ولما بعث الله محمدًا أمره أن ينذر عشيرته الأقربين أولًا، ثم ينذر العرب الأميين، ثم أهل الكتاب والمجوس وغيرهم. وقد آمن به المهاجرون والأنصار كلهم من غير سيف ولا قتال، بل لما ظهر لهم من براهين نبوته ودلائل صدقه آمنوا به. وقد حصل من الأذى في الله لمن آمن بالله ورسوله محمد ﷺ ما هو معروف في السيرة، وقد آمن به في حياته ﷺ كثير من اليهود والنصارى، بعضهم بمكة، وبعضهم بالمدينة، وكثير منهم كانوا بغير مكة والمدينة.
وكان أول ما أنزل الله تعالى عليه الوحي عرضت خديجة -امرأته- أمره على عالم كبير من علماء النصارى يقال له: ورقة بن نوفل، وكان من العرب المتنصرة، فقال: «هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى بن عمران، يا ليتني أكون فيها جذعًا حين يخرجك قومك». وقدم إليه بمكة طائفة من
_________________
(١) المسيح ﵇ لم يرسل إلى الناس عامة، وإنما إلى بني إسرائيل، وجاء في كتب النصارى أن المسيح يوصي الحواريين الاثني عشر: لا تذهبوا إلى قرى الكنعانيين ولا إلى قرى اليبوسيين، ولكن اذهبوا لقرى خراف بني إسرائيل الضائعة. وأن المسيح يقول: أنا لم أرسل إلا إلى خراف بني إسرائيل الضائعة. (في ثلاث مواضع) فالمسيح لم يرسل للناس جميعًا. قال ابن تيمية: قال الله تعالى: (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) [الحديد: ٢٥]. فذكر سبحانه أنه أنزل الحديد أيضا؛ ليتبين من يجاهد في سبيل الله بالحديد، والنصارى يزعمون أن الحواريين والنصارى لم يؤمروا بقتال أحد بالحديد.
[ ٣٠ ]
أهل الكتاب من النصارى، فآمنوا به، فآذاهم المشركون، فصبروا واحتملوا أذاهم، فأنزل الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ٥٢ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ٥٣ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ٥٤ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ٥٥﴾.
والقرآن فيه التصريح بدعوة أهل الكتاب في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٦٤﴾ [آل عمران: ٦٤]. وقد كتب النّبي ﷺ بهذه الآية إلى قيصر ملك النصارى بالشام الذي اسمه هرقل.
وأهل نجران التي باليمن كانوا نصارى، فقدم عليه وفدهم ستون راكبًا، وناظرهم في مسجده، وأنزل الله فيهم صدر سورة آل عمران. ولما ظهرت حجته عليهم، وتبين لهم أنه رسول الله إليهم، أمره الله إن لم يجيبوه أن يدعوهم إلى المباهلة، فاستعفوا من المباهلة، فصالحوه وأقروا له بالجزية عن يد وهم صاغرون، لما خافوا من دعائه عليهم؛ لعلمهم أنه نبي، فدخلوا تحت حكمه. ولم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرًا حتى رجعا إلى النبي ﷺ فأسلما، وأنزلهما دار أبي أيوب الأنصاري.
وكان قبل قصة نجران قد آمن به كثير من اليهود والنصارى، رؤساؤهم وغير رؤسائهم، لما تبين لهم أنه رسول الله إليهم، كما آمن به
[ ٣١ ]
النجاشي ملك الحبشة، وكان نصرانيًا هو وقومه. والنجاشي لما سمع القرآن قال: «إنّ هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة». وبعث ابنه وطائفة من أصحابه إلى النبي ﷺ مع جعفر بن أبي طالب، وقدم جعفر على النبي ﷺ عام خيبر.