بخلق حسن» رواه الإمام أحمد والترمذي والدارمي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ورواه الإمام أحمد والترمذي أيضًا من حديث معاذ بن جبل ﵁.
وليعلم أن مخالقة الناس بالخلق الحسن، وإن كانت من الخصال الحسنة التي يأمر بها الدين فليست هي الدين، ولا يكون المتصف بها مسلمًا حتى يلتزم بأركان الإسلام الخمسة. وما أكثر الذين يخالقون الناس بالأخلاق الحسنة، وهم مع ذلك ليسوا بمسلمين، وكثير من دول النصارى يجد المسلمون عندهم من المخالقة الحسنة ما لا يجدونه عند بعض الدول التي تنتسب إلى الإسلام. وهم مع ذلك ليسوا بمسلمين، وبهذا يعلم فساد قول من قال إن الدين المعاملة.
وأما قوله: ويجهلون أن الدين النصيحة.
فجوابه أن يقال: لا بد من تقييد النصيحة بما جاء في الأحاديث الصحيحة وهي أنها «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي من حديث تميم الداري ﵁، ورواه الإمام أحمد، والنسائي أيضًا والترمذي من حديث أبي هريرة ﵁، وقال الترمذي:
[ ٣٦ ]
حديث حسن صحيح. ورواه الإمام أحمد أيضًا من حديث ابن عباس ﵄، ورواه الدارمي من حديث ابن عمر ﵄.
وقد قال النووي في الكلام على هذا الحديث: إن من النصيحة لله تعالى القيام بطاعته، واجتناب معصيته، ومن النصيحة للرسول - ﷺ - طاعته في أمره، ونهيه، وإحياء طريقته وسنته. ومن النصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق، وأمرهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، ومن النصيحة لعامة المسلمين تعليمهم ما يجهلونه من دينهم وأمرهم ونهيهم عن المنكر، انتهى المقصود من كلامه ملخصًا.
وإذا علم هذا فليعلم أيضًا من طريقة النبي - ﷺ - وسنته التي دلت عليها أقواله وأفعاله إعفاء اللحية ومخالفة المشركين الذين يحلقون لحاهم، وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه كان كث اللحية ضخمها عظيمها. وجاء في عدة أحاديث صحيحة أنه - ﷺ - أمر أمته بإعفاء اللحى ومخالفة المشركين الذين يحلقون لحاهم، فتجب طاعته في ذلك واجتناب معصيته كما يجب أيضًا التأسي به وإحياء طريقته وسنته، وذلك كله من النصيحة لله تعالى ولرسوله - ﷺ -؛ لأن الله تعالى قد أمر بطاعة الرسول - ﷺ - في مواضع كثيرة من القرآن، وقرن طاعته
[ ٣٧ ]
بطاعته، وحث على اتباعه والتأسي به، وحذر من مخالفة أمره، وأخبر أن طاعة الرسول طاعة له، وعلق الهداية على طاعته فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾.
ومن النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم تعليمهم ما يجهلونه من دينهم. ومن ذلك تعليمهم وجوب إعفاء اللحى، وتحريم حلقها، وقصها، ونتفها.
فأما نصيحة الكفار بعضهم لبعض في أمور دينهم ودنياهم فليست من الدين في شيء. وكذلك نصيحة الكفار للمسلمين ليست من الدين في شيء، ولكنها حسنة ومحمودة عند العقلاء.
وأما قوله: ويتناسون أن الإسلام جملة من المحبة والمودة والفضائل - إلى أخر كلامه -.
[ ٣٨ ]