الرعب منهم قد بقيت في ذهنه - ﷺ -.
الوجه الخامس: أن يقال: ليس في إعفاء اللحية وكثافتها تشويه للإنسان كما قد توهم ذلك صاحب المقال الباطل، وإنما فيه الجمال للرجال والتفريق بينهم وبين النساء. وإمام أهل اللحى وقدوتهم في إعفائها رسول الله - ﷺ - فقد ثبت أنه كان كث اللحية ضخمها عظيمها قد ملأت نحره، وكان مع ذلك أجمل البشر وأحسنهم وجهًا، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾.
فأما حلق اللحى فإنه يشوه وجوه الرجال بحيث يصير وجه الشاب شبيهًا بوجه المرأة الشابة، ويصير وجه الشيخ شبيهًا بوجوه العجائز، وحلق اللحى ونتفها من التمثيل الذي ورد الوعيد الشديد عليه، كما في الحديث الذي رواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من مثّل بالشعر فليس له عند الله خلاق». قال الزمخشري: قيل معناه حلقه في الخدود، وقيل نتفه، وقيل: خضابه، وقال ابن الأثير في «النهاية» فيه أنه نهى عن المثلة، يقال: مثلت بالحيوان إذا قطعت أطرافه وشوهت به، قال ومنه الحديث: «من مثل بالشعر فليس له عند الله خلاق يوم القيامة» مثلة الشعر حلقه
[ ٣٠ ]
من الخدود، وقيل: نتفقه أو تغييره بالسواد، وكذا قال ابن منظور في لسان العرب. وقد تقدم ما رواه ابن إسحاق، وابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب أن رسول الله - ﷺ - كره النظر إلى المجوسيين اللذين دخلا عليه، وقد حلقا لحاهما، وأعفيا شواربهما، وقال لهما: «ويلكما، من أمركما بهذا؟»، وإنما أنكر عليهما حلق اللحية وإعفاء الشارب؛ لأن ذلك يشوه الوجه ويجعله قبيح المنظر.
وإذا علم هذا فليعلم أيضًا أنه لا يستحسن حلق اللحية، وإعفاء الشارب إلا من استزله الشيطان، وزين له تشويه وجهه، وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، وقال تعالى مخبرًا عن المخالفين لدعوة الرسل: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ومن حلق لحيته وشاربه، أو حلق لحيته وأعفى شاربه، أو حلق لحيته فقط فله نصيب من هذه الآية بقدر مخالفته لأمر الرسول - ﷺ - بإعفاء اللحية وإحفاء الشارب، ورغبته عن هديه الذي هو خير الهدي على الإطلاق.
الوجه السادس: أن يقال لصاحب المقال الباطل: إذا كنت ترى أن في إعفاء اللحية وكثافتها تشويهًا للإنسان، فماذا تقول في
[ ٣١ ]
لحية رسول الله - ﷺ - التي قد ثبت أنها كانت كثة ضخمة عظيمة، فهل تقول إنها قد شوهت وجهه، أم ماذا نجيب به عن كلامك الباطل الذين لم تتثبت فيه ولم تنظر إلى ما يترتب عليه من اللوازم السيئة التي قد تفضي بقائلها إلى الخروج من الإسلام، فاتق الله أيها الكاتب، وحاسب نفسك قبل أن تحاسب على أقوالك الباطلة، وحاول الخروج من المأزق الذي أوقعت نفسك فيه، ولا تكن من الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
[ ٣٢ ]