ويزعم النصارى أن آدم لما أكل من الشجرة غضب الرب عليه وعاقبه، وأن تلك العقوبة بقيت في ذريته إلى أن جاء المسيح، وصلب، وأنه كانت الذرية في حبس إبليس، فمن مات منهم ذهبت روحه إلى جهنم
[ ٤٦ ]
في حبس إبليس، حتى قالوا ذلك في الأنبياء: نوح، وإبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وغيرهم.
ومعلوم أن إبراهيم كان أبوه كافرًا، ولم يؤاخذه الله بذنب أبيه، فكيف يؤاخذه بذنب آدم، وهو أبوه الأبعد؟ هذا لو قدر أن آدم لم يتب، فكيف وقد أخبر الله عنه بالتوبة؟! وقد تاب الله عليه، واجتباه وهداه، وسواء تاب آدم، أو لم يتب، فكيف يجوز أن يكون رسل الله الذين هم أفضل منه محبوسين في حبس الشيطان في جهنم بذنبه؟! وإبراهيم خليل الرحمن كان أبوه كافرًا، ولم يؤاخذه الله بذنبه! فكيف يجعله في جهنم في حبس الشيطان بسبب ذنب أبيه الأقصى آدم، مع أنه كان نبيًا؟!
ثم يزعمون أن الصلب -الذي هو من أعظم الذنوب والخطايا- به خلص الله آدم وذريته من عذاب الجحيم، وبه عاقب إبليس، مع أن إبليس ما زال عاصيًا لله مستحقًا للعقاب من حين امتنع من السجود لآدم، ووسوس لآدم إلى حين مبعث المسيح، والرب قادر على عقوبته.
فأي مناسبة بين الصلب -الذي هو من أعظم الذنوب- وبين تخليص هؤلاء من الشيطان؟! إن قالوا: الرب جل وعلا ما كان يقدر على تخليصهم من الشيطان -مع علمه بأنه ظالم معتد عليهم بعد الموت- إلا بأن يحتال عليه بإخفاء نفسه ليتمكن الشيطان منه كما يزعمون؛ فهذا مع ما فيه من الكفر العظيم وجعل الرب سبحانه عاجزًا كما جعلوه أولًا ظالمًا؛ فيه من التناقض ما يقتضي عظيم جهلهم الذي جعلوا به الرب جاهلًا؛ فإنّهم يقولون: إنه احتال على الشيطان؛ ليأخذه بعدل، كما احتال الشيطان على آدم بالحية؛ فاختفى منه. فلما أراد الشيطان أخذ روحه؛ ليحبسه في جهنم كسائر من مضى، وهو لم يعمل خطيئة استحق
[ ٤٧ ]
الشيطان أن يأخذه الرب، ويخلص الذرية من حبسه، وهذا تجهيل منهم للرب -سبحانه وتعالى عما يقولون- مع تعجيزه وتظليمه.
والنصارى يقولون: إن المسيح -الذي هو عندهم إله وبشر- إنما مكّن الكفار من صلبه ليحتال بذلك على عقوبة إبليس. قالوا: فأخفى نفسه عن إبليس لئلا يُعلم، ومكن أعداءه من أخذه، وضربه، والبصاق في وجهه، ووضع الشوك على رأسه، وصلبه، وأظهر الجزع من الموت، وصار يقول: "يا إلهي! لم سلّطت أعدائي عليّ"؛ ليختفي بذلك عن إبليس، فلا يعرف إبليس أنه الله، أو ابن الله، ويريد إبليس أن يأخذ روحه إلى الجحيم، كما أخذ أرواح نوح، وإبراهيم، وموسى، وغيرهم من الأنبياء والمؤمنين، فيحتج عليه الرب حينئذ، ويقول: بماذا استحللت يا إبليس أن تأخذ روحي؟ فيقول له إبليس: بخطيئتك. فيقول ناسوتي: لا خطيئة له كنواسيت الأنبياء؛ فإنه كان لهم خطايا استحقوا بها أن تؤخذ أرواحهم إلى جهنم، وأنا لا خطيئة لي. وقالوا: فلما أقام الله الحجة على إبليس؛ جاز للرب حينئذ أن يأخذ إبليس ويعاقبه، ويخلص ذرية آدم من إذهابهم إلى الجحيم.
فكيف جاز تمكين إبليس من عقوبة الأنبياء المتقدمين، ولم يمكّن من عقوبة الكفار والجبابرة الذين كانوا بعد المسيح؟!
وأَخْذُ إبليس لذرية آدم وإدخالهم جهنم؛ إما أن يكون ظلمًا من إبليس، وإما أن يكون عدلًا، فإن كان عدلًا فلا لوم على إبليس، ولا يجوز أن يحتال عليه ليمتنع من العدل الذي يستحقه، بل يجب تمكينه من المتأخرين والمتقدمين. وإن كان ظلمًا؛ فلِمَ لا يمنعه الرب منه قبل مجيء المسيح؟!
[ ٤٨ ]
فإن قيل: لم يقدر؛ فقد نسبوه إلى العجز. وإن قيل: قدر على دفع ظلم إبليس، ولم يفعله؛ فلا فرق بين دفعه في زمان دون زمان، إن جاز ذلك؛ جاز في كل زمان، وإن امتنع؛ امتنع في كل زمان.
فهل يقول عاقل: إن إبليس له أن يغوي بني آدم بتزيينه لهم، ثم له أن يعاقبهم جميعًا بغير إذن من الله في ذلك؟!
ثم يقال: إبليس عاقب بني آدم، وأدخلهم جهنم بإذن الله، أو بغير إذنه؟ إن قالوا: بإذنه؛ فلا ذنب له، ولا يستحق أن يحتال عليه؛ ليعاقب ويمتنع.
وإن كان بغير إذنه؛ فهل جاز في عدل الله أن يمكنه من ذلك، أم لم يجز؟ فإن جاز ذلك في زمان؛ جاز في جميع الأزمنة، وإن لم يجز في زمان؛ لم يجز في جميع الأزمنة، فلا فرق بين ما قبل المسيح، وما بعده.
ويقال لهم: هل كان الله قادرًا على منع إبليس وعقوبته بدون هذه الحيلة، وكان ذلك عدلًا منه لو فعله، أم لا؟! فإن كان ذلك مقدورًا له، وهو عدل منه، لم يحتج أن يحتال على إبليس. وإن قيل: لم يكن قادرًا على منع إبليس، فهو تعجيز للرب عن منع إبليس.
وهل هذا القول إلا من قول المجوس الثنوية الذين يقولون: إن كل ما في العالم من الشر من الذنوب والعقاب وغير ذلك هو من فعل إبليس، لم يفعل الله شيئًا من ذلك، ولا عاقب الله أحدًا على ذنب؟!.
ولا ريب أن هذا القول سرى إلى النصارى من المجوس، لهذا لا ينقلون هذا القول في كتاب منزل، ولا عن أحد من الحواريين، ولهذا كان
[ ٤٩ ]
المانوية دينهم مركبًا من دين النصارى والمجوس، وكان رأسهم ماني نصرانيًا مجوسيًا، فالنسب بين النصارى والمجوس، بل وسائر المشركين نسب معروف (^١).
وما فعله به الكفار اليهود الذين صلبوه طاعة لله؟ أو معصية؟ فإن كان طاعة لله؛ استحق اليهود الذين صلبوه أن يثيبهم ويكرمهم على طاعته كما يثيب سائر المطيعين له. والنصارى متفقون على أن أولئك من أعظم الناس إثمًا، وهم من شر الخلق.
وإن كان أولئك اليهود عصاة لله، فهل كان قادرًا على منعهم من هذه المعصية، أم لا؟! فإن لم يكن قادرًا؛ لم يكن قادرًا على منع إبليس من ظلم الذرية في الزمن المستقبل. وإن كان قادرًا على منعهم من المعاصي ولم يمنعهم؛ كان قادرًا على منع إبليس بدون هذه الحيلة. وإذا كان حسنًا منه تمكينهم من هذه المعصية؛ كان حسنًا منه تمكين إبليس من ظلم الذرية في الماضي والمستقبل، فلا حاجة إلى الحيلة عليه.
وزعمهم أن جميع بني آدم: من الأنبياء، والرسل، وغيرهم كانوا في الجحيم، في حبس الشيطان؛ لأجل أن أباهم آدم أكل من الشجرة، وأنهم إنما تخلصوا من ذلك لما صلب المسيح؛ فإن هذا الكلام لو نقله ناقل عن
_________________
(١) المانوية أو المنانية Manichaeism ديانة تنسب إلى مؤسسها "ماني بن فاتك الحكيم" وهو شخص عاش بعد عيسى ﵇ في بلاد فارس، ونشأ نصرانيًا، ثم تأثر بالديانات الوثنية المنتشرة في بلاد فارس والهند والصين، فأحدث دينًا بين المجوسية والنصرانية دعا الناس إليه، وكان يقول بنبوة المسيح ﵇، ولا يقول بنبوة موسى ﵇، وكانت ديانته قائمة على الاعتقاد بوجود إلهين، النور والظلمة، وأن الروح لا تنال السعادة وتنجو من قوة الظلام إلا بانفصالها عن الجسد، فكان يدعو إلى التسريع بفناء البشر، عن طريق ترك الزواج والزهد فيه، وغير ذلك من ضلالاته.
[ ٥٠ ]
بعض الأنبياء لقطعنا بكذبه عليهم، فكيف وهذا الكلام ليس منقولًا عندهم عن أحد من الأنبياء، وإنّما ينقلونه عمن ليس قوله حجة لازمة.