عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن من رغب عن إعفاء اللحية ففيه من سفه النفس بقدر ما رغب عنه من ملة إبراهيم.
وقد روى البيهقي في «دلائل النبوة» عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام - فذكر القصة بطولها وفيها أن هرقل أراهم صور الأنبياء في خرق من حرير، فذكر في صفة نوح ﵊ أنه كان حسن اللحية. وفي صفة إبراهيم ﵊ أنه كان أبيض اللحية. وفي صفحة إسحاق ﵊ أنه كان خفيف العارضين. وفي صفة يعقوب ﵊ أنه كان يشبه أباه إسحاق، وفي صفة عيسى ﵊ أنه كان شديد سواد اللحية، قال ابن كثير: إسناده لا بأس به. وقد رواه أبو نعيم الأصبهاني في «دلائل النبوة» من طريق أخرى، وقال في صفة موسى ﵊: إنه كث اللحية. وقال في صفة هارون ﵊: إنه كان يشبه موسى. وقد جاء في بعض الروايات في حديث الإسراء أن رسول الله - ﷺ - رأى هارون في السماء الخامسة، وقال في نعته: نصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء تكاد لحيته تصيب سرته من
[ ٧ ]
طولها، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما والبيهقي في «دلائل النبوة» من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وقد أخبر الله تعالى عن هارون أنه قال لأخيه موسى: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ فدلت الآية الكريمة على أنه كان ذا لحية طويلة يتمكن موسى من الأخذ بها. وفي هذه الآية الكريمة وما ذكر قبلها من صفات الأنبياء المتقدمين أبلغ رد على من زعم أن اللحية رمز عربي وليست من الإسلام في شيء. والأنبياء كلهم على دين الإسلام وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم.
وقد كان أهل الكتابين في زمن الجاهلية يعفون لحاهم متابعة لما كان عليه الأنبياء المتقدمون، وكذلك كان العرب في زمن الجاهلية، فإنهم كانوا يعفون لحاهم، وذلك مما تمسكوا به من ملة إبراهيم ﵊ مع أشياء تمسكوا بها من أفعال الحج وغيره، ولم يكن حلق اللحى معروفًا في زمن الجاهلية إلا عن المجوس، وقد أمر النبي - ﷺ - أمته بمخالفتهم، ونهاهم عن التشبه بهم والتزيي بزيهم.
والمقصود هنا بيان أن إعفاء اللحية ليس رمزًا عربيًا كما زعم ذلك صاحب المقال الباطل، وإنما هو سنة من سنن الأنبياء والمرسلين، وصفة من صفات المتمسكين بالسنة من المسلمين، وأما حلق اللحية وقصها فهو رمز للمجوس ولمن يتشبه بهم من المسلمين
[ ٨ ]
وغير المسلمين، ولا يضر المسلمين كون الهندوس وغيرهم من الكفار يبالغون في إعفاء اللحى، فإن ذلك معدود من تشبههم بالمسلمين إما قصدًا وإما اتفاقًا، وهم في هذه الحالة أحسن من المجوس الذين يحلقون اللحى ويمثلون بها ويخالفون هدي الأنبياء المرسلين.
[ ٩ ]