والنصارى يحتجون في قولهم أن المسيح: «هو الله» بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طائرًا، وذلك كله بأمر الله، وليجعله آية للناس. والله لم
[ ٣٧ ]
يذكر عن المسيح أنه يخلق خلقًا مطلقًا، ولا خلقًا عامًا، كما ذكر عن نفسه ﵎. والمسيح لم يذكر إلا خلق شيء معين خاص بإذن الله. وما يخلق من الطين كهيئة الطير؛ المراد به تصويره بصورة الطير، وهذا الخلق والتصوير محرم، بخلاف تصوير المسيح، فإن الله أذن له فيه، وجعل المعجزة بأنه: ينفخ فيه الروح فيصير طيرًا بإذن الله، وليس المعجزة مجرد خلقه (تصويره) من الطين، فإن هذا مشترك يقدر عليه عامة الناس. والله أخبر أن المسيح إنما فعل التصوير والنفخ بإذنه تعالى، وهذا كله صريح في أنه ليس هو الله، وإنما هو عبد الله. والله أخبر في القرآن أن المسيح خَلَق من الطين كهيئة الطير بإذن الله، ففرّق بين المسيح وبين الله، وبيّن أن الله هو الآذن للمسيح.
وما شاهدوه من معجزات المسيح ﵊، فقد شاهدوا من غيره ما هو مثلها، وأعظم منها، وقد أحيا غيرُه من الأنبياء الموتى بإذن الله، وأخبر بالغيوب أكثر منه، ومعجزات موسى ﵇ أعظم من معجزات المسيح ﵇؛ خشبة تصير حيوانًا، ثم تعود خشبة مرة بعد مرة، وتبتلع الحبال والعصي، فهذا أعجب من حياة الميت، وأحيا الله من الموتى على يد موسى وغيره من أنبياء بني إسرائيل أعظم ممّن أحياهم على يد المسيح، وبياض اليد من غير برص ثم عودها عند موسى؛ أعظم من إبراء أثر البرص الذي فعله المسيح ﵇. وموسى فلق الله له البحر، وكان الله يطعمهم على يده المن والسلوى، مع كثرة بني إسرائيل، ويفجر لهم بضربه للحجر كل يوم اثني عشر عينًا يكفيهم، وهذا أعظم من إنزال المسيح ﵇ للمائدة، ومن قلب الماء خمرًا، ونحو ذلك مما يحكى عنه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وكان لموسى
[ ٣٨ ]
في عدوه من القُمّل، والضفادع، والدم، وسائر الآيات ما لم يكن مثله للمسيح ¬وكون المسيح ﵇ تكلم في المهد؛ فقد شاركه غيره من بني إسرائيل في ذلك؛ كما ثبت في الصحيحين أنه تحدث في المهد الرضيع من بني إسرائيل حين مر رجل راكب ذو شارة فقالت أم الرضيع: اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها وأقبل على الراكب، فقال: "اللهم لا تجعلني مثله"، ثم أقبل على ثديها يمصه. (صحيح البخاري برقم ٣٤٦٦). وكذلك الرضيع صاحب جُرَيج الذي نسبوه للعابد جريج من الزنا، وكان من بني إسرائيل فتوضأ وسأله: من أبوك؟ فقال الرضيع: "الراعي". (صحيح البخاري برقم ٢٤٨٢). .
وكون المسيح لم يكن له أبٌ؛ فآدم لم يكن له أب ولا أم، وكذلك حواء، وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح، فإن حواء خلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلق آدم من تراب أعجب من هذا، ولم يكن آدم بما نفخ الله فيه من روحه إلهًا!