يقال: إن التحذير من إطلاق اللسان واليد على المسلمين إنما هو فيما كان من باب الظلم والعدوان. فأما الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والأخذ على أيدي المسيئين وأطرهم على الحق فهي من الأمور التي أمر الشارع بها ورغب فيها،
[ ٤٢ ]
والآيات والأحاديث في الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدًا، وليس هذا موضع ذكرها.
وتغيير المنكر يكون باليد واللسان والقلب كما في الحديث الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى مسلم أيضًا عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»، وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا
[ ٤٣ ]
يعتدون، وكان رسول الله - ﷺ - متكئًا فجلس فقال: لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرًا»، وفي رواية أبي داود أن رسول الله - ﷺ - قال: «كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو لتقصرنه على الحق قصرًا».
وإذا علم أن تغيير المنكر واجب على حسب القدرة، فليعلم أيضًا أن من اقتصر على التغيير بلسانه، وهو قادر على التغيير بيده فقد ترك الواجب عليه، ومن اقتصر على التغيير بقلبه، وهو قادر على التغيير بلسانه، فقد ترك الواجب عليه.
وقد يظن بعض الجاهلين أن التحذير من إطلاق اللسان واليد على المسلمين يتناول إنكار المنكرات الظاهرة وتغييرها باليد أو اللسان لمن قدر على ذلك، وهذا هو الظاهر من فحوى كلام الكاتب حيث شن الحملة على الذين ينكرون حلق اللحى. وما علم الكاتب وأمثاله من ضعفاء البصيرة أن إعفاء اللحى فرض، وأن حلقها من المنكرات التي يجب تغييرها بحسب القدرة. وما علموا أيضًا أن من ترك تغيير المنكرات وهو قادر على تغييرها فقد تعرض لسخط الله ومقته وأليم عقابه.
وأما قوله: نسوا أن الإسلام ينهى عن التفريق بين المرء
[ ٤٤ ]
وزوجه، والأخ وأخيه.
فجوابه أن يقال: إن الإسلام إنما ينهى عن التفريق بين المرء وزوجه، وبين الأخ وأخيه إذا كان كل منهما ملتزمًا بأحكام الإسلام، فأما من كان يتسمى بالإسلام وهو مع ذلك يترك الصلاة، أو يفعل شيئًا من نواقض الإسلام التي تبيح الدم والمال، فإنه يجب التفريق بينه وبين زوجته الملتزمة بأحكام الإسلام، ويجب تحذير إخوانه وغيرهم منه حتى يتوب ويلتزم بأحكام الإسلام.
وأما قوله: نسوا كل محاسن الإسلام وسلوك الإسلام.
فجوابه أن يقال: من محاسن الإسلام وسلوك الإسلام إعفاء اللحى، والبعد عن مشابهة المجوس وأمثالهم من المشركين الذين يحلقون لحاهم، والأدلة على أن إعفاء اللحى من محاسن الإسلام وسلوك الإسلام كثيرة جدًا، وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب فلتراجع، وأما حلق اللحى فإنه من سلوك المجوس ومساوئ أفعالهم، والمسلم مأمور بمخالفتهم والبعد عن مشابهتهم، وعلى هذا فالذين يتشبهون بالمجوس في حلق اللحى هم الذين نسوا محاسن
[ ٤٥ ]
الإسلام وسلوك الإسلام في إعفاء اللحى والتأسي برسول الله - ﷺ - في ذلك والتمسك بهديه وامتثال أمره.
وأما قوله: وتمسكوا باللحية، وكأن الإسلام لحية.
فجوابه أن يقال: أما إعفاء اللحية فإنه من خصال الفطرة كما جاء ذلك في حديث عائشة ﵂ الذي رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن وتقدم ذكره.
والفطرة هي السنة التي كان عليها رسول الله - ﷺ -، وكان عليها الأنبياء والمرسلون من قبله، وقد قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾، وثبت أن رسول الله - ﷺ - كان كثير شعر اللحية، وأن لحيته كانت كثة ضخمة عظيمة، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقد أمر النبي - ﷺ - أمته بإعفاء اللحى، ومخالفة المشركين الذين يحلقون لحاهم، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ
[ ٤٦ ]
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فليحذر الكاتب وأمثاله من المتهاونين بأمر الرسول - ﷺ - بإعفاء اللحى أن تصيبهم فتنة، أو يصيبهم عذاب أليم.
وأما قوله: لا يعرفون أن اللحية تعبر عن الأمة العربية أحسن تعبير، ونسوا أن أحبار اليهود، ورهبان النصارى، وكفار قريش، والهندوس، والشيوعيين يلتحون.
فالجواب عنه قد تقدم في أول الكتاب فليراجع.
وأما قوله: وكذلك البدائيون من الخلق.
فجوابه أن يقال: إذا كان الكاتب يرى أن من أعفى لحيته فهو من البدائيين، فمعناه أنه يرى أن الراقين هم الذين يحلقون لحاهم. وهذا لا يقوله إنسان يعقل ما يقول، وقد ذكرت فيما تقدم أن إعفاء اللحى من سنن الأنبياء والمرسلين وهديهم الذي أمر الله ﵎ بالاقتداء بهم فيه، وعلى هذا فهل يقول الكاتب إن رسول الله - ﷺ - كان من البدائيين؛ لأنه قد أعفى لحيته، وأن الأنبياء والمرسلين كانوا بدائيين لأنهم كانوا يعفون لحاهم، وأن الراقين هم الأكاسرة وقومهم المجوس، ومن يتشبه بهم ويحذو حذوهم
[ ٤٧ ]
في حلق اللحى وإعفاء الشوارب. أما ماذا يجيب به عن كلامه الباطل الذي لم يتثبت فيه، ولم ينظر إلى ما يترتب عليه من اللوازم السيئة التي قد تفضي بقائلها إلى الردة والخروج من الإسلام.
[ ٤٨ ]