فصل: ادعاء صاحب المقال أن النبي - ﷺ - لم يقل ما يفيد أن اللحية من الإسلام في شيء، وإنما عنف الذين يشوهون مناظرهم بإطلاق لحاهم
وقال صاحب المقال الباطل: النبي - ﷺ - لم يقل ما يفيد بأن اللحية من الإسلام في شيء، وإنما قال حديثا يزجر به الذين شوهوا مناظرهم بلحاهم الكثة التي كانوا ينتفونها بأيديهم، ويقضمون شواربهم بأسنانهم، ويشوهون منظرهم الإنساني الجميل، فقال - ﷺ - ما معناه: يا جماعة هذبوا لحاكم، وحفوا شواربكم بالمقص، وليس بأسنانكم، الجهلة اعتقدوا أن هذا هو الحديث الوحيد الذي يرمز إلى إسلام المرء.
ومن حقك إذا أطلقت لحيتك أن تشتم الناس، وتكفرهم، وتفرق بينهم، وتحلل دماءهم، ونساءهم.
والجواب أن يقال: إن صاحب المقال الباطل قد تقول على النبي - ﷺ - حيث زعم أنه لم يقل ما يفيد بأن اللحية من الإسلام في شيء. وهذا الزعم الكاذب مردود بأمر النبي - ﷺ - بإعفاء اللحى وتوفيرها. وقد تقدم ذكر ذلك في عدة أحاديث صحيحة فلتراجع، وتقدم أيضًا حديث عائشة ﵂ أن
[ ٤٩ ]
رسول الله - ﷺ - قال: «عشر من الفطرة»، وذكر منها قص الشارب وإعفاء اللحية، والفطرة هي السنة التي كان عليها رسول الله - ﷺ -، وكان عليها الأنبياء والمرسلون من قبله، وتقدم أيضًا ما حكاه ابن حزم من الإجماع على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض، وفي كل ما تقدم ذكره من الأحاديث والإجماع أبلغ رد على ما في كلام الكاتب من التقول على رسول الله - ﷺ -، وما فيه أيضًا من التخبيط والتلبيس على ضعفاء البصيرة.
وأما زعمه أن رسول الله - ﷺ - قال حديثا يزجر به الذين شوهوا مناظرهم بلحاهم الكثة، فهو أيضًا من التقول على رسول الله - ﷺ -، وقد تواتر عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار».
وأما زعمه أن اللحى الكثة تشوه مناظر أهلها فهو من قلب الحقيقة؛ لأن الذي يشوه وجوه الرجال على الحقيقة هو التمثيل باللحى بالحلق أو النتف، بحيث يصير وجه الشاب شبيهًا بوجه المرأة الشابة، ويصير وجه الشيخ شبيهًا بوجوه العجائز، وقد ورد الوعيد الشديد على التمثيل بالشعر، وتقدم ذكره في أثناء الكتاب
[ ٥٠ ]
فليراجع، فأما إعفاء اللحى فإنه جمال للرجال، ولا ينكر ذلك إلا من أعمى الله بصيرته، وقد جعل الله اللحى فرقًا بين الرجال والنساء. وقد تقدم في صفة النبي - ﷺ - أنه كان كث اللحية ضخمها عظيمها، وكان مع ذلك أجمل الناس وأحسنهم منظرًا، وكان يشبه أباه إبراهيم خليل الرحمن، وتقدم في صفة موسى ﵊ أنه كان كث اللحية. وفي صفة هارون ﵊ أنه كان يشبه أخاه موسى، وفي بعض الروايات في حديث الإسراء أن لحية هارون تكاد تصيب سرته من طوله، وعلى هذا فهل يقول مسلم عاقل إن النبي - ﷺ - قد شوه منظره بلحيته الكثة الضخمة العظيمة، وأن إبراهيم، وموسى، وهارون قد شوهوا مناظرهم بلحاهم الكثة العظيمة، كلا لا يقول ذلك من له مسكة من عقل ودين.
وإذا علم هذا فليعلم أيضًا أن أهل اللحى الكثة من المسلمين لهم أسوة بالخليلين وبغيرهما من الأنبياء والمرسلين، وقد قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو
[ ٥١ ]
اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وأما قوله: إن النبي - ﷺ - قال ما معناه، يا جماعة هذبوا لحاكم، وحفوا شواربكم بالمقص، وليس بأسنانكم.
فجوابه أن يقال: هذا من الكذب على رسول الله - ﷺ -، وقد كان النبي - ﷺ - يأمر بإعفاء اللحى وتوفيرها، وذلك ينافي الحلق والتهذيب منها.
وأما قوله: إن الجهلة اعتقدوا أن هذا هو الحديث الوحيد الذي يرمز إلى إسلام المرء.
فجوابه أن يقال: ليس الكلام الذي ذكره حديثًا مرويًا عن النبي - ﷺ -، وإنما هو كذب أتى به الكاتب من كيسه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، ولا يظن بأحد له أدنى مسكة من عقل ودين أنه يصدق بالحديث الذي وضعه الكاتب ونسبه إلى النبي - ﷺ -، فضلًا عن أن يعتقد أنه يرمز إلى إسلام المرء، فكل هذا من مجازفات الكاتب وتهوره في كتابة ما يمليه عليه قرينه.
[ ٥٢ ]
وأما قوله: ومن حقك إذا أطلقت لحيتك أن تشتم الناس، وتكفرهم، وتفرق بينهم، وتحلل دماءهم ونساءهم.
فجوابه أن يقال: هذا هذيان يشبه هذيان المجانين، ولا يكتبه وينشره إلا من هو مصاب في دينه وعقله.
وهذا آخر ما يتيسر إيراده، والله المسئول أن يريني وإخواني المسلمين الحق حقًا، ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبسًا علينا فنضل.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وقد كان الفراغ من كتابة هذه النبذة في يوم الخميس سابع شهر شوال من سنة أربع وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
[ ٥٣ ]