قوله إن كون هذه الأحاديث موضوعة يعرف بالحسي من الحديث الطويل الذي نسب إلى النواس بن سمعان ورفعه إلى النبي ﷺ وهو الحديث الذي ينبئ أن الدجال يخرج من خلة بين الشام والعراق ويعمل الأعاجيب ثم يدركه عيسى فيقتله ثم يؤمر عيسى بأن يعتصم بالطور هربا من قوم لا قدرة عليهم وهم يأجوج ومأجوج- إلى أن قال- فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما- إلى أن قال- أن تنظر إلى تركيب هذه القصة نظر منتقد لا يخطر ببالك شك في أنها موضوعة وقد وضعها واضع لا يفرق بين الممكن والمستحيل وبين سنن الله وما تولده الخيالات من الأباطيل ولكن الدليل الحسي على بطلان هذا الحديث أن واضعه لقصر نظره خيل له أن أسلحة الناس لن تزال القسي والسهام والنشاب والجعاب حتى تقوم الساعة ولم يدرك أنه لن يمر على وضع هذا الحديث نحو سبعة قرون حتى يوجد البارود والبندق ولم تمر ستة قرون أخرى حتى لم يكن للقوس والنشاب ذكر وقام مقامه مدافع الماكسيم وقنابل اليد والشرنبيل والأدخنة السامة والغازات الملتهبة والديناميت الذي يتساقط من الطائرات الخ..
وحديث النواس بن سمعان الذي زعم أنه موضوع أخرجه الإمام مسلم في صحيحه وهو واحد من أحاديث
[ ٤٥ / ٣١٥ ]
الدجال المتواترة التي اعتبرها محمد فريد وجدي موضوعه وشبهته التي اعتبرها دليلا حسيا على وضع هذا الحديث كون يأجوج ومأجوج يستعملون النشاب وهو سلاح قديم جاءت بعده الأسلحة الفتاكة التي عدد بعض أنواعها ويجاب عن شبهته هذه أن هذا السلاح الذي ورد ذكره في الحديث هو الذي سوف يستعمل حتما من قبل يأجوج ومأجوج إذا خرجوا في آخر الزمان أما الحضارة المادية والأسلحة الفتاكة التي وجدت في هذا العصر فليس بقاء نوعها حتى نهاية الزمان محققا فقد يبقى نوعها حتى ذلك الزمان وقد تنتهي قبل ذلك والله تعالى أعلم بالذي سيكون من بقائها أو انتهائها واحتمال انتهائها أقرب لأن الأحاديث الصحيحة وردت باستعمال الخيل والرماح وإلى السيوف والحراب مع أن النفوس البشرية جبلت على تفضيل المركوبات المريحة واستعمال السلاح الأنكى في الحرب فقد يكون استعمال هذه الأسلحة العادية لعدم وجود الأسلحة الفتاكة. ولا أدري كيف تجرأ هذا المسكين على رد هذا الحديث وزعم أنه موضوع من أجل أنه ذكر فيه سلاح قديم فإن هذا السلاح هو المحقق الوجود في ذلك الوقت لإخبار الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ بذلك في هذا الحديث الصحيح أما أسلحة هذا الزمان ومركوباته فإن وجودها في آخر الزمان غير محقق وإنما هو محتمل ومن قرائن احتمال عدم بقائها ما نسمعه في الإذاعات من الذعر والتخوف من نفاذ النفط وتنافس الدول الصناعية في البحث عن مصادره لما أسموه بالطاقة ليحرك بها الحديد بدلا من البترول حتى لا تكون هذه الحضارة المادية ركاما من الحديد البارد ويحضرني لي هنا نكتة لطيفة سمعتها من رجل قال فيها: "هذه الحمر السائبة التي تعترض طرق السيارات وتسبب الحوادث لو توقف البترول لتشاح الناس فيها وتنافسوا في اقتنائها وشغلوا المحاكم باستخراج صكوك في تملكها والتخاصم عليها وقد يقول قائلهم: إنني قد ورثت هذا عن أبي عن جدي".
ومعذرة للقارئ في هذا الاستطراد الذي لا يخلو من فائدة إن شاء الله في مناقشة محمد فريد وجدي في شبهه الواهية التي اعتمد عليها في إنكار أحاديث الدجال وزعمه أنها موضوعه ومثل هذه الشبه التي أودعها في كتابه دائرة معارف القرن العشرين هي في الحقيقة من جاهلية القرن العشرين.
١٧- هناك كاتب من كتاب القرن الرابع عشر اعتمد على كلامه الشيخ ابن محمود دون أن يفصح عن اسمه في رسالته ولا مرة واحدة وهو الأستاذ أحمد أمين صاحب كتاب ضحى الإسلام وسأنقل كلام ابن محمود في رسالته ثم اتبعه بأصله كلام أحمد أمين في ضحى الإسلام.
قال الشيخ ابن محمود ص ٣٧: "إن فكرة المهدي هذه لها أسباب سياسية واجتماعية ودينية وكلها نبعت من عقائد الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها وذلك بعد خروج الخلافة من آل البيت واستغلت الشيعة أفكار الجمهور الساذجة وتحمسهم للدين والدعوة الإسلامية فأتوهم من هذه الناحية الطيبة الظاهرة ووضعوا الأحاديث يروونها عن رسول الله ﷺ في ذلك واحكموا أسانيدها وأذاعوها عن طرق مختلفة فصدقها الجمهور الطيب لبساطته وسكت رجال الشيعة لأنها في مصلحتهم وكانت بذلك مؤامرة شنيعة أفسدت بها عقول الناس وامتلأت بأحاديث تروى وقصص تقص نسبوا بعضها إلى النبي ﷺ وبعضها إلى أئمة أهل البيت وبعضها إلى كعب الأحبار وكان لكل ذلك أثر سيئ في تضليل عقول الناس وخضوعهم للأوهام كما كان من أثر ذلك الثورات والحركات المتتالية في تاريخ المسلمين ففي كل عصر يخرج داع أو دعاة يزعم أنه المهدي المنتظر ويلتف حوله طائفة من الناس ويتسببون في إثارة الكثير من الفتن وهذا كله من جراء نظرية خرافية هي نظرية المهدي وهي نظرية لا تتفق مع سنة الله في خلقه ولا تتفق مع العقل الصحيح" انتهى كلام الشيخ ابن محمود.
وقال الأستاذ أحمد أمين في كتاب ضحى الإسلام ج ٣/ ٢٤١: "وفكرة المهدي هذه لها أسباب سياسية واجتماعية ودينية ففي نظري أنها نبعت من الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها وذلك بعد خروج الخلافة من
[ ٤٥ / ٣١٦ ]
أيديهم" وقال في ج ٣/٢٤٣: "واستغل هؤلاء القادة المهرة أفكار الجمهور الساذجة المتحمسة للدين والدعوة الإسلامية فأتوهم من هذه الناحية الطاهرة ووضعوا الأحاديث يروونها عن رسول الله ﷺ في ذلك وأحكموا أسانيدها وأذاعوها من طرق مختلفة فصدقها الجمهور الطيب لبساطته وسكت رجال الشيعة لأنها في مصلحتهم" وقال في ص ٢٤٣. أيضا: "حديث المهدي هذا حديث خرافة وقد ترتب عليه نتائج خطيرة في حياة المسلمين" وقال في ص ٢٤٤: "فامتلأت عقول الناس بأحاديث تروى وقصص تقص ونشأ باب كبير في كتب المسلمين اسمه الملاحم فيه أخبار الوقائع من كل لون فأخبار العرب والروم وأخبار في قتال الترك" إلى أن قال:
"وجعلت هذه الأشياء كلها أحاديث بعضها نسبوه إلى النبي ﷺ وبعضها إلى أئمة أهل البيت وبعضها إلى كعب الأحبار ووهب بن منبه وهكذا وكان لكل ذلك أثر سيئ في تضليل عقول الناس وخضوعهم للأوهام كما كان من أثر ذلك الثورات المتتالية في تاريخ المسلمين ففي كل عصر يخرج داع أو دعاة كلهم يزعم أنه المهدي المنتظر ويلتف حوله طائفة من الناس" إلى أن قال: "وهذا كله من جراء نظرية خرافية هي نظرية المهدية وهي نظرية لا تتفق وسنة الله في خلقه ولا تتفق والعقل الصحيح" انتهى.
بعد نقل كلام الشيخ ابن محمود هذا ونقل كلام قدوته في ذلك الأستاذ أحمد أمين يتضح للقارئ أن التابع نقل الكلام المتبوع بنصه ونسبه إلى نفسه دون نسبته إلى قائله وإن كان مثل هذا الكلام يعتبر في الحقيقة منقصة ينسب إليه ثم أن الشيخ ابن محمود يعيب جمهور الأمة سلفا وخلفا أنهم يقلد بعضهم بعضا والمقلد لا يعد من أهل العلم كما في ص ٥ و٨ من رسالته وفي نفس الوقت يرضى لنفسه أن يقلد مثل أحمد أمين ومحمد فريد وجدي ممن هم أجانب عن علم الحديث الشريف، فإذا كان من يقلد أهل الاختصاص مثل الترمذي والعقيلي والذهبي وابن تيمية وابن القيم وابن حجر العسقلاني وغيرهم لا يعد من أهل العلم فبم يوصف من يكون قدوته من هو أجنبي عن العلم الشرعي مثل محمد فريد وجدي وأحمد أمين؟
ومن جعل الغراب له دليلا يمر به على جيف الكلاب
ثم إني أناقش هذا الكلام الذي اشترك في حمل وزره الأستاذ أحمد أمين والشيخ ابن محمد فأقول:
أولا: ما قاله التابع والمتبوع من أن فكرة المهدي نبعت من عقائد الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها وأنهم استغلوا أفكار الجمهور الساذجة وتحمسهم للدين والدعوة الإسلامية فأتوهم من هذه الناحية الطيبة الطاهرة ووضعوا الأحاديث يروونها عن رسول الله ﷺ في ذلك واحكموا أسانيدها وأذاعوها عن طرق مختلفة وصدقها الجمهور الطيب لبساطته هذان القول الذي قالاه يشتمل على تنقص سلف هذه الأمة أوعية السنة ونقلة الآثار والنيل منهم ووصف أفكارهم بالسذاجة وأنهم يصدقون بالموضوعات لبساطتهم ولا شك أنه كلام في غاية الخطورة لأن القدح بالناقل قدح - بالمنقول وهو سنة الرسول ﷺ وفي مقابل هذا الكلام الذي هو من أسوأ الكلام أنقل فيما يلي كلاما لأبي بكر الخطيب البغدادي ﵀ في أهل الحديث هو من أحسن الكلام قال ﵀ في كتابه شرف أصحاب الحديث:
"وقد جعل الله تعالى أهله - يعني الحديث - أركان الشريعة وهدم بهم كل بدعة شنيعة فهم أمناء الله من خليقته والواسطة بين النبي ﷺ وأمته والمجتهدون في حفظ ملته أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرة وآياتهم باهرة، ومذاهبهم ظاهرة، وحججهم قاهرة، وكل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه أو تستحسن رأيا تعكف عليه سوى أصحاب الحديث فإن الكتاب عدتهم والسنة حجتهم والرسول قدوتهم وإليه نسبتهم، لا يعرجون على الأهواء ولا يلتفتون إلى الآراء، يقبل منهم ما رووا عن الرسول وهم المأمونون عليه والعدول حفظة الدين وخزنته وأوعية العلم وحملته. إذا اختلف في حديث كان إليهم الرجوع فما حكموا به فهو المقبول المسموع منهم كل عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد في قبيلة، ومخصوص بفضيلة، وقارئ متقن، وخطيب مسحن، وهم الجمهور العظيم، وسبيهم- السبيل المستقيم، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإفصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر. من كادهم قصمه الله ومن عاندهم خذله الله، لا يضرهم من خذلهم ولا يفلح من اعتزلهم"، المحتاط لدينه إلى إرشادهم
[ ٤٥ / ٣١٧ ]
فقير وبصر الناظر إليهم بالسوء حسير وإن الله على نصرهم لقدير، وقال ﵀: "فقد جعل رب العالمين الطائفة المنصورة حراس الدين وصرف عنهم كيد المعاندين لتمسكهم بالشرع المتين واقتفائهم آثار الصحابة والتابعين فشأنهم حفظ الآثار، وقطع المفاوز والقفار وركوب البراري والبحار في اقتباس ما يشرع الرسول المصطفى لا يعرجون عنه إلى رأي ولا هوى. قبلوا شريعته قولا وفعلا، وحرسوا سنته حفظا ونقلا، حتى ثبتوا بذلك أصلها وكانوا أحق بها وأهلها. وكم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها والله تعالى يذب بأصحاب الحديث عنها فهم الحفاظ لأركانها والقوامون بأمرها وشأنها إذا صدف عن الدفاع عنها فهم دونها يناضلون، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون".
هذا ما قاله الخطيب البغدادي ﵀ في أهل الحديث، وبعد أن يتفق ابن محمود مع أحمد أمين في هذا الكلام ينفرد الشيخ ابن محمود بلمز لأهل الحديث فيقول في ص ٢٣ من رسالته: لكن العلماء المتقدمين يغلب عليهم حسن الظن بمن يحدثهم ويستبعدون تعمد الكذب على رسول الله ﷺ من مؤمن بالله ولهذا أكثروا من أحاديث المهدي المتنوعة والمتضاربة والمختلفة حتى بلغت خمسين حديثا في قول الشوكاني كما نقله عنه السفاريني في لوامع الأنوار وأورد ابن كثير في نهايته الكثير منها وسأتكلم حول هذا الموضوع إن شاء الله تعالى.
ثانيا: قول أحمد أمين: "فامتلأت عقول الناس بأحاديث تروى وقصص تقص ونشأ باب كبير في كتب المسلمين اسمه الملاحم فيه أخبار الوقائع من كل لون فأخبار العرب والروم وأخبار في قتال الترك.." ألخ هذا القول فيه زيادة في الهلكة لما فيه من استنكار هذا الباب الذي اشتملت عليه دواوين السنة النبوية وهو باب الملاحم وما يندرج تحته من أحاديث عن أخبار بمغيبات وكثير من أحاديث هذا الباب موجودة في الصحيحين وفي غيرها.
ثالثا: ما قالاه من أن نظرية المهدي نظرية لا تتفق وسنة الله في خلقه ولا تتفق والعقل الصحيح يجاب عنه بأن مثل ذلك لا يصلح أن يطلق عليه نظرية لأنه من الأمور الغيبية التي هي ليست محلا للرأي والنظر وإنما يتوقف قبول ذلك على صحة الحديث به عن رسول الله ﷺ وقد صاحت الأحاديث بخروج المهدي في آخر الزمان والعقل السليم لا يختلف مع النقل الصحيح بل يتفق معه إذ أن العقل تابع للنقل وهو معه كالعامي المقلد مع العالم المجتهد كما قال ذلك بعض العلماء وخروج المهدي في آخر الزمان متفق مع سنة الله في خلقه فإن سنة الله تعالى أن الحق في صراع دائما مع الباطل والله تعالى يهيئ لهذا الدين في كل زمان من يقوم بنصرته ولا تخلو الأرض في أي وقت من قائم لله بحجته والمهدي فرد من أمة محمد ﷺ ينصر الله به دينه في الزمن الذي يخرج فيه الدجال وينزل فيه عيسى بن مريم ﵊ من السماء كما صحت الأخبار بذلك عن الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ.
١٨- اعتبر الشيخ ابن محمود كل ما ورد في المهدي من الأحاديث من قبيل المختلق الموضوع فقد وصف الأحاديث الواردة في المهدي في ص ٤ بأنها "مختلقة" وقال في ص ٦ "إِنه ليس أول من كذب بهذه الأحاديث" وقال في ص ٧ بعد أن ذكر بعض الشبه لإنكارها: "فهذه وما هو أكثر منها مما جعلت المحققين من العلماء يوقنون بأنها موضوعة على لسان رسول الله وأنها لم تخرج من مشكاة نبوته وليست من كلامه فلا يجوز النظر فيها فضلا عن تصديقها". وقال في ص ١١: "وأنه بمقتضى التحقيق لها يعني -الأحاديث الواردة في المهدي- والدرس لرواياتها يتبين بطريق اليقين أن فيها من التعارض والاختلاف وعدم التوافق والائتلاف ووقوع الإشكالات وتعذر الجمع بين الروايات ما يحقق عدم صلاحيتها ويجعل العلماء المحققين من المتأخرين وبعض المتقدمين يحكمون عليها بأنها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله ﷺ وليست من كلامه وينزهون ساحة رسول الله وسنته عن الإتيان بمثلها إذ الشبهة فيها يقينية والكذب فيها ظاهر جلي" وقال في ص ١٦: "وقد رجح أكثر العلماء المتأخرين من خاصة أهل الأمصار بأنها كلها مكذوبة على رسول الله صلى الله
[ ٤٥ / ٣١٨ ]
عليه وسلم"، وقال في ص ١٩: "لهذا وقبل ذلك تنبه العلماء من المتقدمين والمتأخرين لرد الأحاديث التي يتلونها ويموهون بها على الناس فأخضعوها للتصحيح والتمحيص وبينوا ما فيها من الجرح والتضعيف وكونها مزورة على الرسول من قبل الزنادقة الكذابين" ووصفه في ص ٢٤ بأنه حديث خرافة وكذا في ص ٢٧ وقال في ص ٢٧ "وهذا الجهل هو الذي أدى بأهله إلى وضع خمسين حديثا عند أهل السنة". وقال في ص ٢٩: "وكل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة ويترجح بأنها موضوعة على لسان رسول الله ولم يحدث بها" وقال في ص ٣١: "وأحاديث المهدي هي بمثابة ألف ليلة وليلة قد أحصاها الشوكاني فيما يزيد على خمسين حديثا" وقال في ص ٣٦: "وقد كاد أن ينعقد الإجماع من العلماء المتأخرين من أهل الأمصار في تضعيف أحاديث المهدي وكونها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله ﷺ" وقال في ص٥٨: "ودعوى المهدي في مبدئها ومنتهاها مبنية على الكذب الصريح والاعتقاد السيئ القبيح وهي في الأصل حديث خرافة يتلقفها واحد عن آخر وقد صيغت لها الأحاديث المكذوبة سياسة للإرهاب والتخويف".
هذه فقرات من كلام الشيخ ابن محمود في رسالته تتعلق برد الأحاديث الواردة في المهدي كلها لكونها مختلقة موضوعة مصنوعة مكذوبة مزورة حديث خرافة وبمثابة ألف ليلة وليلة وتعليقي على ذلك ما يلي:
أولا: أن تكرار مثل هذا الكلام وترديد مثل هذه العبارات في مواضع متعددة من رسالة الشيخ ابن محمود هو الذي زاد في حجمها ورفع عدد صفحاتها.
ثانيا: الحديث الموضوع هو الحديث الذي يكون في سنده راو معروف بتعمد الكذب في حديث رسول الله ﷺ وهو أسوأ أنواع المردود من الحديث وهو الذي قال فيه المحدثون لا تجوز روايته إلا مع بيان حاله لقوله ﷺ: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" رواه مسلم، والأحاديث الواردة في المهدي كما قال العلماء فيها الصحيح والحسن والضعيف والموضوع فكيف يجرأ أحد على أدعاء أن كل ما ورد في المهدي موضوع! إذ أن معنى هذا الكلام أن كل حديث فيه ذكر المهدي في سنده راو على الأقل معروف بتعمد الكذب في الحديث الشريف ومعلوم أن كل الأحاديث الصحاح والحسان الواردة في المهدي ليس فيها شخص من هذا القبيل بل إن الأحاديث الضعيفة غير الموضوعة مما ورد في المهدي ليس فيها من هو كذاب وقد جمع الحافظ بن حجر الأحاديث التي اعتبرها ابن الجوزي موضوعة في مسند الإمام أحمد وهي قليلة جدا عدتها أربعة وعشرون منها تسعة استخرجها شيخه الحافظ العراقي وذلك في كتاب أسماه القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد أوضح فيها أنه لا يتأتى الحكم على شيء منها بالوضع ومنها حديث ثوبان عند الإمام أحمد: "إذا أقبلت الرايات السود من خراسان فأتوها فإن فيها خليفة الله المهدي" قال فيه في الرد على ابن الجوزي: "وفي طريق ثوبان علي بن زيد ابن جدعان فيه ضعف ولم يقل أحد أنه كان يتعمد الكذب حتى يحكم على حديثه بالوضع إذا انفرد وكيف وقد توبع من طريق آخر رجالها غير رجال الأول" فذكرها.
ثالثا: ما اشتملت عليه هذه العبارات من الإشارة إلى رد الأحاديث والتكذيب بها لكونها متعارضة مختلفة جوابه أن ما كان فيها موضوعا أو ضعيفا لا يلتفت إليه ولا يعارض به غيره وما كان منها ثابتا فإنه مؤتلف غير مختلف وسبق إيضاح هذا في رقم ٧.
رابعا: ما أشار إليه في هذه العبارات من أن العلماء المحققين من المتأخرين وبعض المتقدمين حكموا على أحاديث المهدي بأنها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله ﷺ وأن أكثر العلماء المتأخرين من خاصة أهل الأمصار رجحوا بأنها كلها مكذوبة على رسول الله ﷺ وأنه كاد أن ينعقد الإجماع من العلماء المتأخرين من أهل الأمصار في تضعيف أحاديث المهدي وكونها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله ﷺ.
أقول ما أشار إليه في هذه العبارات عن العلماء من متقدمين ومتأخرين من أن الأحاديث في المهدي كلها موضوعة ينقصه التثبت ويفتقر إلى الإثبات ولا سبيل إلى ذلك فأنا شخصيا لا أعلم في المتقدمين من العلماء واحدا قال
[ ٤٥ / ٣١٩ ]
بأنها كلها موضوعة وإنما اعرف شخصين أثنين أحدهما أبو محمد بن الوليد البغدادي ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة أنه في طائفة أنكروا أحاديث المهدي معتمدين على حديث لا مهدي إلا عيسى ابن مريم قال ابن تيمية وليس مما يعتمد عليه ولم ينقل عنه ولا عن غيره أنهم اعتبروا أحاديث المهدي موضوعة بل اعتمدوا على حديث ضعيف لا يعتمد عليه والثاني ابن خلدون ولم يقل إن كل الأحاديث في المهدي موضوعة وإنما حكم على أكثرها بالضعف وهو ليس أهلا للحكم لكونه ليس من أهل الاختصاص وأعترف بسلامة بعضها من النقد وقد مر الكلام عن تضعيف ابن خلدون وأنه ليس مما يعتمد عليه في مثل ذلك في رقم ١٠، ولم يسم الشيخ ابن محمود في رسالته أحدا من العلماء المتقدمين انتقد أحاديث المهدي وضعفها سوى ثلاثة هم ابن خلدون وقبله ابن القيم والشاطبي ولم يكن مصيبا في العزو إليهما إذ لم يقولا بتضعيفها وسبق إيضاح ذلك في رقم ١١، ١٢.
أما القول بأنها موضوعة فهو ما لا أعلم واحدا في الماضين قاله ولو علم الشيخ ابن محمود أحدا منهم سماه في رسالته أما المتأخرون من العلماء الذي كاد أن ينعقد إجماعهم على أن أحاديث المهدي كلها موضوعة كما قال الشيخ ابن محمود فأنا أيضا لا اعرف أحدا له معرفة بالحديث النبوي قال إنها كلها ضعيفة فضلا عن القول بأنها موضوعة وكل الذين سماهم الشيخ ابن محمود في رسالته من المتأخرين خمسة هم الشيخ محمد بن مانع والشيخ أبو الأعلى المودودي والشيخ محمد رشيد رضا ومحمد فريد وجدي والبلاغي، أما الشيخ محمد بن مانع فهو ممن يقول بتصحيح بعض الأحاديث الواردة في المهدي وقد مر إيضاح ذلك في رقم ١٣ وأما الشيخ المودودي فلم يقل بأنها موضوعة بل لم يقل إنها كلها ضعيفة وإنما قال: "بأن سند هذه الأحاديث ليس في القوة حيث يثبت أمام مقياس البخاري ومسلم لنقد الروايات" وقد مر ذلك في رقم ١٤، وأما الشيخ محمد رشيد رضا فقد مر في رقم ١٥ أنه أنكر ما هو أوضع من خروج المهدي وهو نزول عيسى بن مريم ﵊ وأما محمد فريد وجدي فقد زعم أن أحاديث الدجال كلها موضوعة ملفقة وأكثرها في الصحيحين كما هو معلوم وقد مر إيضاح ذلك في رقم ١٦ أما البلاغي فله ترجمة في معجم المؤلفين المؤلفين ٣/ ١٦٤لكحالة ذكر فيها أن من آثاره نصائح الهدى في الرد على البهائية ولم أقف على كتابه لأتمكن من إبداء شيء بشأنه ويبدو من ترجمته أنه من الشيعة (فأي إجماع هذا الذي كاد أن ينعقد على خلاف ما عليه سلف الأمة وأوعية السنة) وإني لأسأل الله ﷿ أن يوفق الأحياء ممن عناهم الشيخ ابن محمود بالمتأخرين من علماء الأمصار أسأله تعالى أن يوفقهم لأن يسيروا على الجادة التي سلكها سلفنا الصالح في تعظيم السنة النبوية وأن يعقلوا عقولهم بعقالهم الكتاب والسنة.
١٩- نقل الشيخ ابن محمود في ص ٢٠ كلاما لمحمد فريد وجدي من كتابه دائرة معارف القرن العشرين بدأه بقوله ويقول محمد فريد وجدي وقال في نهايته انتهى ومنه ما يلي: "وقد ضعف كثير من أئمة المسلمين أحاديث المهدي واعتبروها مما لا يجوز النظر فيه منهم الدارقطني والذهبي وقد أوردناها مجتمعة لتكون بمرأى من كل باحث في هذا الأمر حتى لا يجرأ بعض الغلاة على التضليل بها على الناس" هكذا عزاه الشيخ ابن محمود إلى محمد فريد وجدي ونص كلام محمد فريد وجدي في كتابه دائرة معارف القرن العشرين ج ١٠ ص ٤٨١ ما يلي: "وقد ضعف كثير من أئمة المسلمين أحاديث المهدي واعتبروها ممن لا يجوز النظر فيه وإننا إذ أوردناها مجتمعة لتكون بمرأى من كل باحث في هذا الأمر حتى لا يجرأ بعض الغلاة على التضليل بها على الناس" انتهى.
وفي كلام ابن محمود هذا خطآن. أحدهما إضافة جملة (منهم الدارقطني والذهبي) إلى كلام محمد فريد وجدي وهو تقويل له ما لم يقله والخطأ الثاني إضافة القول بتضعيف أحاديث المهدي وعدم جواز النظر فيه إلى الحافظين الدارقطني والذهبي وهذا القول بعيد غاية البعد عن مثل هذين الإمامين. أما الذهبي فقد صحح أحاديث كثيرة من أحاديث المهدي في تلخيص المستدرك وأما الدارقطني فلم أقف له على كلام في أحاديث المهدي والقول بأن الحافظين الذهبي والدارقطني يضعفان أحاديث المهدي ويعتبرانها مما لا يجوز النظر فيه غير صحيح وغير مطابق للواقع ولا يستطيع الشيخ ابن محمود إثباته إضافته إليهما مثل إضافة الجملة إلى محمد فريد وجدي.
[ ٤٥ / ٣٢٠ ]
٢٠- وقال الشيخ أبو محمود ص ٢٩:
"وإننا بمقتضى الاستقراء والتتبع لم نجد عن النبي ﷺ حديثا صحيحا صريحا يعتمد عليه في تسمية المهدي وأن الرسول ﷺ تكلم فيه باسمه".
والجواب أنه ورد فيه أحاديث كثيرة صحيحة قال بصحتها وثبوتها أهل الصناعة الحديثية قديما مثل الترمذي وأبي الحسين الآجري وابن جعفر العقيلي وابن حبان البستي وأبي سليمان الخطابي والإمام البيهقي والقاضي عياض والقرطبي صاحب التفسير المشهور والحافظ الذهبي وشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم والحافظ عماد الدين بن كثير وغيرهم وحديثا بعد القرن العاشر مثل الشيخ علي القارئ والشيخ عبد الرؤوف المناوي والشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني والشيخ صديق حسن خان وغيرهم وممن استقرأها وتتبعها وهو من المحدثين القاضي محمد بن علي الشوكاني مؤلف كتاب نيل الأوطار قال في كتابه التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي والدجال والمسيح: "والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديث فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر وهي متواترة بلا شك ولا شبهة بل يصدق وصف المتواتر عليها هو أقل منها في جميع الاصطلاحات المقررة في الأصول وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة جدا لها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك" انتهى.
ومن أوضح الأحاديث في ذلك الحديث الذي أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي تعال صل بنا فيقول لا إن بعضهم أمير بعض تكرمة الله لهذه الأمة" قال ابن القيم بعد أن أورده في كتابه المنار المنيف: "وإسناده جيد وهو مبين لحديث جابر عن مسلم: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول أميرهم تعال صل لنا فيقول لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمه الله لهذه الأمة".
٢١- قال الشيخ ابن محمود في ص ٨٣. سألني غير واحد عن حديث " إن الله يبعث على رأس كل مائة عام سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها" فيسألون هل هذا حديث؟ وهل هو صحيح أو غير صحيح؟ فأجبتهم بأن هذا الحديث رواه أبو داود وصححه الحافظ العراقي والعلامة السخاوي" وفي ص ٨٤ ذكر حديثا ثم قال: "ومثله ما رواه الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خيرا أم أخره" قال الحافظ أبي بن حجر في فتح الباري: "هذا الحديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة" قال: "وصححه ابن حبان من حديث عمار" انتهى.
أقول: إن المسلك الذي سلكه الشيخ ابن محمود في بيان حكم هذين الحديثين هو المسك الأرشد والمنهج الأحمد إذ عول على حكم من هو أهل للحكم على الأحاديث وتبع أهل الاختصاص في اختصاصهم وكان ينبغي له أن يسير في هذا الاتجاه في معرفة درجه الأحاديث الواردة في المهدي وإذا اقتصرنا على معرفة حكم هؤلاء الحفاظ الأربعة على الأحاديث الواردة في المهدي نجد أن السخاوي اعتبر أحاديث المهدي من قبيل الأحاديث المتواترة إذ ذكر ذلك في جملة الأمثلة والأحاديث المتواترة وذلكَ في كتابه (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث) للحافظ العراقي ونجد أنه أيضا ألف في أحاديث المهدي كتابا سماه (ارتقاء الغرف) ذكره في كتابه المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة وقال العجلوني في كشف الخفاء: "ورد ذكره - أي المهدي - في أحاديث أفردها بعض الحفاظ بالتأليف منهم الحافظ السخاوي في كتاب ارتقاء الغرف" الخ.
أما الحافظ العراقي فلم أقف له على كلام بشأن أحاديث المهدي لكن ابنه وتلميذه الحافظ ولي الدين آبازرعه العراقي قد جمع طرق أحاديث المهدي ذكره في مؤلفاته ابن فهد في ذيله على تذكرة الحفاظ للذهبي وأما الحافظ ابن حجر العسقلاني فقد نقل كلام أبي الحسن الأبري في تواتر أحاديث المهدي وسكت عليه وذلك في فتح الباري وفي تهذيب التهذيب كما ذكر جملة من أقوال أهل العلم في ثبوت خروج المهدي في آخر الزمان وذلك في كتابه
[ ٤٥ / ٣٢١ ]
فتح الباري وأما أقدم هؤلاء الحفاظ وهو ابن حبان البستي فقد أورد في صحيحه مجموعة من أحاديث المهدي وقد أورد الهيثمي في (موارد الظمآن) جملة منها وقال الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري في شرح حديث: "لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه" قال: "واستدل ابن حبان في صحيحه بأن حديث أنس ليس على عمومه بالأحاديث الواردة في المهدي وأنه يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلما" انتهى. وهؤلاء الأربعة وهم الإمام ابن حبان البستي والحافظ ابن العراقي والحافظ ابن حجر العسقلاني والحافظ السخاوي يعتبرون قطرة من بحر في عدد الأئمة الحفاظ الذين قالوا بثبوت خروج المهدي في آخر الزمان استنادا إلى الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك.
(٢٢) - وقال الشيخ ابن محمود في ص ٥١:
"وهنا حديث كثيرا ما يحتج به المتعصبون للمهدي وهو أن المهدي مع المؤمنين يتحصنون به من الدجال وأن عيسى ﵇ ينزل من منارة مسجد الشام فيأتي فيقتل الدجال ويدخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فيقول المهدي: تقدم يا روح الله فيقول: إنما هذه الصلاة أقيمت لك فيتقدم المهدي ويقتدي به عيسى ﵇ إشعارا بأنه من جملة الأمة ثم يصلي عيسى ﵇ في سائر الأيام قال علي بن محمد القارئ في كتابه الموضوعات الكبير: " بأنه حديث موضوع" انتهى.
أقول: لم يقل الشيخ علي القارئ عن هذا الحديث أنه موضوع كما قال الشيخ ابن محمود بل الذي قاله فيه أنه ثابت فقد نقل في كتابه الموضوعات الكبير ص ١٦٤ كلام ابن القيم في فضائل المسجد الأقصى وأخرها قول ابن القيم: "وصح عنه ﷺ أن المؤمنين يتحصنون به من يأجوج ومأجوج" ثم قال ابن القيم: "فهذا مجموع ما يصح فيه من الأحاديث" وعقب ذلك مباشرة قال الشيخ علي القاري: "قلت وكذا ثبت أن المهدي مع المؤمنين يتحصنون به من الدجال وأن عيسى ﵇ ينزل من منارة مسجد الشام فيأتي فيقتل الدجال ويدخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فيقول المهدي: تقدم يا روح الله فيقول إنما هذه الصلاة أقيمت لك فيتقدم المهدي ويقتدي به عيسى ﵇ إشعارا بأنه من جملة الأمة ثم يصلى عيسى ﵇ في سائر الأيام.." انتهى كلام الشيخ علي القاري وهو واضح في إثبات ذلك ولم يقل إنه موضوع كما عزاه إليه الشيخ ابن محمود ونزول عيسى ﵊ عند المنارة البيضاء شرقي دمشق وقتله الدجال بباب لد وصلاته خلف إمام المسلمين في ذلك الزمان ثابت في صحيح مسلم وغيره وكون ذلك الإمام الذي يصلى عيسى بن مريم خلفه يقال له المهدي ثابت في مسند الحارث بن أبي أسامة.
(٢٣) عقد الشيخ ابن محمود في رسالته فصلا بعنوان التحقيق المعتبر عن أحاديث المهدي المنتظر يقع في سبع ورقات يشتمل على أحد عشر حديثا قال قبل كلامه عليها.. وسنتكلم على الأحاديث التي يزعمونها صحيحة والتي رواها أبو داود والإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وكلها متعارضة ومختلفة ليست بصحيحة ولا متواترة لا بمقتضى اللفظ ولا المعنى، وقد أعجب الشيخ عبد الله بن محمود بكلامه في هذا الفصل فقد قال في ص ٨: "وقد عقدت في الرسالة فصلا عنوانه (التحقيق المعتبر عن أحاديث المهدي المنتظر) شرحت فيه سائر الأحاديث التي رواها أبو داود والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد والحاكم بما لا مزيد عليه فليراجع".
وقال في ص ٢٧: "إنهم لو رجعوا- يعني الذين يقولون بصحة الأحاديث الواردة في المهدي- إلى التحقيق المعتبر لأحاديث المهدي المنتظر من كتابنا هذا وفكروا في الأحاديث التي يزعمونها صحيحة ومتواترة وقابلوا بعضها ببعض لظهر لهم بطريق اليقين أنها ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة لا باللفظ ولا بالمعنى".
وتعليقي على هذا الفصل ما يلي:
[ ٤٥ / ٣٢٢ ]
أولا: إن من سهل عليه أن يحكم على كل ما ورد في المهدي سواء كان في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه ومسند الإمام أحمد أو في غيرها من دواوين السنة النبوية من سهل عليه أن يحكم على كل ذلك بأنه موضوع مصنوع مزور مختلق مكذوب حديث خرافة بمثابة ألف ليلة وليلة كما أثبت بعض عباراته في ذلك في رقم ١٨ فإنه يصعب عليه أن يأتي بتحقيق معتبر لأن التحقيق المعتبر يحتاج إلى التأني والتثبت والإطلاع على المصادر المختلفة ومعرفة ما قاله أهل العلم المعتد بهم وأن لا يخرج ذلك التحقيق إلا بعد مدة طويلة ومن أراد أن يقف على التحقيق المعتبر بشأن المهدي المنتظر فيمكنه ذلك بالإطلاع على الرسالة التي أعدها الشيخ عبد العليم عبد العظيم الهندي ونال بها درجة الماجستير من قسم الدراسات العليا بجامعة الملك عبد العزيز بمكة والتي زادت صفحاتها على ستمائة صفحة وهي بعنوان: (الأحاديث الواردة في المهدي في ميزان الجرح والتعديل) والتي مكث في إعدادها مدة تزيد على أربع سنوات جمع فيها ما ورد في الموضوع من الأحاديث والآثار ودرس أسانيدها وبين ما قاله المحدثون عن أحوال رجالها وما قاله أهل العلم في صحتها أو ضعفها ونقل فيها الكثير من أقوال العلماء في تواترها وفي ثبوتها والاحتجاج بها وتكلم فيها في موضوع المهدي من مختلف الجوانب مما جعلها بحق أفضل وأوسع مرجع يرجع إليه في هذه المسألة.
ثانيا: قوله: "وقد عقدت في الرسالة فصلا عنوانه: (التحقيق المعتبر عن أحاديث المهدي المنتظر) شرحت فيه سائر الأحاديث التي رواها أبو داود والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد والحاكم بما لا مزيد علي فليراجع" يفهم من قوله هذا أنه تكلم على كل الأحاديث التي لها تعلق بالمهدي مما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد والحاكم وليس الأمر كذلك أما الحاكم فلم يرد له ذكر إطلاقا في ورقات الفصل السبع، وأما الترمذي فقد روى في جامعه في باب ما جاء في المهدي ثلاثة أحاديث الأول والثاني عن ابن مسعود وأبي هريرة: "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم" الحديث وقد أورد الشيخ ابن محمود الحديث عند أبي داود فقال: روى أبو داود في سننه عن طريق أبي نعيم عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله رجلا منا يملأها عدلا كما ملئت جورا" ورواه الإمام أحمد عن طريق أبي نعيم ورواه الترمذي أيضا.. انتهى.
والملاحظ في هذا شيئان أحدهما عزوه الحديث إلى الترمذي مع أن الترمذي لم يسنده إلا عن ابن مسعود وأبي هريرة. والثاني أن لفظ حديث علي عند أبي داود "لبعث الله رجلا من أهل بيتي" وليس لفظه "رجلا منا" كما نقل الشيخ ابن محمود وهذا اللفظ "رجلا منا" لفظ الحديث في مسند الإمام أحمد وأما الحديث الثالث عند الترمذي فهو حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعا: "إن في أمتي المهدي" الحديث لم يرد له ذكر في فصل التحقيق المعتبر في رسالة الشيخ ابن محمود، وأما ابن ماجه فقد روى في سننه سبعة أحاديث في باب خروج المهدي ولم يذكر الشيخ ابن محمود في فصله إلا ثلاثة من هذه الأحاديث السبعة وهي حديث أبي سعيد الخدري "يكون في أمتي المهدي" الحديث وحديث ثوبان "يقتتل عند كنزكم" الحديث وحديث أنس "نحن ولد عبد المطلب" الحديث وأما الإمام أحمد فقد عزا إليه الشيخ ابن محمود في الفصل الذي عقده ثلاثة أحاديث مع أن مسند الإمام أحمد فيه أحاديث كثيرة في المهدي غير هذه الثلاثة.
ثالثا: أن كلامه على الأحاديث التي أوردها لبيان ضعفها وبطلانها كما يريد لا يتسم بسمة التحقيق الذي يصلح أن يكون معتبرا وسأكتفي بإيضاح هذا بأمثلة من كلامه على بعض هذه الأحاديث.
المثال الأول: قال الشيخ ابن محمود في ص ٤٨:
"روى الإمام أحمد حدثنا أبو نعيم حدثنا ياسين العجلي عن إبراهيم بن محمد ابن الحنفية عن أبيه عن علي قال: "المهدى منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة"، وقد رأيت من ينتقد هذا الحديث قائلا: والعجيب أن يكون المهدي بعيدا عن التوفيق والفهم والرشد ثم يهبط عليه الصلاح في ليلة ليكون في صبيحتها داعية هداية ومنقذ أمة ورواه ابن ماجه عن عثمان ابن أبي شيبة وقال: "ياسين العجلي ضعيف" فهذا من جملة الأحاديث التي فيه التصريح باسم المهدي لكنها ليست بصحيحة كما أشار ابن ماجه إلى تضعيفه ومن الأمر العجيب في هذا الحديث
[ ٤٥ / ٣٢٣ ]
كون المهدي بعيدا عن الهداية والتوفيق والرشد، ثم يهبط عليه في ليلة فيكون في صبيحتها هاديا مهديا ومنقذ أمة من جورها وفجورها".
أقول: بنى الشيخ ابن محمود إنكاره لهذا الحديث على أمرين:
أحدهما: أن ابن ماجه قال: "ياسين العجلي ضعيف".
والثاني: استنكار معناه وهو كون المهدي يصلحه الله في ليلة.
ويجاب عن ذلك: بأن ابن ماجه لم يضعف ياسين العجلي في كتابه السنن عندما أورد هذا الحديث عنه وليس من عادته في سننه أن يشير إلى أحوال الرجال، وإنما طبعة سنن ابن ماجه المشتملة على ترقيم الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي اشتملت أحيانا على إيراد كلام البوصيري في زوائد ابن ماجه عقب إيراد الحديث وهو من عمل الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي، ثم إن الذين ترجموا لياسين العجلي مثل الحافظ بن حجر في تهذيب التهذيب والحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال لم يذكروا في ترجمته أن ابن ماجه ضعفه ولعل الشيخ ابن محمود لم يسبق إلى نسبة تضعيف ياسين العجلي إلى ابن ماجه، وحاصل ما قاله أهل العلم في تعديل ياسين العجلي أن عباس الدوري قال سمعت يحي بن معين قال: "ليس به بأس" وقال إسحاق بن منصور عن يحي بن معين: "صالح" وقال أبو زرعة: "لا بأس به" ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ولم يزد ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل في بيان حاله على قول ابن معين وأبي زرعة أنه لا بأس به. وقال عنه الحافظ في التقريب: "لا بأس به"، أما ما قيل فيه من الجرح، فقد قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب. وقال البخاري: "فيه نظر" ولا أعلم له حديثا غير هذا يعني هذا الحديث انتهى، ولم يترجم البخاري لياسين في كتابه الضعفاء الصغير وترجم له في التاريخ الكبير ترجمة لم يزد فيها على قوله: "ياسين العجلي عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية، روى عنه أبو نعيم والعكلي يعد من الكوفيين" وقد أورد البخاري الحديث في ترجمة إبراهيم بن محمد بن الحنفية بإسناد الإمام أحمد وقال: "وفي إسناده نظر" وقال الذهبي في الكاشف: ياسين العجلي عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية وعنه وكيع وأبو نعيم: ضعيف وحاصل ما قيل في جرحه أن البخاري قال فيه: "فيه نظر" كما نقله الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب غير أن البخاري لم يورده في كتابه الضعفاء الصغير ولم يذكر هذا القدح في ترجمته في التاريخ الكبير وإنما قال في إسناده نظر يعني الحديث فيحتمل أن يكون ذلك النظر الذي في إسناد الحديث لكون ياسين العجلي ليس له إلا هذا الحديث وهو غير مؤثر ويحتمل غير ذلك مما لا يؤثر ويوضح عدم تأثير هذه الكلمة في قبول حديث ياسين العجلي أن الحافظ ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب أشار إلى ثبوت حديثه هذا فقال: "ووقع في سند ابن ماجه غير منسوب فظنه بعض الحفاظ المتأخرين ياسين بن معاذ الزيات فضعف الحديث به فلم يصنع شيئا" - انتهى.
وأما قول الذهبي في الكاشف: "ضعف" فهو إشارة إلى ما نقل عن البخاري بشأن ياسين وذلك غير مؤثر وقد رمز السيوطي في الجامع الصغير لحسن هذا الحديث واحد من أحاديث كثيرة دالة على ثبوت خروج المهدي في آخر الزمان. وأما القدح في هذا الحديث من جهة استنكار معناه فإن الشيخ ابن محمود تبع في ذلك محمد أبا عبية فإنه هو الذي قال هذا الكلام في تعليقه علن النهاية لابن كثير وقلده فيه ابن محمود ولا شك أن العقل السليم يتفق مع النقل الصحيح، وأي غرابة في معناه حتى يتعجبا منه تعجب المنكر لمقتضاه فالله على كل شيء قدير وهو فعال لما يريد ومن يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ومن أوضح الأمثلة في ذلك ما حصل لمن هو أفضل من المهدي ومن سائر الأمة سوى أبي بكر ﵁ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فقد كان من أشد الناس على المسلمين ثم تحول بقدرة الله وتوفيقه فصارت شدته على أعداء الإسلام والمسلمين وأصبح ذلك الرجل العظيم الذي إذا سلك فجا سلك الشيطان فجا غيره كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ.
وبعد هذا أقول: أي تحقيق معتبر قام به الشيخ ابن محمود في الكلام على الحديث؟ أهو إضافة كلام إلى ابن ماجه لم يسبق في إضافته إليه؟ أو هو التقليد للكاتب أبي عبية في إنكار معناه؟
[ ٤٥ / ٣٢٤ ]
المثال الثاني: قال الشيخ ابن محمود في ص ٤٩:
"روى أبو داود عن هارون بن المغيرة حدثنا ابن أبي قيس عن شعيب بن خالد عن أبي إسحاق قال: "نظر علي إلى ابنه فقال: "إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله ﷺ وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق ثم ذكر قصة - يملأ الأرض عدلا" - وهذا يعد من كلام علي ﵁ وليس بحديث عن رسول الله ﷺ، فسقط الاحتجاج به، ومن المحتمل أن يكون مكذوبا على علي به". هذه هي الصيغة التي أوردها الشيخ ابن محمود في نقله الحديث من سنن أبي داود وهذا هو ما بنى عليه الشيخ ابن محمود تضعيف الحديث، أما الصيغة في سنن أبي داود فهي عن أبي إسحاق قال: "قال علي ﵁ ونظر إلى ابنه الحسن فقال: "إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله ﷺ الحديث"، وأما الحديث فهو بهذا الإسناد ضعيف وليس السبب في ضعفه ما قاله الشيخ ابن محمود من أنه يعد من كلام علي ﵁، وليس بحديث فسقط الاحتجاج به لأن القول الذي يقوله الصحابي ينقسم إلى قسمين..ما للرأي فيه مجال، وما ليس له فيه مجال، فالذي للرأي فيه مجال يكون من قول الصحابي ولا يعد حديثا..أما الذي لا مجال للرأي فيه مثل هذا الحديث، فإنه يعد حديثا وله حكم الرفع وهو الذي يطلق عليه المحدثون المرفوع حكما لا تصريحا..وقد أوضح ذلك الحافظ ابن حجر في كتابه شرح نخبة الفكر فقال: "ومثال المرفوع من القول حكما لا تصريحا أن يقول الصحابي الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات ما لا مجال للاجتهاد فيه ولا له تعلق ببيان لغة أو شرح غريب كالأخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وأخبار الأنبياء أو الآتية كالملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة، وكذا الأخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، وإنما كان له حكم المرفوع لأن إخباره بذلك يقتضي موقفًا للقائل به، ولا موقف للصحابة إلا النبي ﷺ، أو بعض من يخبر عن الكتب القديمة، فلهذا وقع الاحتراز عن القسم الثاني وإذا كان كذلك فله حكم ما لو قال: قال رسول الله ﷺ، فهو مرفوع سواء كان ممن سمعه منه أو عنه بواسطة"، انتهى كلام ابن حجر، وقال الشوكاني في كتابه التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي والدجال والمسيح: بعد أن ذكر الأحاديث المرفوعة إلى النبي ﷺ وأنها بلغت حد التواتر قال: "وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة جدا لها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك" انتهى.
وبهذا يتضح أن كلام الشيخ ابن محمود في تضعيف هذا الحديث ليس من التحقيق المعتبر والتحقيق المعتبر هو ما قاله المحدثون في إسناده وهو أن فيه انقطاعا في أعلاه وفي أسفله، أما الانقطاع الذي في أعلاه، فأبو إسحاق السبيعي قيل إنه لم يسمع من علي ﵁ وإنما رآه رؤية وذلك أنه ولد لسنتين بقيا من خلافة عثمان ﵁، والانقطاع الذي في أسفله هو أن أبا داود لم يسم شيخه فيه وإنما قال: "حدثت عن هارون ابن المغيرة" وقد قال المنذري في اختصار سنن أبي داود عقب هذا الحديث: "هذا منقطع أبو إسحاق السبيعي رأى عليا ﵁ رؤية"، وقال فيه أبو داود: "حدثت عن هارون ابن المغيرة".
مثال الثالث: قال الشيخ ابن محمود في ص ٤٩:
"روى أبو داود في سننه من حديث سفيان الثوري بسنده عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من أمتي أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما" ورواه أحمد والترمذي وقال: "حسن صحيح.."
والجواب: أن علماء الحديث قد تحاشوا عن كثير من أحاديث أهل البيت كهذه الأحاديث وأمثالها، لكون الغلاة قد أكثروا من الأحاديث المكذوبة عليهم وفي صحيح البخاري عن أبي جحيفة قلت لعلي ﵁: "هل خصكم رسول الله بشيء؟ " فقال: "لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله رجلا وما في هذه الصحيفة" قلت: "وما في هذه الصحيفة" قال: "العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر" وفي رواية: "والمؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم" ولم يذكر شيئا من هذه الأحاديث التي هي من عالم الغيب ولهذا تحاشى البخاري ومسلم عن إدخال شيء من أحاديث المهدي في صحيحيهما لكون الغالب عليها الضعف والوضع،
[ ٤٥ / ٣٢٥ ]
وأصح ما ورد في ذلك هو قول النبي ﷺ: "إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" وقد وقع ما أخبر به حيث تنازل الحسن عن المطالبة بالملك لمعاوية ابن أبي سفيان فاطفأ الله به نار الحرب بين الصحابة وسموا ذلك العام بعام الجماعة" انتهى.
هذا هو التحقيق المعتبر الذي أتى به الشيخ ابن محمود لإبطال هذا الحديث وتعليقي على هذا التحقيق ما يلي:
أولا: لم يتطرق الشيخ ابن محمود هنا لإبداء علة محددة لتضعيف هذا الحديث وإنما لكون شأنه تضعيف الأحاديث بالجملة أتى بما يشمله ويشمل غيره فقال: والجواب أن علماء الحديث قد تحاشوا عن كثير من أحاديث أهل البيت كهذه الأحاديث وأمثالها لكون الغلاة قد أكثروا من الأحاديث المكذوبة عليهم، ومن جهة أخرى فالحديث قد خرجه فيمن خرجه أبو داود والترمذي والإمام أحمد كما أشار إليه الشيخ ابن محمود هنا فكيف يتفق ذلك مع قوله إن علماء الحديث قد تحاشوا الخ. وهؤلاء الأئمة الثلاثة من علماء الحديث.
ثانيا: ما أشار إليه من سؤال أبي جحيفة عليا ﵁ وإجابة علي أبا جحيفة بجواب ليس منه هذه الأحاديث التي هي من عالم الغيب جوابه أن عدم ذكر أحاديث المهدي التي هي إخبار عن شيء مستقبل في إجابة علي على سؤال أبي جحيفة لا يدل على بطلانها لأن العبرة في ثبوت أي حديث أن يصح إسناده، وهذا الحديث واحد من أحاديث كثيرة صحت عن رسول الله صلى عليه وسلم في خروج المهدي في آخر الزمان، هذا من جهة ومن جهة أخرى فعلي ﵁ أحد الصحابة الذين رووا هذا الحديث عن رسول الله ﷺ وحديثه هو المثال الرابع الآتي بعد هذا.
ثالثا: قوله: ولهذا تحاشى البخاري ومسلم عن إدخال شيء من أحاديث المهدي في صحيحيهما لكون الغالب عليها الضعف والوضع جوابه أن عدم إخراج الحديث في الصحيحين ليس دليلا على ضعفه وقد أوضحت ذلك في رقم (٥) وهذا أحد المواضع التي يكرر فيها الشيخ ابن محمود مثل هذا الكلام.
رابعا: المتبادر من سياق حديث أبي جحيفة في كلام الشيخ ابن محمود أن قوله: وفي رواية: " والمؤمنون تتكافأ دماؤهم" الحديث في صحيح البخاري وليس الأمر كذلك فهذه الرواية عند الإمام أحمد والنسائي وأبي داود.
خامسا: حديث ابن مسعود ﵁ هذا قال فيه الترمذي: "حديث حسن صحيح" وسكت عليه أبو داود والمنذري وكذا ابن القيم في تهذيب السنن وقد أشار إلى صحته ابن القيم في المنار المنيف وصححه ابن تيمية في كتابه منهاج السنة.
المثال الرابع: قال الشيخ ابن محمودة ص ٤٢: وروى أبو داود في سننه عن طريق أبي نعيم عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله رجلا منا يملأها عدلا كما ملئت جورا" ورواه الإمام أحمد عن طريق أبي نعيم ورواه الترمذي أيضا.
والجواب: "أن هذا الحديث هو من جملة الأحاديث التي يزعمونها صحيحة وهي ليست بصريحة في الدلالة على المعنى الذي ذكروه إذ ليس فيها ذكر للمهدي وعلى فرض صحته فإنه لا مانع من جعل هذا الرجل الذي يملأ الأرض عدلا من جملة المسلمين الذين مضوا وانقرضوا واستقام عليهم أمر الدنيا والدين وجماعة المسلمين فقوله منا.. يحتمل أن يكون من أهل ديننا وأمتنا على أن وجود رجل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا يحتمل أن يكون من المحال فقد خلق الله الدنيا وخلق فيها المسلم والكافر والبر والفاجر.. كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لكون الدنيا دار ابتلاء وامتحان.. والمصارعة لا تزال قائمة بين الحق والباطل، وبين المسلمين والكفار، وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: "ما أنتم في الأمم المكذبة
[ ٤٥ / ٣٢٦ ]
للرسل إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود.." وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: " يقول الله يا آدم ابعث بعث النار فيقول يا رب وما بعث النار فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة" وعلى كل حال فإنه ليس في الحديث التصريح باسم المهدي ولا زمانه ومكانه، ولا الإيمان به ولا يمتنع كونه من جملة الخلفاء السابقين الذي استقام بهم الدين وبسطوا العدل في مشارق الأرض ومغاربها بين المسلمين وبين من يعيش معهم من المخالفين لهم في الدين.. وهذا الحديث هو من جملة الأحاديث التي يزعمونها صحيحة وليست بصريحة" انتهى.
هذا هو التحقيق المعتبر الذي توصل إليه الشيخ ابن محمود لرد هذا الحديث.. وواضح أنه لم يتطرق إلى إبداء علة في الإسناد لرده وإنما درج في رده كما درج في رد غيره من الأحاديث على النهج الذي اتبعه بعض كتاب القرن الرابع عشر وهو الاعتماد على الشبه العقلية في رد النصوص الشرعية ويجاب على هذا التحقيق الذي جزم الشيخ ابن محمود بأنه معتبر بما أرجو أن يكون تحقيقا معتبرا وذلك فيما يلي:
أولا: قوله: "إن هذا الحديث هو من جملة الأحاديث التي يزعمونها صحيحة وهي ليست صريحة في الدلالة على المعنى الذي ذكروه إذ ليس فيها ذكر للمهدي"، جوابه أن المحدثين عندما يصححون الأحاديث أو يضعفونها يبنون أحكامهم على منهج علمي دقيق لم تحظ به أي أمة من الأمم السابقة ولا يظفر به أحد ليس من أهل الحديث إلا إذا سلك المسلك الذي سلكوه ومشى على النهج الذي رسموه وهو الاعتماد على الإسناد ومعرفة أحوال رجاله واتصاله أو انقطاعه وغير ذلك، وهذا الحديث بهذا الإسناد ثابت عن رسول الله ﷺ وإسناده على شرط البخاري وقد سكت عنه أبو داود والمنذري وقال فيه صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داود..
الحديث سنده حسن قوي، وقد روى هذا الحديث جماعة من الصحابة عن رسول الله ﷺ منهم ابن مسعود وأبو هريرة وأم سلمة وأبو سعيد الخدري. رضي الله عن الجميع.. وقد تقدم حديث ابن مسعود ﵁ في المثال الثالث وهذا الحديث بطرقه المتعددة عن الصحابة ﵃ يدل على أنه يلي أمر المسلمين في آخر الزمان رجل من أهل بيت النبوة يسمى محمد بن عبد الله وهو وإن لم يصرح فيه بوصف المهدي متفق مع النصوص الأخرى المصرحة بهذا الوصف وعلى ذلك درج أهل الحديث حيث أوردوا مثل هذا مما لم يصرح فيه بوصف المهدي وما صرح فيه بهذا الوصف في باب خروج المهدي كما فعل أبو داود والترمذي وغيرهما.
ثانيا: قوله: "وعلى فرض صحته فإنه لا مانع من جعل هذا الرجل من جملة المسلمين الذين مضوا وانقرضوا واستقام عليهم أمر الدنيا والدين وجماعة المسلمين"، فقوله مما يحتمل أن يكون من أهل ديننا وملتنا جوابه أن الحديث صحيح واقعا لا فرضا، ولا يصلح حمله على أحد مضى لأن علماء الحديث حملوه على المهدي الذي يخرج في آخر الزمان ويدل لكون المقصود ذلك الذي يكون في آخر الزمان الحديث نفسه وذلك في قوله: "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد " وفي حديث ابن مسعود "لطول الله ذلك اليوم.." وهو واضح في أن ذلك مراد به المهدي الذي يكون في آخر الزمان ولا يصلح حمله على أحد قبله، أما لفظ "رجل منا" التي تأولها الشيخ ابن محمود رجلا من أهل ديننا وملتنا فهو ليس لفظ أبي داود كما يوهم ذلك إيراد الشيخ ابن محمود الحديث عنه وإنما هو لفظ حديث علي في مسند الإمام أحمد، ولفظ الحديث عند أبي داود "رجلا من أهل بيتي" وهو موضح المراد من لفظ الحديث في مسند الإمام أحمد.
ثالثا: قوله: "على أن وجود رجل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا يحتمل أن يكون من المحال، فقد خلق الله الدنيا وخلق فيها المسلم والكافر، والبر والفاجر.. كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لكون الدنيا دار ابتلاء وامتحان، والمصارعة لا تزال بين الحق والباطل وبين المسلمين والكفار"، جوابه أن الله على كل شيء قدير ولا يستحيل على قدرة الله شيء.. هذا أولا وثانيا أنه لا يلزم من قوله: "يملأها عدلا" انقراض الشر، فالشر موجود في زمن المهدي.. والصراع بين الحق والباطل قائم في زمانه.. وأعظم فتنة في الحياة الدنيا هي فتنة الدجال وخروجه على الناس.. يكون في ذلك الزمان.. يوضح ذلك أن قوله: "كما ملئت جورا" لا يدل على انقراض
[ ٤٥ / ٣٢٧ ]
الخير وإنما سنة الله في خلقه أن يكون الصراع بين الحق والباطل في هذه الحياة الدنيا ففي بعض الأزمان يقوى جانب الخير على جانب الشر وأحيانا يقوى جانب الشر ولا تخلو الأرض من أهل الخير إلا في الذين تقوم عليهم الساعة وفي زمان المهدي يكون جانب الحق قويا والخير منتشرا كما هو الشأن في صدر الإسلام وسبق في رقم ٢١ أن ابن حبان كما نقله عنه الحافظ في فتح الباري استدل بأن حديث أنس ﵁ مرفوعا "لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه" ليس على عمومه بالأحاديث الواردة في المهدي وأنه يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا.
رابعا: قوله: "وعلى كل حال فإنه ليس في الحديث التصريح باسم المهدي ولا زمانه ولا مكانه ولا الإيمان" به جوابه أن هذا الحديث وغيره من الأحاديث في معناه هي في المهدي الذي يخرج في آخر الزمان كما عليه علماء الحديث كما مر بيانه في الفقرة الأولى من الكلام على هذا الحديث وأما زمانه فقد أوضحت الأحاديث أنه يكون في زمن عيسى ابن مريم ﵊ وزمن الدجال وأما مكانه فإنه يكون عند نزول عيسى ابن مريم ﵊ من السماء في أرض الشام في بيت المقدس كما ورد في بعض الأحاديث إذ يصلي خلف المهدي ثم يخرج لقتل الدجال. وأما الإيمان به فمذهب أهل السنة والجماعة التصديق بما صح من الأحاديث عن رسول الله ﷺ ومن ذلك خروج المهدي والدجال ونزول عيسى ﵇ من السماء وغير ذلك.
خامسا: قوله: "ولا يمنع كونه من جملة الخلفاء السابقين الذين استقام بهم الدين وبسطوا العدل في مشارق الأرض ومغاربها بين المسلمين وبين من يعيش معهم من المخالفين لهم في الدين" جوابه أن يقال وما المانع أن يكون المقصود به المهدي الذي يخرج في آخر الزمان الذي هو قول العلماء المحدثين أوعية السنة وجهابذة الأمة وهو الذي يقتضيه لفظ الحديث في قوله: "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد.." ثم إن الشيخ ابن محمود قال في أول الكلام على هذا الحديث: "على أن وجود رجل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا يحتمل أن يكون من المحال" ثم في آخر الكلام على الحديث قال: "ولا يمتنع كونه من جملة الخلفاء السابقين الذين استقام بهم الدين وبسطوا العدل في مشارق الأرض ومغاربها بين المسلمين وبين من يعيش معهم من المخالفين لهم في الدين"، فالشيء الذي كان في أول الكلام على الحديث يحتمل أن يكون من المحال، أصبح مثله في الكلام على آخر الحديث من الممكن، وهكذا شأن الكلام المفتقر إلى التحقيق ينقض أخره أوله.
هذه أمثلة من كلامه على أربعة أحاديث وهي مقياس ونموذج لكلامه على بقية الأحاديث التي أوردها في فصل التحقيق المعتبر البالغ عددها جميعا أحد عشر عقبت كلامه بما يوضح بأنه كلام يفتقر إلى التحقيق المعتبر وأدهى من ذلك وأمر اغتباطه بهذا التحقيق وقوله أنه تكلم على الأحاديث بما لا مزيد عليه والله المستعان وإن تعجب فعجب قوله: "إنهم- يعني الذين يقولون بصحة الأحاديث في خروج المهدي- لو رجعوا إلى التحقيق المعتبر لأحاديث المهدي المنتظر من كتابنا هذا وفكروا في الأحاديث التي يزعمونها صحيحة ومتواترة وقابلوا بعضها ببعض لظهر لهم بطريق اليقين أنها ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة لا بالفظ ولا بالمعنى" فإن مما لا شك فيه أن الشيخ ابن محمود يعتبر هذه الإحالة هنا إحالة على مليء وكذلك الإحالة في قوله في ص ٨: "وقد عقدت في الرسالة فصلا عنوانه التحقيق المعتبر عن أحاديث المهدي المنتظر شرحت فيه سائر الأحاديث التي رواها أبو داود والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد والحاكم بما لا مزيد عليه فليراجع" لكن الواقع أن أي طالب علم له إلمام قليل في معرفة الحديث الشريف يرجع إلى هذا الفصل يجد النتيجة بالعكس كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
فأنا أحد طلاب العلم الصغار قصير الباع قليل الإطلاع لما رجعت إلى ذلك الفصل أسفت كثيرا وأشفقت على فضيلة الشيخ ابن محمود -حفظه الله- إذ زج بنفسه في لجج لا يجيد السباحة فيها وتذكرت قول الشيخ أحمد شاكر في ابن خلدون إذ قال: " أما ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم واقتحم قحما لم يكن من رجالها وتهافت في الفصل الذي عقده في مقدمته للمهدي تهافتا عجيبا وغلط أغلاطا واضحة.." وإذا كان هذا رأي طالب العلم الصغير فما الشأن في العلماء الكبار في الحاضر والمستقبل عندما يقفون على هذه الرسالة والفصل الذي اشتملت عليه؟.
- للبحث بقية -
[ ٤٥ / ٣٢٨ ]
لفضيلة الشيخ عبد المحسن العباد عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية.
٢٤- قال الشيخ ابن محمود في ص٦٩: "ونحن في كلامنا عن السنة إنما نتكلم عن الأحاديث الصحيحة الصريحة التي قام جهابذة النقاد العلماء على تمحيصها وتصحيحها حتى جعلوها عمدة في العقائد والأحكام وأمور الحلال والحرام، وإلا فإنه من المعلوم أن الوضاعين الكذابين قد أدخلوا كثيرا من الأحاديث المكذوبة في عقائد المسلمين وأحكامهم حتى صار لها الأثر السيء في العقائد والأعمال لكن المحققين من علماء المسلمين قد قاموا بتحقيقها وبينوا بطلانها وأسقطوها عن درجة الاعتبار وحذروا الأمة منها من ذلك أحاديث المهدي المنتظر وأنه يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا ونحو ذلك مما يقولون".
والجواب أن نقول: أفلح إن صدق في قوله: "ونحن في كلامنا عن السنة إنما نتكلم عن الأحاديث الصحيحة التي قام جهابذة النقاد العلماء على تمحيصها وتصحيحها حتى جعلوها عمدة في العقائد والأحكام وأمور الحلال والحرام" فإن الجهابذة النقاد من العلماء مثل العقيلي والبيهقي والخطابي والقرطبى والذهبي وابن تيمية وابن القيم وابن كثير والسخاوي وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين قالوا بصحة كثير من الأحاديث الواردة في المهدي ومنهم من قال بأنها متواترة وهم أهل الخبرة في الحديث والاختصاص فيه وإليهم المرجع في معرفة صحيحه وضعيفه، أما ما ذكره الشيخ ابن محمود من أن الوضاعين الكذابين قاموا بوضع الأحاديث وأن المحققين من العلماء قاموا بتحقيقها وبينوا بطلانها وأسقطوها عن درجة الاعتبار وحذروا الأمة منها فهو كلام حق لكن تمثيله لهذه الأحاديث الموضوعة بأحاديث المهدي منكر من القول لأن الجهابذة النقاد الذين يعتمد على حكمهم لم يقل أحد منهم أنها ضعيفة كلها فضلا عن القول بأنها موضوعة والذي اشتهر عنه في القرون الماضية محاولة تضعيف أحاديث المهدي وهو ليس من أهل الاختصاص ابن خلدون ومع ذلك اعترف بسلامة بعضها من النقد كما سبق إيضاح ذلك.
[ ٤٦ / ٣٦١ ]
وبناء على هذا فما زعمه ابن محمود من أن أحاديث المهدي من قبيل الأحاديث الموضوعة التي قام المحققون من العلماء بتحقيقها وبينوا بطلانها وأسقطوها عن درجة الاعتبار وحذروا الأمة منها هو زعم باطل وكلام ساقط عن درجة الاعتبار ولا يستطيع أن يسمي واحدا من العلماء المحققين المعتد بهم قال بأن أحاديث المهدي موضوعة مبينا المصدر الذي استند إليه في ذلك أما مجرد الزعم الخاطئ العاري عن الصحة الخالي من الصدق فقد نسب إلى الإمامين الجليلين الدارقطني والذهبي أنهما يعتبران أحاديث المهدي مما لا يجوز النظر فيه وهما بريئان من هذه الفرية براءة الشمس من اللمس وبراءة الذئب من دم يوسف ﵊ وسبق أن أوضحت هذا في رقم (١٩) .
٢٥- وقال في ص٧٠: "ولست أنا أول من قال ببطلان دعوى المهدي وكونه لا حقيقة لها فقد سبقني من قال بذلك من العلماء المحققين" ومثل بالشيخ محمد بن عبد العزيز المانع والشيخ محمد رشيد رضا.
وقال في ص ٦: "إننا لسنا بأول من كذب بهذه الأحاديث - يعني الأحاديث الواردة في المهدي - فقد أنكرها بعض العلماء قبلنا فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في المنهاج بعد ذكره لأحاديث المهدي، أن هذه الأحاديث في المهدي قد غلط فيها طوائف من العلماء فطائفة أنكروها، مما يدل على أنها موضع خلاف من قديم بين العلماء كما هو الواقع من اختلاف العلماء في هذا الزمان".
يجاب على ذلك بما يلي:
أولا: أن شيخ الإسلام ابن تيمية قال في منهاج السنة: "وهذه الأحاديث غلط فيها طوائف، طائفة أنكروها واحتجوا بحديث ابن ماجه أن النبي ﷺ قال: "لا مهدي إلا عيسى بن مريم" وهذا الحديث ضعيف وقد اعتمد أبو محمد الوليد البغدادي وغيره عليه وليس مما يعتمد عليه"، هذا ما قاله شيخ الإسلام عن هذه الطائفة التي أنكرت هذه الأحاديث فإنها قد عولت على حديث ضعيف لا يعول عليه ولم يسم شيخ الإسلام سوى أبي محمد بن الوليد البغدادي وقد بحثت عن هذا الرجل فلم أقف له على ترجمة، أما الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع فلم يضعف الأحاديث الواردة في المهدي بل قال بتصحيح بعض هذه الأحاديث وقد بين ذلك في رسالة سماها: «تحديق النظر بأخبار الإمام المنتظر» وقد نقلت جملا من كلامه في ذلك في رقم (١٣) وأما الشيخ محمد رشيد رضا فقد أوضحت في رقم (١٥) أنه سقط وتردى في إنكار رفع عيسى ﵊ حيا ونزوله من السماء وأنه ليس بمستغرب عليه أن يسقط ويتردى في إنكار خروج المهدي في آخر الزمان ومن كانت هذه حاله يحصل من قلده في سقوطه وترديه الإضرار بنفسه.
ثانيا: أنه قد عرف من قديم الزمان عن الشيخ ابن محمود أنه عندما يشذ في مسألة يشعر بالوحشة فيسلي نفسه بمثل هذه العبارات فيقول لست أنا أول من قال بكذا بل سبقني إليه فلان وفلان فقد ألف رسالة قبل ربع قرن من الزمان تخبط فيها في بعض مسائل الحج وقد رد عليه سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل إبراهيم مفتي الديار السعودية في زمانه رحمه الله تعالى في رسالة سماها: «تحذير الناسك مما أحدثه ابن محمود في المناسك» طبعت في عام ١٣٧٦هـ قال ﵀ في ص٥٠: "وقد أحس هذا الرجل -
[ ٤٦ / ٣٦٢ ]
يعني الشيخ ابن محمود - أنه وقع في أسوء ورطة فقال: "وبالتأمل لما قلناه يعلم أن كلامنا ليس بأول مطر أصاب أرض الفلاة ولا هو أول آذان أقيمت له الصلاة" فوجد وحشة الوحدة وظلمة فقد الحجة فسلى نفسه بذكر من تصور أن قولهم بمثل مقاله ينفي الوحدة، ولعمري ما له في هذا الطريق من رفيق وهؤلاء الذين اعتمدهم في مسلكه لم يشاركوه في سوء صنيعه ومهلكه فهم إن صح النقل عنهم إنما هو القول بالجواز لا الرد على العلماء ولا السعي في أن يجمعوا على خلاف السنة والخروج عن طريق أهل الجنة جميع الورى ولم يرموا واحدا من الأمة بالجمود والتقيد بدين الآباء والجدود فضلا عن أن يرموا بذلك كافة العلماء وحينئذ تكون مقالته أول مطر سوء أصاب أرض الفلاة وأول بوق أذان برفض السنة أصغى إليه الجفاة فوالله ما دعا قبله إلى هذه المقالة من إنسان ولا جلب بخيله وبرجله في زلزلة مناسك الحج ذو إيمان"، هذا ما قاله سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل شيخ ﵀ في الشيخ ابن محمود وفقه الله قبل خمسة وعشرين عاما..
وإذا تأمل القارئ قوله ﵀: "وحينئذ تكون مقالته أول مطر سوء أصاب أرض الفلاة وأول بوق أذان برفض السنة أصغى إليه الجفاة" يتبين له بوضوح صدق فراسة هذا الرجل العظيم عليه من الله الرحمة والمغفرة فإن الشيخ ابن محمود قد ألف بعد ذلك رسائل حاد في بعضها عن الصواب من ذلك رسالته التي أسماها «الإيمان بالقضاء والقدر على طريقة أهل السنة والأثر»، ورسالته التي أسماها «إتحاف الأحفياء برسالة الأنبياء» فقد تخبط في هاتين الرسالتين وقد رد عليه في أخطائه فيهما فضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري وفقه الله في رسالة سماها: «فتح المعبود في الرد على ابن محمود» تقع في مائة وسبع وثمانين صفحة وقد قامت بطباعتها لتوزيعها رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ومن ذلك رسالة أسماها «الدلائل العقلية والنقلية في تفضيل الصدقة عن الميت على الضحية وهل الضحية عن الميت شرعية أو غير شرعية» وقد رد عليه في أخطائه في هذه الرسالة سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد رئيس المجلس الأعلى للقضاء في رسالة سماها «غاية المقصود في التنبيه على أوهام ابن محمود» تقع في مائة واثنتي عشرة صفحة كما رد عليه في أخطائه في هذه الرسالة الشيخ علي بن عبد الله الحواس في كتاب سماه «كتاب الحجج القوية والأدلة القطعية في الرد على من قال إن الأضحية عن الميت غير شرعية» يقع قي مائتين وخمس وثمانين صفحة ومن ذلك رسالته التي أسماها: «فصل الخطاب في إباحة ذبائح أهل الكتاب»، له فيها أخطاء منها إباحته ذبائح المشركين ورسالة له تقع في أربع ورقات سماها «جواز الإحرام من جدة لركاب الطائرات والسفن البحرية» وقد رد عليه في هاتين الرسالتين سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد في رسالة سماها «حكم اللحوم المستوردة وذبائح أهل الكتاب وغيرهم» يليه تنبيهات على أن جدة ليست ميقاتا وهي تقع في مائة واثنتي عشرة صفحة، وهذه الأخطاء التي وقع فيها في رسائله المتعددة متفاوتة فإن بعضها من الأمور الفرعية التي يكون للاجتهاد فيها مجال لكن في حق من يكون أهلا للاجتهاد وبعضها من الأمور التي لا مجال فيها للاجتهاد مثل مسائل القضاء والقدر ومسألة خروج المهدي في آخر الزمان فإنه لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك.
[ ٤٦ / ٣٦٣ ]
وعملا بقوله ﷺ: "الدين النصيحة" فإن نصيحتي لفضيلة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود أن يعمل على أن تكون رسالته في المهدي هذه آخر رسالة من هذا النوع من الرسائل التي شغل طلاب العلم في الرد عليها وأن يجتهد - وقد دخل في العقد الثامن من عمره - في عمارة ما بقى من حياته فيما يعود عليه وعلى المسلمين بالخير والعاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة.
٢٦- قال الشيخ ابن محمود في ص (٧٠): "وأنه بمقتضى التأمل للأحاديث الواردة في المهدي نجدها من الضعاف التي لا يعتمد عليها وأكثرها من رواية أبى نعيم في حلية الأولياء وكلها متعارضة ومتخالفة ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة لا باللفظ ولا بالمعنى".
والجواب: أن هذا الكلام واضح في أن الشيخ ابن محمود يعتبر كتاب حلية الأولياء لأبي نعيم أوسع مصدر اشتمل على أحاديث المهدي وليس الأمر كذلك فقد جمع الشيخ عبد العزيز بن محمد بن الصديق الغماري أطراف أحاديث الحلية كتاب مطبوع سماه «البغية فى ترتيب أحاديث الحلية» يشتمل على أكثر من أربعة آلاف حديث وليس فيها حديث طرفه المهدي إلا حديث "المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة" وهذا دليل واضح من كلام ابن محمود على قلة معرفته بأحاديث المهدي وأنه لا يعرف أين تقل وأين تكثر وبالتالي فحكمه عليها أنها من الضعاف التي لا يعتمد عليها وأنها كلها متعارضة متخالفة ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة باللفظ ولا بالمعنى حكم على غير بينة وهدى بل على ظن لا يغني من الحق شيئا ورحم الله من قال خيرا فغنم أو سكت فسلم.
٢٧- وقال في ص (٢٩): "والمهدي متى قلنا بتصديق الأحاديث الواردة فيه ليس بملك معصوم ولا نبي مرسل ما هو إلا رجل عادي كأحد أفراد الناس إلا أنه عادل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وكل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة ويترجح بأنها موضوعة على لسان رسول الله ولم يحدث بها".
والجواب: أن أهل السنة والجماعة يقولون بتصديق الأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي لثبوتها عن الرسول ﷺ وهو عندهم غير معصوم وما هو إلا رجل كأحد الناس إلا أنه عادل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا ولو قال بذلك الشيخ ابن محمود لكان على منهج أهل السنة والجماعة المتبعين لما صحت به الأحاديث عن الرسول ﷺ لكنه قلد بعض كتاب القرن الرابع عشر الذين حكَّموا العقول في النقول فحادوا عن جادة الصواب أمثال أحمد أمين ومحمد فريد وجدي ومن على شاكلتهما أما قوله: "وكل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة ويترجح بأنها موضوعة على لسان رسول الله ﷺ ولم يحدث بها" فليس له فيه سلف في الماضين حتى ابن خلدون فإنه لم يقل بتضعيفها كلها كما سبق إيضاح ذلك في رقم (١٠) ولكن مثل هذا الكلام من مجازفات وتخرصات بعض كتاب القرن الرابع عشر نعوذ بالله من الخذلان.
[ ٤٦ / ٣٦٤ ]
٢٨ - وقال الشيخ بن محمود في ص (٩): لكن المتعصبين لخروجه - يعني المهدي - لما طال عليهم الأمد ومضى من الزمان أربعة عشر قرنا وما يشعرني أن يأتي من الزمان أكثر مما مضى بدون أن يروه حتى تقوم الساعة لهذا أخذوا يمدون في الأجل ليثبتوا بذلك استقامة قولهم عن السقوط، فأخذوا يبثون في الناس بأنه لن يخرج إلا زمن عيسى بن مريم مع العلم أن الأحاديث التي بأيديهم والتي يزعمونها صحيحة ومتواترة والتي رواها الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وردت مطلقة لم تقيد بزمن عيسى إلا حديث صلاة عيسى خلف المهدي قال الذهبي وعلي القارئ: "إنه موضوع أي مكذوب فسقط الاحتجاج به" انتهى.
أقول: أبرز الأخطاء التي اشتمل عليها كلام ابن محمود هذا خطآن أحدهما زعمه أن أهل السنة القائلين بصحة خروج المهدي لما مضى من الزمان أربعة عشر قرنا دون أن يخرج المهدي أخذوا يمدون في الأجل ليثبتوا بذلك سلامة قولهم من السقوط فأخذوا يبثون في الناس بأنه لن يخرج إلا زمن عيسى ابن مريم وكأن القول بخروجه زمن عيسى بن مريم نشأ في القرن الرابع عشر، والثاني زعمه أن حديث صلاة عيسى خلف المهدي موضوع وعزوه ذلك إلى الذهبي وعلي القارئ، والجواب عن الخطأ الأول أن القول بتحديد وقت خروج المهدي في الزمن الذي يكون فيها عيسى ﵊ هو قول أهل السنة والجماعة في القديم والحديث وقد بدأ ذلك من حين تكلم به الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ حيث تلقى الأحاديث في ذلك عنه صحابته الكرام وتلقاه عنهم التابعون وسار على نهجهم في ذلك التابعون لهم بإحسان ولم يكن القول به بدأ في القرن الرابع عشر كما يقتضيه كلام ابن محمود وقد قال الإمام أبو الحسين محمد بن الحسين الأبري المتوفى سنة (٣٦٣ هـ) في كتابه مناقب الشافعي: "وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي وأنه من أهل بيته وأنه يملك سبع سنين وأنه يملأ الأرض عدلا وأن عيسى يخرج فيساعده على قتله الدجال وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه" وكلام أبي الحسين الأبري هذا نقله عنه الإمام ابن القيم في كتابه المنار المنيف في الصحيح والضعيف ونقله قبله عنه القرطبي في التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة وأبو الحجاج المزي في كتابه تهذيب الكمال ونقله بعدهم الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابيه تهذيب التهذيب وفتح الباري ونقله السيوطي في العرف الوردي في أخبار المهدي ونقله غير هؤلاء من الأئمة.
وكلام أبي الحسين الأبري هذا يوجد في كتاب ابن القيم المنار المنيف قبل الكلام الذي نقله ابن محمود في ص٥٣ من رسالته عن ابن القيم في المنار المنيف يوجد قبله بورقة واحدة ومع ذلك يزعم ابن محمود في كلامه هذا أن القائلين بخروج المهدي لما مضى أربعة عشر قرنا دون أن يخرج أخذوا يمدون في الأجل لثيبتوا بذلك سلامة قولهم من السقوط فأخذوا يبثون في الناس بأنه لن يخرج إلا زمن عيسى بن مريم وليس بمستغرب أن يعمى الشيخ ابن محمود أو يتعامى عن كلام أبي الحسين الأبري المتوفى سنة ٣٦٣ هـ هذا فقد عمي أو تعامى عن كل ما أورده ابن القيم في المنار المنيف من تصحيح لأحاديث المهدي وعزا إلى ابن القيم أنه يضعف أحاديث المهدي وينتقدها وهو خلاف الواقع كما سبق
[ ٤٦ / ٣٦٥ ]
أن أوضحته في رقم (١١) وكما في قوله في ص٥٥: "فهذا كلام ابن القيم قد انحى فيه بالملام وتوجيه المذام على سائر الفرق التي تدعي بالمهدي ولم يستثن فرقة عن فرقة لكونها دعوى باطلة من أصلها" انتهى، قال ابن محمود هذا الكلام وغيره عن ابن القيم مع أن كلام ابن القيم في المنار المنيف في إثبات خروج المهدي آخر الزمان وفي تصحيحه لكثير من الأحاديث الوادرة فيه واضح وضوح الشمس في رابعة النهار كما مر إيضاح كلامه ﵀ في ذلك.
والجواب عن خطئه الثاني وهو زعمه أن حديث صلاة عيسى خلف المهدي موضوع وعزوه ذلك إلى الذهبي وعلي القارئ أن يقال لم يذكر ابن محمود لفظ الحديث الذي زعم أنه موضوع وقد ذكره في ص٥١ حيث قال: "وهنا حديث كثيرا ما يحتج به المتعصبون للمهدي وهو أن المهدي مع المؤمنين يتحصنون به من الدجال وأن عيسى ﵇ ينزل من منارة مسجد الشام فيأتي فيقتل الدجال ويدخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فيقول المهدي تقدم يا روح الله فيقول إنما هذه الصلاة أقيمت لك فيتقدم المهدي ويقتدي به عيسى ﵇ إشعارا بأنه من جملة الأمة ثم يصلي عيسى ﵇ في سائر الأيام قال علي بن محمد القارئ في كتابه الموضوعات الكبير بأنه حديث موضوع" انتهى، هكذا عزا الشيخ ابن محمود إلى الشيخ علي القارئ في كتابه الموضوعات الكبير أنه يقول عن هذا الحديث إنه موضوع مع أن الذي قاله الشيخ علي القارئ عنه أنه ثابت وذلك في ص١٦٤ من كتاب الموضوعات الكبير وقد أوضحت هذا في رقم (٢٢) وبينت أن نزول عيسى ﵊ عند المنارة البيضاء شرقي دمشق وقتله الدجال بباب لد وصلاته خلف إمام المسلمين في ذلك الزمان ثابت في صحيح مسلم وغيره وكون ذلك الإمام الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه يقال له المهدي ثابت في مسند الحارث بن أبي أسامة وبهذا يتضح أن عزو ابن محمود إلى الشيخ علي القارئ القول بأن حديث صلاة عيسى خلف المهدي موضوع خلاف الواقع وقد أضاف هنا أن الذهبي قال إن حديث صلاة عيسى خلف المهدي موضوع وهذا أيضا بلا شك خلاف الواقع.
٢٩ - وقال الشيخ ابن محمود في ص٣١: "لم يكن من هدي رسول الله ﷺ ولا من شرعه أن يحيل أمته على التصديق برجل في عالم الغيب وهو من أهل الدنيا ومن بني آدم فيخبر عنه أنه يفعل كذا وكذا مما يوجب الاختلاف والاضطراب بين الأمة".
والجواب أن من هدي رسول الله ﷺ وشرعه أنه يخبر أمته عما شاء الله أن يخبرهم به من أمور الغيب سواء كان ذلك عن الماضي أو المستقبل أو عما هو موجود غير مشاهد ولا معاين ومن ذلك إخباره ﷺ عن أمور مستقبلة منها ما هو قبل قيام الساعة ومنها ما هو بعدها ومنها ما في زمن قريب من زمن النبوة ومنها ما هو بعيد عن زمنها وسأمثل فيما يلي لأخباره ﷺ عن أشخاص يأتون بعد زمنه وهم من أهل الدنيا ومن بني آدم منهم من أتى وفقا لما أخبر به ﷺ ومنهم من لم يأت بعد زمانه وسيأتي في حينه طبقا لما أخبر به ﷺ
[ ٤٦ / ٣٦٦ ]
وأهل السنة والجماعة لا يترددون في تصديق ما صح عنه من أخبار ويعتقدون أن ما صح إخباره به لا بد أن يقع على النحو الذي أخبر به الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه.
فمن ذلك إخباره ﷺ بمجيء أويس القرني من اليمن وذكره ﷺ له باسمه وبيان بعض صفاته وقد حصل مصداق خبره ﷺ بذلك على النحو الذي جاء عنه ﷺ ففي صحيح مسلم بسنده عن أسير بن جابر قال: "كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه إمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى عليه أويس فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد ثم من قرن، قال: نعم، قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم، قال: نعم، قال: لك والدة؟ قال: نعم، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يأتي عليكم أويس بن عامر مع إمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل" فاستغفر لي، فاستغفر له، قال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي، وفي صحيح مسلم أيضا عن ابن عمر ﵁ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن خير التابعين رجل يقال له أويس وله والدة وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم".
ومن ذلك إخباره ﷺ عن اثنين من ثقيف بوصفهما أحدهما كذاب والثاني مبير وقد وقع ما أخبر به ﷺ فالكذاب هو المختار بن أبي عبيد الثقفي والمبير أي المهلك الحجاج بن يوسف الثقفي وقد قالت ذلك للحجاج أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ كما في صحيح مسلم: "أما أن رسول الله ﷺ حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا، فأما الكذاب فرأيناه وأما المبير فلا إخالك إلا إياه". قال النووي في شرحه صحيح مسلم: "واتفق العلماء على أن المراد بالكذاب هنا المختار بن أبي عبيد وبالمبير الحجاج بن يوسف والله أعلم" انتهى.
هذان مثالان لما أخبر به ﷺ عن أشخاص في زمن قريب من زمن النبوة أحدهما في جانب المدح والثاني في جانب الذم وقد صدق خبره ﷺ فيهما على النحو الذي أخبر به ﷺ، أما في الزمن البعيد عن زمن النبوة فقد صحت الأحاديث عن رسول الله ﷺ وتواترت عنه في خروج المهدي وخروج الدجال ونزول عيسى ﵊ من السماء وذلك في آخر الزمان ولا بد من وقوع ما أخبر به ﷺ طبقا لما جاء عنه ﵊ وتصديق الرسول ﷺ فيما يخبر به عن أمور مغيبة هو من الإيمان بالغيب الذي امتدح الله أهله، وأما الدعاوى الكاذبة التي تحصل من متمهدين دجالين في بعض الأزمان وما ينتج عنها من فتن فإن ذلك لا يقدح بالحقيقة الثابتة عن الرسول ﷺ وقد أوضحت ذلك في رقم (٤) .
٣٠ - وقال الشيخ ابن محمود في ص٢٥: "ففكرة المهدي وسيرته وصفته لا تتفق مع سيرة
[ ٤٦ / ٣٦٧ ]
رسول الله ﷺ وسنته بحال فقد أثبتت التاريخ الصحيحة حياة رسول الله ﷺ من بداية مولده إلى حين وفاته كما أثبتها القرآن وليس فيها شيء من ذكر المهدي كما لا يوجد في القرآن شيء من ذلك فكيف يسوغ لمسلم أن يصدق به والقرائن والشواهد تكذب به.
والجواب: أن هذا الكلام من النوع الذي لا ينتهي عجب الواقف عليه لاسيما قوله فيه: "فقد أثبتت التاريخ الصحيحة حياة رسول الله ﷺ من بداية مولده إلى حين وفاته كما أثبتها القرآن وليس فيها شيء من ذكر المهدي كما لا يوجد في القرآن شيء من ذلك". فإن كان الكاتب يقصد الحياة العملية فلا وجه للبحث عن خروج المهدي في آخر الزمان ضمن السيرة النبوية العملية، وإن كان يقصد بحياته ﷺ ما صدر عنه ﷺ من أقوال وأفعال وتقريرات فلا وجه لقوله: "وليس فيها شيء من ذكر المهدي" ومعلوم أن حد الحديث النبوي الشريف عند أهل الحديث ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خلقي أو خلقي وكتب الحديث الشريف مليئة بالنصوص الواردة في المهدي وفيها كما قال أهل العلم بالحديث الصحيح والحسن والضعيف والموضوع.
وعلى هذا فقوله: "ففكرة المهدي وسيرته وصفته لا تتفق مع سيرة رسول الله ﷺ وسنته بحال" من قبيل الكلام البارد الذي لم يفكر في معناه عند تسطيره وإلا فإن خروج المهدي في آخر الزمان لم يعرفه أهل السنة والجماعة المتبعين للنصوص الشرعية إلا بثبوته في السنة النبوية ولا يقل عن قوله ذلك قوله: "فكيف يسوغ لمسلم أن يصدق به والقرائن والشواهد تكذب به" فإن المسلم الناصح لنفسه لا يصدق ويكذب تبعا للهوى وإنما يكون تصديقه أو تكذيبه متمشيا مع النصوص الشرعية فيجعل النقل حكما على العقل لا أن يجعل العقول محكمة في النقول فيقع في فضول القول وردئ الكلام.
٣١ - وقال الشيخ ابن محمود في ص١٧: "ولقد عاش الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون ثم عاش من بعدهم العلماء والسلف الصالحون ممن كانوا في القرون الثلاثة المفضلة ثم عاش من بعدهم جميع العلماء والحكام ومنهم عماد الدين زنكي ونور الدين محمود الشهيد وصلاح الدين الأيوبي وجميع الناس بعدهم وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم فلم ينقص إيمانهم وتقواهم عدم وجود المهدي من بينهم لعلمهم واعتقادهم أن الدين كامل بدونه فلا حاجة لهم به خرج أو لم يخرج".
والجواب أن يقال أولا: هذا الكلام من النوع الذي يصلح أن يوصف بأنه ليس له معنى مستقيم.
وثانيا: أن الزمن الذي يخرج فيه المهدي أوضحته النصوص الصحيحة وهو آخر الزمان حيث يخرج الدجال في زمنه، وينزل عيسى بن مريم ﵊ من السماء ويصلي خلفه.
وثالثا: إن عدم وجوده بين الناس في أزمنة قبل زمانه لا ينقص الإيمان والتقوى وإنما الذي ينقص الإيمان والتقوى عدم تصديق الرسول ﷺ فيما يخبر به والقدح بالنصوص الشرعية استنادا إلى الشبه العقلية كما هو مسلك بعض الكتاب في القرن الرابع عشر.
[ ٤٦ / ٣٦٨ ]
٣٢- ذكر الشيخ ابن محمود في مواضع متعددة من رسالته أن القول بخروج المهدي على فرض صحته ليس من عقائد المسلمين فقال في ص٥٦: "وأنه على فرض صحة هذه الأحاديث أو بعضها أو تواترها بالمعنى حسب ما يدعون فإنها لا تعلق لها بالعقيدة الدينية ولم يدخلها علماء السنة في عقائدهم". ثم مَثَّل بشيخ الإسلام ابن تيمية والطحاوي وشارح عقيدته وابن قدامة والأشعري في الإبانة ثم قال: "فعدم إدخالها في عقائدهم مما يدل على أنهم لم يعتبروها من عقائد الإسلام والمسلمين".
والجواب عن ذلك من وجوه:
الأول: أن مذهب أهل السنة والجماعة التصديق بكل ما صح عن رسول الله ﷺ من أخبار سواء كانت عن أمور ماضية أو مستقبلة أو موجودة غائبة عنا ومن ذلك التصديق بخروج المهدي كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ والتصديق بما صحت به الأخبار عن رسول الله ﷺ مما تقتضيه شهادة المسلم بأن محمدا رسوله الله ﷺ وقد قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في بيان معنى شهادة أن محمدا رسوله الله: "طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر وأن لا يعبد الله إلا بما شرع"، وقال أبو محمد بن قدامة المقدسي في كتابه لمعة الاعتقاد: "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا نعلم أنه حق وصدق وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه مثل حديث الإسراء والمعراج ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله وخروج يأجوج ومأجوج وخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها وأشباه ذلك مما صح به النقل". فكلام ابن قدامة هذا يدخل فيه التصديق بخروج المهدي في أوله وآخره، فأوله قوله: "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ وصح به النقل عنه"، وآخره قوله بعد أن ذكر أمثلة من أشراط الساعة: "وأشباه ذلك مما صح به النقل".
الثاني: أن من العلماء الذين كتبوا في عقائد أهل السنة والجماعة من نص على خروج المهدي في آخر الزمان ومنهم الحسن بن علي البربهاري والسفاريني وسبقت الإشارة إلى ذلك في رقم (١٤) ثم إن عدم ذكر بعض الأئمة لخروج المهدي في آخر الزمان في كتبهم لا يدل على عدم اعتبارهم ذلك من عقائد المسلمين لأنهم لم يلتزموا التنصيص على كل شيء يعتقد ولأن منهم من يأتي بعموم يدخل فيه وجوب التصديق بكل ما أخبره به الرسول ﷺ وصح به النقل عنه كما فعل ابن قدامة المقدسي..
الثالث: قول ابن محمود: "وأنه على فرض صحة هذه الأحاديث أو بعضها أو تواترها بالمعنى حسبما يدعون فإنها لا علاقة لها بالعقيدة الدينية". يجاب عنه بأنه كلام غير مستقيم وإلا فكيف يقال بصحة النقل ثم لا يصدق به ولا يعتقد مقتضاه وسبق في رقم (١٦) ما نقله السيوطي عن الشافعي ﵀ أنه روى يوما حديثا، وقال إنه صحيح فقال له قائل: "أتقول به يا أبا عبد الله؟ " فاضطرب وقال: "يا هذا أرأيتني نصرانيا؟ أرأيتني خارجا من كنيسة؟ أرأيت في وسطي زنارا؟ أروي حديثا عن رسول الله صلى
[ ٤٦ / ٣٦٩ ]
الله عليه وسلم ولا أقول به". وسبق أيضا في رقم ٦ ما رواه البيهقي بإسناده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدتني أبي قال لنا الشافعي: "أنتم أعلم بالحديث والرجال مني إذا كان الحديث الصحيح فأعلموني إن شاء يكون كوفيا أو بصريا أو شاميا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحا". والحاصل أن صحة الحديث في خبر تقتضي التصديق به وأن كلام ابن محمود هذا متناقض وغير مستقيم المعنى.
٣٣- وصف الشيخ ابن محمود القول بصحة خروج المهدي بأنه اعتقاد سيء وأنه بدعة وأنه من محدثات الأمور فقال في ص١٢: "وكنت في بداية نشأتي أعتقد اعتقاد شيخ الإسلام حيث تأثرت بقوله - يعني في صحة خروج المهدي - حتى بلغت سن الأربعين من العمر وبعد أن توسعت في العلوم والفنون ومعرفة أحاديث المهدي وعللها وتعارضها واختلافها فبعد ذلك زال عني الاعتقاد السيء والحمد الله وعرفت تمام المعرفة بأنه لا مهدي بعد رسول الله ﷺ وبعد كتاب الله". وقال في ص١٩: "ومنهم - يعني الذين ردوا الأحاديث الواردة في المهدي - الإمام الشاطبي صاحب الاعتصام فقد ألحق المهدية والإمامية بأهل البدع ويعني بالمهدية الذين يعتقدون صحة خروج المهدي"، وقال في ص٣٠: "فبسبب مجاورتهم - يعني بعض أهل السنة والجماعة - للشيعة واختلاطهم بهم اقتبسوها منهم وإلا فإنها ليست من عقيدة أهل السنة، وقال في ص٣١: "فهما - يعني الشيعة وأهل السنة الذين يصدقون بخروج المهدي - في فساد الاعتقاد به - يعني المهدي - سيان"، وقال في ص٥٨: "ودعوى المهدي في مبدئها ومنتهاها مبنية على الكذب الصريح والاعتقاد السيء القبيح"، وقال في ص ٥٨ أيضا: "وقال ﷺ: "إياكم ومحدثات الأمور"، والمهدي واعتقاده هو من محدثات الأمور".
ويجاب على ذلك بما يلي:
أولا: ما ذكره من أنه في بداية نشأته كان يعتقد اعتقاد شيخ الإسلام ابن تيمية في صحة خروج المهدي وأنه بعد أن تجاوز الأربعين من العمر وبعد أن توسع في العلوم والفنون ومعرفة أحاديث المهدي وعللها وتناقضها زال عنه الاعتقاد السيء جوابه أن اعتقاد خروج المهدي آخر الزمان هو مذهب أهل السنة والجماعة قبل شيخ الإسلام ابن تيمية وبعده وسلوك ابن محمود بعد تجاوزه سن الأربعين من العمر مسلكا غير سبيلهم انتقال من اعتقاد مبني على التصديق بالنصوص الشرعية الصحيحة إلى اعتقاد سيء مبني على الشبه العقلية الواهية وليس للشيخ ابن محمود في معتقده الجديد سلف من أهل العلم المعتد بهم أما حمده الله على زوال الاعتقاد السيء عنه - على حد تعبيره - فإنه لا يحمد على مكروه سوى الله تعالى، وقد أحسن من قال:
يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
ثانيا: ما نقله عن الشاطبي في الاعتصام من أنه ألحق المهدية بأهل البدع وأن المهدية في رأي الشاطبي هم الذين يعتقدون في صحة خروج المهدي جوابه: أن ما نسب إلى الشاطبي غير صحيح ومقصود الشاطبي بالمهدية اتباع المتمهدي المغربي وقد فسر مراده بالمهدية بأنهم الذين يجعلون أفعال مهديهم حجة وافقت حكم الشريعة أو خالفت وسبق إيضاح ذلك في رقم ١٢.
[ ٤٦ / ٣٧٠ ]
ثالثا: ما ذكره من أن عقيدة أهل السنة في المهدي مقتبسة من عقيدة الشيعة وأن الشيعة وأهل السنة في فساد الاعتقاد بالمهدي سيان، جوابه أن عقيدة أهل السنة في المهدي مستقاة من الأحاديث الصحيحة في الأصول المعتمدة عندهم ولا علاقة لها بعقيدة الشيعة وسبق إيضاح ذلك في رقم ٣ ورقم ١٥.
رابعا: قوله: "ودعوى المهدي في مبدئها ومنتهاها مبنية على الكذب الصريح والاعتقاد السيء القبيح". جوابه أن عقيدة أهل السنة والجماعة في المهدي مبنية على نصوص صحيحة قال بصحتها أهل العلم المعتقد بهم وسبق إيضاح ذلك في رقم ١٨.
خامسا: قوله: "والمهدي واعتقاده من محدثات الأمور".
جوابه: أن ذلك يقال لو كان القول بخروجه في آخر الزمان ليس فيه حديث صحيح عن رسول الله ﷺ أما وقد صحت الأحاديث بذلك عن رسول الله ﷺ فإن القول بأنه من محدثات الأمور يعتبر من الزعم الباطل والقول الخاطئ وإنما الذي يعتبر من محدثات الأمور أن يأتي بعض الكتاب في القرن الرابع عشر فيسلكوا مسلكا خطيرا حادثا هو رد النصوص الشرعية بناء على شبه عقلية فيرخون لعقولهم العنان ثم يتركونها بدون خطام أو زمام.
٢٤- وقال ص ٢٤: "والذي جعل أمر المهدي يستفحل بين أهل السنة من المسلمين وكان بعيدا عن عقيدتهم هو عجز العلماء المتقدمين وكذا العلماء الموجودين على قيد الحياة فلم نسمع بأحد منهم رفع قلمه ولا نطق ببنت شفة في التحذير من هذا الاعتقاد السيء وكونه لا صحة له اللهم قد بلغت بل إنهم ينكرون على من يقول بإنكاره فيزيدون الحديث علة والطين بلة".
والجواب على هذا أن نقول: هكذا ينحى ابن محمود باللائمة على علماء الأمة متقدميهم والموجودين على قيد الحياة منهم لعدم قيام أحد منهم بإنكار خروج المهدي وذلك دليل واضح من كلام ابن محمود على شذوذه في هذا الأمر وأنه وحده في واد وعلماء الأمة الإسلامية سابقهم ولاحقهم في واد آخر.
هذا وليس له رفيق في الطريق الموحش الذي سلكه إلا أمثال محمد فريد وجدي وأحمد أمين ممن حكّموا العقل في النقل وردوا النصوص الصحيحة لشبه عقلية واهية، وقد صان الله العلماء المحققين المعتد بهم من الإصابة بأمراض الشبهات العقدية ووفقهم لتعظيم السنة النبوية والتصديق بأخبارها الثابتة عن الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ.
ولذلك لم يحصل ابن محمود على واحد منهم يرفع قلمه أو ينطق ببنت شفة في إنكار خروج المهدي سواء في ذلك سابقهم ولاحقهم، وكيف يطمع ابن محمود أن يجد عالما ناصحا لنفسه يتجرأ على رد النصوص الصحيحة ودعوة الناس إلى التكذيب بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ، ثم بماذا بلغ ابن محمود في قوله: "اللهم قد بلغت؟ "
[ ٤٦ / ٣٧١ ]
إن من الواضح للمتعلم فضلا عن العالم أنه بلغ عن عدم معرفته بالحديث النبوي الشريف وعدم تمييز صحيحه من سقيمه وبلغ عن تمكن شبه بعض كتاب القرن الرابع عشر العقلية من فكره بحيث قدمها على النقل وبلغ عن شذوذه وسلوكه مسلكا مخالفا لمسلك أهل السنة والجماعة، وسواء كان صدور ذلك منه عن جهل أو علم هو بلية ومصيبة.
إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
٣٥- قال الشيخ ابن محمود في ص ٣٤: "إن العلماء كأبي داود في سننه وابن كثير في نهايته والسفاريني في لوامع أنواره وغيرهم قد أدخلوا أحاديث المهدي في جملة أشراط الساعة مع أحاديث الدجال والدابة ويأجوج ومأجوج وأحاديث الفتن، فكل هذه لا يتعرض لها نقاد الحديث بتصحيح ولا تمحيص لعلمهم أنها أحاديث مبنية على التساهل ويدخل فيها الكذب والزيادات والمدرجات والتحريفات وليست بالشيء الواقع في زمانهم ولا من أحاديث أحكامهم وأمور حلالهم وحرامهم".
ثم ذكر أنه: "في القرن التاسع لما كثر المدعون للمهدي وثارت الفتن بسببه اضطر بعض المحققين من العلماء أن ينقدوا أحاديث المهدي ليعرفوا قويها من ضعيفها وصحيحها من سقيمها فتصدى ابن خلدون في مقدمته لتدقيق التحقيق فيها فنخلها ثم نثرها حديثا حديثا وبين عللها كلها وأن من رواتها الكذوب ومنهم المتهم بالتشيع والغلو ومنهم من يرفع الحديث إلى الرسول بدون أن يتكلم به الرسول ومنهم من لا يحتج به وخلاصته أنه حكم على أحاديث المهدي بالضعف".
وتعليقي على كلام ابن محمود هذا أقول:
ما ذكره من أن أحاديث المهدي وغيرها من أحاديث أشراط الساعة لا يتعرض لها نقاد الحديث بتصحيح ولا تمحيص، وأنه في القرن التاسع لما كثر المدعون للمهدي اضطر بعض المحققين من العلماء أن ينقدوا أحاديث المهدي ليعرفوا قويها من ضعيفها وصحيحها من سقيمها فتصدى ابن خلدون في مقدمته لتدقيق التحقيق فيها وأنه حكم عليها بالضعف أقول هذا الذي ذكره الشيخ ابن محمود مردود بأن العلماء في مختلف العصور قبل القرن التاسع تكلموا في أحاديث المهدي وبينوا أن فيها الصحيح والحسن والضعيف والموضوع واحتجوا بالثابت منها، واعتقدوا موجبه وهم أهل الاختصاص الذين يعول على قولهم في هذا الشأن يعرف كلامهم في ذلك تصحيحا وتضعيفا من يطالع الكتب التي صنفوها ويقف على الجهود العظيمة التي بذلوها في خدمة السنة وتمييز صحيحها من ضعيفها ومن النقاد الذين تعرضوا لأحاديث المهدي الحافظ أبو جعفر العقيلي المتوفى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة فقد قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة علي بن نفيل النهدي: "قلت ذكره العقيلي في كتابه وقال: لا يتابع على حديثه في المهدي ولا يعرف إلا به قال وفي المهدي أحاديث جياد من غير هذا الوجه"، ومنهم ابن حبان المتوفى سنة (٣٥٤ هـ) فقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في شرح حديث أنس بن مالك ﵁ الذي أخرجه البخاري في صحيحه: "لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم "، قال: "واستدل ابن حبان في صحيحه -بأن حديث أنس ليس على عمومه - بالأحاديث الواردة في المهدي وأنه يملأ
[ ٤٦ / ٣٧٢ ]
الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا"، وقال البيهقي المتوفى سنة ٤٣٨ هـ بعد كلامه على تضعيف حديث "لا مهدي إلا عيسى بن مريم" قال: "والأحاديث في التنصيص على خروج المهدي أصح ألبتة إسنادا"، ومنهم الحافظ أبو الحسين محمد بن الحسين الأبري صاحب كتاب مناقب الشافعي المتوفى سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، قال ﵀ في محمد بن خالد الجندي راوي حديث "لا مهدي إلا عيسى بن مريم": "محمد ابن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي وأنه من أهل بيته وأنه يملك سبع سنين وأنه يملأ الأرض عدلا وأن عيسى ﵇ يخرج فيساعده على قتل الدجال وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه" نقل ذلك عنه ابن القيم في كتابه المنار المنيف وسكت عليه ونقله أيضا الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة محمد بن خالد الجندي وسكت عليه ونقله عنه أيضا وسكت عليه في كتابه فتح الباري في باب نزول عيسى بن مريم ﵊ ونقله أيضا غير ابن حجر وابن القيم من أهل العلم، وممن صحح بعض الأحاديث الواردة في المهدي الإمام الترمذي في جامعه، ومنهم الحاكم في المستدرك ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه في تصحيح جملة منها، ومنهم الإمام محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي صاحب التفسير المشهور المتوفى سنة ٦٧١ هـ فقد قال في كتابه التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة بعد ذكر حديث "ولا مهدي إلا عيسى بن مريم" وبيان ضعفه قال: "والأحاديث عن النبي ﷺ في التنصيص على خروج المهدى من عترته من ولد فاطمة ثابتة أصح من هذا الحديث فالحكم بها دونه"، ومنهم الإمام ابن تيمية المتوفى سنة ٧٣٨ هـ فقد صحح بعض الأحاديث الواردة في المهدي وذلك في كتابه منهاج السنة ومنهم الإمام ابن القيم المتوفى سنة ٧٥١ هـ فقد صحح في كتابه المنار المنيف جملة من الأحاديث الواردة في المهدي وأشار إلى ضعف بعض ما ورد في ذلك، ومنهم الإمام ابن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ هـ فقد تكلم في كتابه النهاية على كثير من الأحاديث الواردة في المهدي مبينا الصحيح والضعيف في ذلك، وهؤلاء العلماء النقاد كلهم قبل القرن التاسع، وقد تكلموا في أحاديث المهدي مبينين صحة بعض الأحاديث الواردة في ذلك وهم قليل من كثيرين تكلموا في ذلك ويتضح بهذا بطلان ما ذكره الشيخ ابن محمود من أن أحاديث المهدي وغيرها من أشراط الساعة لا يتعرض لها نقاد الحديث بتصحيح ولا تمحيص، أما ما ذكره من أنه: "في القرن التاسع لما كثر المدعون للمهدي اضطر بعض المحققين من العلماء أن ينقدوا أحاديث المهدي ليعرفوا قويها من ضعيفها وصحيحها من سقيمها فتصدى ابن خلدون في مقدمته لتدقيق التحقيق فيها" فيجاب عنه بأن العلماء النقاد تكلموا في أحاديث المهدي لمعرفة صحيحها من ضعيفها قبل القرن التاسع ومنهم الذين أسلفت ذكرهم قريبا وبأن ابن خلدون ليس من المحققين في علم الحديث الذين يعول على كلامهم في التصحيح والتضعيف وسبق أن أوضحت وجه ذلك في رقم ١٠ وأيضا فإن ابن خلدون كانت وفاته سنة ٨٠٨ هـ فلم يدرك من القرن التاسع إلا ثمان سنوات وكان كلامه على أحاديث المهدي في مقدمة تاريخه التي فرغ من وضعها وتأليفها، قبل التنقيح والتهذيب في منتصف عام
[ ٤٦ / ٣٧٣ ]
٧٧٩ هـ كما ذكر ذلك في آخر المقدمة أي قبل عشرين سنة من انتهاء القرن الثامن وهذا يوضح عدم استقامة ما ذكره الشيخ ابن محمود من أنه في القرن التاسع لما كثر المدعون للمهدي وثارت الفتن بسببه اضطر بعض المحققين من العلماء بأن ينقدوا أحاديث المهدي ليعرفوا قويها من ضعيفها وصحيحها من سقيمها فتصدى ابن خلدون في مقدمته لتدقيق التحقيق فيها إلخ.
٣٦- وقال الشيخ ابن محمود في ص ٢٣ تحت عنوان المقارنة بين أقوال العلماء المتقدمين والمتأخرين: "إننا متى قابلنا بين العلماء المتقدمين والمتأخرين نجد الفرق واسعا فلا مداناة فضلا عن المساواة إذ العلماء المتقدمون قد جمعوا بين العلم والعمل فهم أحق وأتقى وأقرب للتقوى، ولكن العلماء المتقدمين يغلب عليهم حسن الظن بمن يحدثهم ويستبعدون تعمد الكذب على رسول الله ﷺ من مؤمن بالله ولهذا أكثروا من أحاديث المهدي المتنوعة والمتضاربة والمختلفة حتى بلغت خمسين حديثا في قول الشوكاني كما نقلها عنه السفاريني في لوائح الأنوار وأورد ابن كثير في نهايته الكثير منها وفي كتب الشيعة أنها بلغت ألفا ومائتي حديث، والسبب أن من عادة علماء السنة المتقدمين (عمل)؟ التساهل فيما يرد من أحاديث أشراط الساعة، كأحاديث المهدي والدجال ويأجوج ومأجوج وما كان من قبيل ذلك فلا يتكلمون في نقدها ولا إخضاعها للتصحيح ولا للتمحيص لعلمهم أنها أخبار آخرة متأخرة بخلاف أحاديث الأحكام وأمور الحلال والحرام وما يحتاجه الناس في عبادتهم ربهم والتعامل فيما بينهم في أمور دنياهم فقد بالغوا في تحقيقها بمعرفة رواتها وما يجوز فيها فهم بعلم صحيح نطقوا وببصر ناقد كفوا".
وتعليقي على هذا الكلام ما يلي:
أولا: ما ذكره عن العلماء المتقدمين من أنهم جمعوا بين العلم والعمل وأنهم أحق وأتقى وأقرب للتقوى وأن المتأخرين لا يدانونهم فضلا عن أن يساووهم هو كلام حق لكن الشيخ ابن محمود عقبه بما يكدر صفوه وهو لمزه للعلماء المتقدمين بالتغفيل إذ وصفهم بأنه "يغلب عليهم حسن الظن بمن يحدثهم ويستبعدون تعمد الكذب على رسول الله ﷺ من مؤمن بالله وأنهم لذلك أكثروا من أحاديث المهدي المتنوعة والمتضاربة والمختلفة". والواجب إحسان الظن بسلف هذه الأمة والثناء عليهم بما هم أهله دون تعرض لهم بلمز أو حط من شأنهم.
ثانيا: علل الشيخ ابن محمود لإكثار العلماء المتقدمين من أحاديث المهدي المتنوعة والمتضاربة والمختلفة على حد قوله بتعليلين أحدهما ما وصفهم به من أنهم يغلب عليهم حسن الظن بمن يحدثهم وأنهم يستبعدون تعمد الكذب على رسول الله ﷺ من مؤمن بالله. والثاني أن من عادتهم التساهل فيما يرد من أحاديث أشراط الساعة كأحاديث المهدي والدجال ويأجوج ومأجوج وأن ما كان من هذا القبيل لا يتكلفون في نقدها ولا إخضاعها للتصحيح ولا للتمحيص لعلمهم أنها أخبار آخرة متأخرة، وقد أجبت عما تضمنه التعليل الأخير من أن العلماء لا يتكلفون في نقد الأخبار المتعلقة بأشراط الساعة ولا إخضاعها للتصحيح ولا للتمحيص وذلك في رقم ٣٥ إذ نقلت على سبيل التمثيل كلام جماعة من العلماء النقاد في تصحيح بعض الأحاديث الواردة في المهدي.
[ ٤٦ / ٣٧٤ ]
أما وصف الشيخ ابن محمود العلماء المتقدمين بأنه يغلب عليهم حسن الظن بمن يحدثهم وأنهم يستبعدون تعمد الكذب على رسول الله ﷺ من مؤمن بالله وأنهم لذلك أكثروا من أحاديث المهدي المتنوعة والمتضاربة والمختلفة فهو وصف لامز لا يليق بسلف الأمة ونقلة السنة الذين حمى الله بهم دينه وأقام شريعته فإن الله قد منحهم من الذكاء والفطنة والتثبت واليقظة ما جعلهم به أهلا لحفظ هذا الدين وأوعية لسنة رسوله الكريم ﷺ فقد روى ابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل عن أحمد بن سنان قال: "سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: "خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن الحكم والحديث" يعني لا يستعمل حسن الظن في قبول الرواية عمن ليس بمرضي" انتهى، وروى أيضا عن أبيه عن أبي بكر المعيطي عبيد الله بن أبي وهب قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: "لا يجوز حديث الرجل حتى تجوز شهادته".
وروى بسنده إلى عمرو بن قيس قال: "ينبغي لصاحب الحديث أن يكون مثل الصيرفي الذي ينتقد الدراهم فإن الدراهم فيها الزائف والبهرج وكذلك الحديث". وروى عن أبيه عن عبدة بن سليمان قال: "قيل لابن المبارك هذه الأحاديث الموضوعة؟ قال: يعيش لها الجهابذة". وروى عن أبيه عن نعيم ابن حماد قال: "قلت لعبد الرحمن بن مهدي: كيف يعرف الكذاب؟ قال: كما يعرف الطبيب المجنون". وروى بسنده إلى ابن سيرين قال: "كان يقال إنما هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذونها". وروى بسنده إلى يعقوب بن محمد بن عيسى قال: "كان ابن شهاب إذا حدث أتى بالإسناد ويقول لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجة". وروى عن محمد بن يحيى عن زنيج قال: "سمعت بهز بن أسد يقول إذا ذكر له الإسناد الصحيح: هذه شهادات العدول المرضيين بعضهم على بعض وإذا ذكر له الإسناد فيه شيء قال: هذا فيه عهدة ويقول: لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم ثم جحده لم يستطع أخذها منه ألا بشاهدين عدلين فدين الله ﷿ أحق أن يؤخذ فيه بالعدول". هذه بعض نقول عن نقلة الآثار تبين مدى تيقظهم وتثبتهم وبعدهم عن التغفيل وإنها لإحدى الكبر أن يأتي آت في السنة المتممة للقرن الرابع عشر فيقول: "لكن العلماء المتقدمين يغلب عليهم حسن الظن بمن يحدثهم ويستبعدون تعمد الكذب على رسول الله ﷺ من مؤمن بالله، ولهذا أكثروا من أحاديث المهدي المتنوعة والمختلفة والمتضاربة حتى بلغت خمسين حديثا في قول الشوكاني كما نقلها عنه السفاريني في لوائح الأنوار وأورد ابن كثير في نهايته الكثير منها". ثم إن هذا الناقد للعلماء المتقدمين الذي جاء في نهاية القرن الرابع عشر قد جاء في كلامه هذا بالذات ما يوضح عدم تمييزه بين من هو متقدم ومن هو متأخر إذ نسب إلى السفاريني أنه نقل في كتابه لوائح الأنوار عن الشوكاني أحاديث المهدي وكانت ولادة السفاريني في عام ١١١٤ هـ ووفاته في عام ١١٨٨هـ أما الشوكاني فكانت ولادته في عام ١١٧٣ هـ ووفاته في عام ١٢٥٠ هـ وقد ذكر السفاريني في أول كتابه لوامع الأنوار البهية أنه في سنة ثلاث وسبعين بعد المائة والألف طلب منه بعض أصحابه نظم أمهات مسائل اعتقاد أهل الأثر فنظمها في مائتي بيت وبضعة عشر بيتا وسماها الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية ثم بعد ذلك طلب منه هؤلاء الأصحاب شرح هذا النظم فشرحه بكتابه لوامع الأنوار البهية وهو واضح أن السفاريني بدأ بنظم الدرة المضية في السنة التي ولد فيها الشوكاني ثم بعد فراغه من النظم
[ ٤٦ / ٣٧٥ ]
شرحه بكتابه لوامع الأنوار البهية الذي يقول الشيخ ابن محمود أنه نقل فيه عن الشوكاني أحاديث المهدي أن الوقت الذي كان السفاريني يؤلف فيه كتابه لوامع الأنوار البهية كان الشوكاني قبل سن الخامسة عشرة، وأحدهما في أرض الشام والثاني في أرض اليمن، والحاصل أن من العجب أن يجعل الشيخ ابن محمود السفاريني في الزمن بعد الشوكاني وأعجب منه أن يزعم أن السفاريني نقل في كتاب الأنوار البهية عن الشوكاني أحاديث المهدي وأما ما أشار إليه من رواية العلماء المتقدمين الأحاديث الكثيرة في المهدي المتناقضة والمتضاربة فسبق أن أوضحت أن ما كان منها ضعيفا لا يلتفت إليه وما كان منها صحيحا فهو مؤتلف غير مختلف ومتفق غير مفترق وذلك في رقم ٧.
٣٧- أثنى الشيخ ابن محمود في ص ٢٦ على من وصفهم بعلماء الأمصار فقال: "إن علماء الأمصار - والحق يقال - متى طرقوا بحثا من البحوث العلمية التي يقع فيها الجدال وكثرة القيل والقال فإنهم يتبعون البحث تحقيقا وتدقيقا وتمحيصا وتصحيحا حتى يجعلوه جليا للعيان وصحيحا بالدلائل والبرهان وليس من شأن الباحث أن يفهم من لا يريد أن يفهم وقد قرروا قائلين: إن أساس دعوى المهدي مبني على أحاديث محقق ضعفها وكونها لا صحة لها الخ"، وقال في ص ٢٨: "إن بعض علمائنا عندما يرى أحدهم شيئا من الرسائل والبحوث الصادرة من علماء الأمصار المتأخرين وهي تعالج شيئا من المشاكل الهامة التي يمتد الخلاف فيها ويهتم كل الناس بأمرها كمسألة المهدي ونحوها فلا يعطي هذه الرسالة شيئا من الاهتمام والنظر خصوصا عندما يعرف أنها تخالف رأيه واعتقاده الخ".
وأقول تعليقا على هذا القول: إن من يطلع على هذا الكلام وهو خال الذهن قد يظن أن علماء الأمصار هؤلاء الذين يشبعون البحث تحقيقا وتدقيقا وتمحيصا وتصحيحا حتى يجعلوه جليا للعيان وصحيحا بالدلائل والبرهان هم من الجهابذة المتضلعين في علمي الرواية والدراية ولم يدر أنه ليس لدى الشيخ ابن محمود من هؤلاء المدققين المحققين الممحصين المصححين إلا أمثال أحمد أمين ومحمد فريد وجدي، ثم إن رسالة الشيخ ابن محمود في المهدي هذه هي من بحوث علماء الأمصار المتأخرين ويتضح للقارئ من خلال وقوفه على أخطائه الكثيرة التي لا يعذر في مثل بعضها طلاب العلم المبتدئون وخاصة ما أشرت إليه في أرقام ٨ و١١ و١٢ و١٩ و٢٢، يتضح للقارئ أن هذا البحث لم يتبع تدقيقا وتحقيقا وتمحيصا وتصحيحا بل لم يشم رائحة هذه الصفات.
٣٨- وقال الشيخ ابن محمود في ص ٧: "وقد أعرض أكثر العلماء المحدثين عن إثبات أحاديث كثيرة في كتبهم عن أهل البيت لتسلط الغلاة على إدخال الشيء الكثير من الكذب في فضائلهم كما تحاشى عنها البخاري ومسلم والنسائي والدارقطني والدارمي فلم يذكروها في كتبهم المعتمدة وما ذاك إلا لعلمهم بضعفها مع العلم أن الدارمي هو شيخ أبي داود والترمذي وقد نزه مسنده عن أحاديث المهدي فلا ذكر لها فيه".
ويجاب عن ذلك بأن العلماء المحدثين الذين قاموا بتدوين الحديث الشريف في مصنفاتهم منهم من لا يلتزم بإخراج الصحيح ومنهم من يلتزم بإخراج الحديث الصحيح دون غيره كالبخاري ومسلم في صحيحيهما لكن لم يقل أحد من أهل العلم أن الأحاديث التي لا يخرجها الشيخان في الصحيحين غير
[ ٤٦ / ٣٧٦ ]
صحيحة فإن الصحيح كما أنه موجود في الصحيحين فهو موجود في غيرهما وقد أوضحت ذلك في رقم ٥.
أما الذين لم يلتزموا بإخراج الحديث الصحيح في كتبهم فهم يخرجون فيها الصحيح وغيره ومنهم من يبين درجة الحديث صحة وضعفا أو يبين حال بعض رجال إسناده ومنهم من لا يبين شيئا من ذلك اكتفاء بإيراده الإسناد الذي يتمكن من له أهلية النظر فيه من معرفة درجة الحديث وذلك بدراسة إسناده وماله من متابعات أو شواهد وهذه المؤلفات المشار إليها للنسائي والدارقطني والدارمي ليس كل ما فيها صحيحا وليس كل ما لم تشمله يكون ضعيفا كما يعرف ذلك صغار طلاب العلم وبناء على ذلك كان خلاف الواقع حتما ما زعمه الشيخ ابن محمود من أن "البخاري ومسلما والنسائي والدارقطني، والدارمي لم يذكروا أحاديث المهدي في كتبهم المعتمدة وما ذاك إلا لعلمهم بضعفها وأن الدارمي وهو شيخ أبي داود والترمذي قد نزه مسنده عنها" فإن تعليله عدم إخراجهم تلك الأحاديث في كتبهم بقوله: "وما ذاك إلا لعلمهم بضعفها" افتيات عليهم ولا يكون ذلك مطابقا للواقع إلا لو وجد عنهم نصوصا تدل على أن سبب عدم ذكرهم إياها علمهم بضعفها، وأنى له ذلك، وكذا ما زعمه من أن الدارمي قد نزه مسنده عنها فإنه لا يقال لما لم يخرجه فيه أنه نزهه عنه إلا لو وجد عنه نص في شيء من ذلك كما لا يقال أن كل ما أخرجه فيه نزيه لأنه لم يلتزم إخراج الصحيح وقد قال الحافظ العراقي - كما نقله عنه السيوطي في تدريب الراوي: "اشتهر تسميته - يعني مسند الدارمي - بالمسند كما سمى البخاري كتابه بالمسند لكون أحاديثه مسندة" قال: "إلا أن فيه المرسل والمعضل والمنقطع والمقطوع كثيرا" انتهى.
ومعلوم أن المرسل والمعضل والمنقطع من أنواع الضعيف أما كون الدارمي الذي لم يخرج أحاديث المهدي في مسنده شيخا لأبي داود والترمذي اللذين خرجا أحاديث المهدي في كتابيهما فإن ذلك لا يقدح في إخراجهما هذه الأحاديث لأنه لا يلزم أن يكون ما خرجه تلميذ في كتابه طبقا لما خرجه شيخ له في كتابه وهذا من البديهيات ولو أن الدارمي خرج أحاديث المهدي في مسنده لما سلم من الدخول تحت قول ابن محمود: "ثم إن من عادة العلماء المحدثين والفقهاء المتقدمين أن بعضهم ينقل عن بعض الحديث والقول على علاته تقليدا لمن سبقه" إلى آخر كلامه الذي سقته وأجبت عنه في رقم ٦.
٣٩- وقال الشيخ ابن محمود في ص ٨٥: "فلا حاجة للمسلمين في أن يهربوا عن واقعهم ويتركوا واجبهم لانتظار مهدي يجدد لهم دينهم ويبسط العدل بينهم فيركنوا إلى الخيال والمحالات ويستسلموا للأوهام والخرافات ثم يفرض عليه علماؤهم التحجر الفكري والجمود الاجتماعي على اعتقاد ما تربوا عليه في صغرهم وما تلقوه عن آبائهم ومشايخهم أو على رأي عالم أو فقيه يوجب الوقوف على رأي مذهبه وعدم الخروج عنه وعلى أثره يوجب عليهم الإيمان بشخص غائب هو من سائر البشر يأتي في آخر الزمان فينقذ الناس من الظلم والطغيان".
أقول: إن الله قد تكفل ببقاء هذا الدين وأن الموفقين لسعادة الدنيا والآخرة في مختلف العصور من جعلهم الله من أنصار دينه وفي صحيح البخاري من حديث معاوية ﵁ سمعت رسول الله
[ ٤٦ / ٣٧٧ ]
ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي ولا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله"، فلا يخلو عصر من العصور من إقامة شرع الله. والمهدي الذي أَخبر به الرسول ﷺ ما هو إلا حلقة في أواخر سلسلة طويلة ينصر الله به في زمنه دينه ذلك الزمن الذي يستشري فيه الشر ويخرج الدجال الأعظم، وليس للمسلمين في أي زمن أن يتركوا ما أوجبه الله عليهم من نصرة الدين اتكالا على ما جاء في أحاديث المهدي أما وصف الشيخ ابن محمود، التصديق بخروج المهدي بأنه ركون إلى الخيال والمحالات واستسلام للأوهام والخرافات فسبق أن ذكرت أن هذه المسألة من الأمور الغيبية وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ في أحاديث صحيحة عن خروجه في آخر الزمان والواجب التصديق بكل خبر يثبت عن الرسول ﷺ وأما ما تضمنه بقية كلامه من العتب على العلماء في بيانهم ما تضمنته النصوص من التصديق بشخص يأتي في آخر الزمان فإن واجب العلماء أن يكون كلامهم وبيانهم مبنيا على الأدلة الشرعية الثابتة لا على شبه عقلية واهية وهذا هو ما قام به علماء هذه الأمة سواء في الأخبار أو الأحكام.
٤٠- وقال الشيخ ابن محمود في ص ٤: "فإن قيل: كيف عرفتم أن هذه الأحاديث الكثيرة المسندة والمسلسلة عن عدد من الصحابة بأنها مختلقة وهي في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجة ومسند الإمام أحمد والحاكم وغيرها من الكتب؟.
فالجواب: أن هذه الأحاديث الكثيرة التي تبلغ خمسين حديثا في المهدي عند أهل السنة بعضها يزعمونها صحاحا وبعضها من الحسان وبعضها من الضعاف - إلى أن قال- فهذه الأحاديث هي التي أخذت بمجامع قلوب الأكثرين من علماء أهل السنة على حد ما قيل: والقوة للكاثر، على أن الكمية لا تغني عن الكيفية شيئا وأكثر الناس مقلدة، يقلد بعضهم بعضا وقليل منهم المحققون، فإن المحققين من العلماء المتقدمين والمتأخرين قد أخضعوا هذه الأحاديث للتصحيح والتمحيص وللجرح والتعديل فأدركوا فيها من الملاحظات ما يوجب عليهم ردها وعدم قبولها - ثم ذكر بعض الشبه في ذلك ثم قال: - فهذه وما هو أكثر منها مما جعلت المحققين من العلماء يوقنون بأنها موضوعة على لسان رسول الله وأنها لم تخرج من مشكاة نبوته وليست من كلامه فلا يجوز النظر فيها فضلا عن تصديقها". وقال في ص ٣٦: "وقد كاد أن ينعقد الإجماع من العلماء المتأخرين من أهل الأمصار على تضعيف أحاديث المهدي وكونها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله ﷺ بدليل التعارض والتناقض والمخالفات والإشكالات مما يجعل الأمر جليا للعيان ولا يخفى إلا على ضعفة الأفهام، والله يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم".
وقال في ص ٣٧: "وأرجو بهذا البيان أن تستريح نفوس الحائرين ويعرفوا رأي أهل العلم والدين في هذه المشكلة التي تثار من آن لآخر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل".
وتعليقي على هذا الكلام أقول:
أورد الشيخ ابن محمود على نفسه سؤالا خطيرا قائلا: "فإن قيل: كيف عرفتم أن هذه الأحاديث الكثيرة المسندة والمسلسلة عن عدد من الصحابة بأنها مختلقة وهي في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجة
[ ٤٦ / ٣٧٨ ]
ومسند الإمام أحمد والحاكم وغيرها من الكتب؟ " وإن من يقرأ هذا السؤال ليشعر بالألم والأسى لهذه الجرأة والتطاول على السنة ودواوينها وحفاظها ثم بعد إيراد هذا السؤال ماذا كانت الإجابة عليه؟ لقد كانت الإجابة عليه مجموعة من الشبه العقلية مصحوبة بالزعم بدون خجل أن هذه هي التي جعلت المحققين من العلماء يوقنون أن هذه الأحاديث موضوعة على لسان رسول الله ﷺ وذلك تمويه وتدليس فإن المحققين من العلماء قديما وحديثا بريئون من هذا الزعم الباطل كما سأوضح ذلك بعد ذكر شبهه والإشارة إلى الإجابة عنها فشبهتان تتعلقان بما يقع نتيجة للتصديق بخروج المهدي من إثارة الفتن وقد أجبت عن ذلك في رقم ٤ وشبهة تتضمن أنه من المحال أن يوجب النبي ﷺ على أمته التصديق برجل من بني آدم مجهول في عالم الغيب وهو ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل الخ وقد أجبت عن ذلك في رقم ٢٩ وشبهة تتعلق بكون البخاري ومسلم لم يخرجا أحاديث المهدي في صحيحيهما وقد أجبت عن ذلك في رقم ٥ وشبهة تتعلق بكون الأحاديث الواردة في المهدي متناقضة متعارضة وقد أجبت عن ذلك في رقم ٧، وشبهة تتعلق بكونه ليس أول من كذب بأحاديث المهدي وأنه سبقه إلى ذلك بعض العلماء وقد أجبت عن ذلك في رقم ٨ و٢٥.
هذه هي الشبه التي عرف بها الشيخ ابن محمود كون أحاديث المهدي مختلقة مع كونها كثيرة مسندة مسلسلة عن عدد من الصحابة في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجة ومسند الإمام أحمد والحاكم وغيرها من الكتب ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد بل يسبق هذه الشبه ويعقبها نسبة ذلك إلى المحققين من العلماء فيقول قبل إيراد شبهه: فإن المحققين من العلماء المتقدمين والمتأخرين قد أخضعوا هذه الأحاديث للتصحيح والتمحيص وللجرح والتعديل فأدركوا فيها من الملاحظات ما يوجب عليهم ردها وعدم قبولها وقال بعد إيراد شبهه فهذه وما هو أكثر منها مما جعلت المحققين من العلماء يوقنون بأنها موضوعة على لسان رسول الله ﷺ وأنها لم تخرج من مشكاة نبوته وليست من كلامه فلا يجوز النظر فيها فضلا عن تصديقها انتهى، ولا شك أن نسبة هذا الرأي إلى المحققين من العلماء المتقدمين والمتأخرين نسبة غير صحيحة وهو من التمويه والتلبيس الذي لا يليق أن يصدر من مثل الشيخ ابن محمود وأوضح دليل على ذلك أن كل الذين سماهم الشيخ ابن محمود في رسالته من المتقدمين ثلاثة ومن المتأخرين خمسة وقد مر ذكرهم وما يتعلق بإضافة تضعيف الأحاديث المهدي إليهم وذلك في رقم ١٨ وأوضحت في رقم ١١ أن ابن القيم قد صحح كثيرا من أحاديث المهدي في كتابه المنار المنيف وأن ما عزاه إليه الشيخ ابن محمود من أنه يضعف أحاديث المهدي في الكتاب المذكور عزو غير صحيح وأوضحت في رقم ١٢ أن الشاطبي لم يضعف أحاديث المهدي في كتابه الاعتصام ولم يصف القائلين بخروج المهدي في آخر الزمان بأنهم من أهل البدع وأن ما عزاه الشيخ ابن محمود إليه غير صحيح وثالث الثلاثة من المتقدمين الذين سماهم الشيخ ابن محمود في رسالته ابن خلدون وقد أوضحت في رقم ١٠ أنه لم يقل أن أحاديث المهدي ضعيفة كلها فضلا عن القول بأنها موضوعة وأوضحت أَنه ليس ممن يعتمد عليه في التصحيح والتضعيف أما بالنسبة للخمسة من المتأخرين الذين سماهم الشيخ ابن
[ ٤٦ / ٣٧٩ ]
محمود في رسالته فإن الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع قد صحح بعض الأحاديث الواردة في المهدي كما أوضحت ذلك في رقم ١٣ وأما الشيخ أبو الأعلى المودودي فإنه في كتابه البيانات ذكر أن سند أي رواية من روايات أحاديث المهدي ليس من القوة حيث يثبت أمام مقياس البخاري ومسلم لنقد الروايات وبعد إشارته إلى بعض ضعف فيها في نظره قال: "غير أن من الصعب على كل حال القول بأن الروايات لا حقيقة لها أصلا فإننا إذا صرفنا النظر عما أدخل فيها الناس من تلقاء أنفسهم فإنها تحمل حقيقة أساسية هي القدر المشترك فيها وهي أن النبي ﷺ أخبر أنه سيظهر في آخر الزمان زعيم عامل بالسنة يملأ الأرض عدلا ويمحو عن وجهها أسباب الظلم والعدوان ويعلي فيها حكم الإسلام ويعمم الرفاه في خلق الله".
وهذا واضح أن الشيخ أبا الأعلى المودودي لا يقول بأنها موضوعة بل الذي قاله أنها لم تصل إلى حد مقياس البخاري ومسلم لنقد الروايات وأن مجموع الروايات يثبت القدر المشترك بينها وهو أخبار الرسول ﷺ بظهور زعيم عامل بالسنة في آخر الزمان ثم وقفت على رسالة للشيخ أبي الأعلى المودودي بعنوان: «موجز تجديد الدين وإحيائه» .
ذكر فيها المهدي الذي يجدد الدين في المستقبل وقدمه في الذكر على المجددين الماضين إلا أن تاريخ تأليف هذه الرسالة سابق لتأليف رسالة البيانات ومن المعلوم أن الشيخ أبا الأعلى المودودي ﵀ ليس من المشتغلين بالحديث النبوي الشريف وإنما هو من الكتاب الإسلاميين لكنه بحمد الله ليس من فئة العلماء المحققين في رأي الشيخ ابن محمود الذين جعلتهم الشبه العقلية يوقنون أن أحاديث المهدي موضوعة على لسان رسول الله ﷺ وأنها لم تخرج من مشكاة نبوته وأنها ليست من كلامه فلا يجوز النظر فيها فضلا عن تصديقها، وأما الثلاثة الباقون وهم الشيخ محمد رشيد رضا ومحمد فريد وجدي والبلاغي فقد ذكرت في رقم ١٥ أن الشيخ محمد رشيد رضا أنكر ما هو أوضح من خروج المهدي وهو نزول عيسى ﵊ من السماء وذكرت في رقم ١٦ أن محمد فريد وجدي زعم أن أحاديث الدجال كلها موضوعة ملفقة وأكثرها في الصحيحين وذكرت في رقم ١٨ أنني لم أقف على كتاب البلاغي لأتمكن من إبداء شيء بشأنه.
.. والحاصل أن الثمانية الذين سماهم الشيخ ابن محمود في رسالته من المتقدمين والمتأخرين خرج منهم ابن القيم والشاطبي حتما فلم يقولا بضعف أحاديث المهدي كما زعم الشيخ ابن محمود وخرج ابن خلدون أيضا فإنه لم يقل بضعفها كلها فضلا عن القول بأنها موضوعة وخرج الشيخ ابن مانع والشيخ أبو الأعلى المودودي وبقي مع الشيخ ابن محمود من المتأخرين الذين سماهم الشيخ محمد رشيد رضا ومحمد فريد وجدي ومن المحتمل أن يكون البلاغي ثالثا لهم ومع الشيخ ابن محمود أيضا اثنان من كتاب القرن الرابع عشر قلدهما الشيخ ابن محمود ولم يسمهم في رسالته أحدهما الأستاذ أحمد أمين وقد مر ذكره في رقم ١٧ والثاني محمد فهيم أبو عبية وقد مر ذكره في رقم ٣٣.
وهؤلاء الذين بقوا مع الشيخ ابن محمود أو بقي معهم هم الذين كاد أن ينعقد إجماعهم على أن أحاديث المهدي مصنوعة موضوعة إذ قال الشيخ ابن محمود في ص ٣٦:
[ ٤٦ / ٣٨٠ ]
"وقد كاد أن ينعقد الإجماع من العلماء المتأخرين من أهل الأمصار في تضعيف أحاديث المهدي وكونها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله ﷺ بدليل التعارض والتناقض والمخالفات والإشكالات مما جعل الأمر جليا للعيان ولا يخفى إلا على ضعفة الأفهام، والله يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم".
فإن هذا الإجماع المزعوم اعمدته الشيخ محمد رشيد رضا ومحمد فريد وجدي والبلاغي وأحمد أمين وأبو عبية والشيخ ابن محمود ونتيجته في كلام الشيخ ابن محمود أن أحاديث المهدي مصنوعة موضوعة بدليل تعارضها وتناقضها مما يجعل الأمر جليا للعيان ولا يخفى إلا على ضعفة الأفهام والوصف بضعف الفهم لم يسلم منه إلا أولئك الذين كاد أن ينعقد إجماعهم ومن لف لفهم والله المستعان، ثم إن هؤلاء الذين كادوا أن يجمعوا هم أهل العلم والدين في قول الشيخ ابن محمود في ص ٥٧: "وأرجو بهذا البيان أن تستريح نفوس الحائرين ويعرفوا رأي أهل العلم والدين في هذه المشكلة التي تثار بين آن وآخر". وهم أهل الكيفية في قول الشيخ ابن محمود: "فهذه الأحاديث هي التي أخذت بمجامع قلوب الأكثرين من علماء أهل السنة على حد ما قيل: والقوة للكاثر على أن الكعبة (كذا) الكمية لا تغني عن الكيفية شيئا وأكثر الناس مقلدة يقلد بعضهم وقليل منهم المحققون".
وإيضاحا للحق ودفعا للباطل أقول: إن علماء أهل السنة المعتد بهم في القديم والحديث مصدقون بالأحاديث الثابتة عن الرسول ﷺ الدالة على خروج المهدي في آخر الزمان ولا ينكرها إلا شاذ عنهم وسبق أن أشرت في مواضع من هذا البحث إلى تسمية بعض علماء أهل السنة الذين احتجوا بأحاديث المهدي وقالوا بثبوت خروجه آخر الزمان وقد يكون من المناسب هنا تسمية عدد من هؤلاء العلماء ليتضح أن علماء أهل السنة المتبعين للنصوص الذين لا يعارضونها بالشبه العقلية كما أنهم أهل الكمية فهم أهل الكيفية وأن الذين شذوا عنهم ليسوا ذوي كمية ولا كيفية وليس ذلك للمقارنة والموازنة معاذ الله.
ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
١- الإمام أبو داود صاحب السنن المتوفى سنة ٢٧٥ هـ.
٢- الإمام أبو عيسى الترمذي صاحب الجامع المتوفى سنة ٢٧٩ هـ.
٣- الحافظ أبو جعفر العقيلي صاحب كتاب الضعفاء المتوفى سنة ٢٢٣ هـ.
٤- الإمام ابن حبان البستي صاحب الصحيح المتوفى سنة ٣٥٤ هـ.
٥- الحافظ أبو الحسين محمد بن الحسين الآبري السجزي صاحب كتاب مناقب الشافعي المتوفى سنة ٣٦٣ هـ.
٦- الإمام أبو سليمان الخطابي صاحب معالم السنن وغيره المتوفى سنة ٣٨٨هـ، وإثباته لخروج المهدي في آخر الزمان ذكره صاحب تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي في شرح حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان وتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة.." الحديث.
[ ٤٦ / ٣٨١ ]
٧ - الإمام البيهقي صاحب السنن الكبرى وغيره المتوفى سنة ٤٥٨ هـ. وقد مر حكاية كلامه وكلام غيره في تصحيح بعض أحاديث المهدي في رقم ٣٥.
٨- القاضي عياض صاحب كتاب الشفاء المتوفى سنة ٥٤٤ هـ.
٩- الإمام القرطبي المفسر المشهور وصاحب كتاب التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة المتوفى سنة ٦٧١ هـ.
١٠ - الإمام ابن تيمية صاحب الكتب الكثيرة الشهيرة المتوفى سنة ٧٣٨هـ، وكتابه الذي صحح فيه بعض الأحاديث في المهدي منهاج السنة النبوية.
١١- الإمام أبو الحجاج المزي صاحب كتاب تهذيب الكمال المتوفى سنة ٧٤٢ هـ.
١٢- الإمام االذهبي صاحب الكتب الكثيرة المتوفى سنة ٧٤٨ والكتاب الذي صحح فيه بعض الأحاديث في المهدي تلخيص المستدرك.
١٣- الإمام ابن القيم صاحب الكتب الكثيرة المتوفى سنة ٧٥١ هـ. والكتاب الذي صحح فيه بعض الأحاديث في المهدي المنار المنيف في الصحيح والضعيف.
١٤- الإمام عماد الدين ابن كثير صاحب الكتب الكثيرة المتوفى سنة ٧٧٤ هـ وقد صحح بعض الأحاديث في المهدي في كتابه النهاية.
١٥- الحافظ ابن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري وتهذيب التهذيب وغيرهما المتوفى سنة ٨٥٢هـ.
١٦- الحافظ السخاوي صاحب كتاب فتح المغيث في شرح ألفية الحديث المتوفى سنة ٩٠٢هـ.
١٧- الحافظ السيوطي صاحب الكتب الكثيرة وكتابه في المهدي العرف الوردي في أخبار المهدي، وكانت وفاته سنة ٩١١هـ.
١٨- الأمير محمد بن اسماعيل الصنعاني صاحب كتاب سبل السلام وغيره المتوفى سنة ١١٨٢ هـ، وكلامه في المهدي وخروجه في آخر الزمان ذكره صديق حسن في كتابه الإذاعة.
١٩- القاضي محمد بن علي الشوكاني صاحب التفسير وكتاب نيل الأوطار وغيرهما المتوفى سنة ١٢٥٠هـ، وكلامه في المهدي في رسالة سماها: التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي والدجال والمسيح، نقل الشيخ صديق في كتابه الإذاعة عن هذا الكتاب.
٢٠- الشيخ محمد بشير السهسواني صاحب كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان المتوفى سنة ١٣٢٦هـ.
٢١- الشيخ شمس الحق العظيم آبادي صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داود المتوفى سنة ١٣٢٩هـ.
٢٢- الشيخ عبد الرحمن المباركفوري صاحب كتاب تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي المتوفى سنة ١٣٥٣هـ.
[ ٤٦ / ٣٨٢ ]
وهؤلاء الذين ذكرتهم قطرة من بحر من علماء أهل السنة القائلين بخروج المهدي في آخر الزمان استنادا إلى الأحاديث الصحيحة في ذلك وهم أهل الرواية والدراية وهم أهل الخبرة والاختصاص وهم العلماء المحققون الذين يعول على حكمهم وهم أهل الجرح والتعديل والتصحيح والتضعيف وهم أهل العلم والدين وهم أهل الكمية والكيفية..
.. وبهذا القدر أكتفي في كشف أخطاء الشيخ ابن محمود التي اشتملت عليها رسالته وذلك كاف في بيان قيمة هذه الرسالة التي لم تبن على أساس.
ولعل فضيلة الشيخ عبد الله المحمود يعيد النظر فيما كتب كما فعل من قبل شيخه الشيخ محمد ابن مانع ﵀ فإن الحق ضالة المؤمن والحق أحق أن يتبع وأسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعا لما فيه رضاه والفقه في دينه وأن يثبتنا على صراطه المستقيم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وتابعيهم يإحسان
[ ٤٦ / ٣٨٣ ]