والبشارات بمحمد ﷺ في الكتب المتقدمة أعظم من البشارة بالمسيح (^١).
_________________
(١) البشارات بمحمد ﷺ في كتبهم كثيرة، ومن أبرزها أن عندهم في سفر التثنية من كتابهم المقدس (٣٣ - ٢) ينسبون لموسى في مباركته الأخيرة (خطبته) أنه قال: أقبل الرب من سيناء (يعني الوحي لموسى ورسالته) وأشرق عليهم من ساعير (جبل في القدس)، وتألق في جبل فاران (مكة). قال ابن تيمية: "فإن إشراقه من ساعير هو ظهور نوره بالمسيح، كما أن مجيئه من طور سيناء هو ظهور نوره بموسى، واستعلانه من جبال فاران هو ظهور نوره بمحمد. وبهذه الأماكن الثلاثة أقسم الله في القرآن بقوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ١ وَطُورِ سِينِينَ ٢ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ٣﴾ [التين: ١ - ٣]. فبلد التين والزيتون هي الأرض المقدسة التي بعث منها المسيح، وكان بها أنبياء بني إسرائيل، وأسري بمحمد ﷺ إليها، وظهرت بها نبوته، و(طور سينين) المكان الذي كلم الله فيه موسى ابن عمران، (وهذا البلد الأمين) هو بلد مكة التي بعث الله منه محمدًا، وأنزل عليه القرآن". وفي سفر حبقوق (٣ - ٣) يأتي من تيمان (المدينة) القدوس، من جبل فاران (جبال مكة، وتشير للهجرة من مكة للمدينة) سلا مجده يغطي السماء والأرض، ممتلئة بترانيم التسبيح له (إشارة إلى الناس يكثرون من الصلاة على النبي ﷺ. وفي سفر أشعيا ٢١ من ١٤ إلى ١٧: أحضروا ماء للقاء العطشان (يعني: محمدًا ﷺ المهاجر) يا سكان تيماء (المدينة) أحضروا خبزًا لإطعام الهاربين (هجرة محمد ﷺ وصاحبه أبي بكر ﵁، هربوا من السيوف المسلولة للقتل، ومن الأقواس المشدودة الجاهزة للإطلاق، ومن وجه الحرب الشديدة، لأنه هكذا قال لي الرب في سنة واحدة فقط وفقًا لعدد أيام سنة العام كسنة الأجير سيزول مجد قيدار (كفار قريش)، أما الناجون من حملة الأقواس ومحاربي قيدار؛ فسيكونون قليلين جدًا (إشارة لقلة عدد المسلمين في غزوة بدر). وفي سفر التثنية ١٨ - ١٨: خطاب الرب لموسى: أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم -يعني من بني إسماعيل- مثلك، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به (وما ينطق عن الهوى ﷺ. وهذه البشارة مشهورة عندهم، ومن مفسري النصارى من قالوا: هذه نبوؤة عن المسيح، فلو صدقوا فقد نفوا ألوهية المسيح، لأنهم يزعمون ألوهية المسيح، وهنا يقولون هو مثل موسى، والمثيل يجب أن يكون مثله فيولد من أبوين، ولا يكون إلهًا، ولا ابن الإله، وإنما نبي، وأنه يموت ولا يقتل. وفي سفر أشعيا ٢٩ - ١٢: " أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة، ويقال له: اقرأ هذا، فيقول: لا أعرف القراءة". والذي لا يعرف القراءة هو محمد ﷺ النبي الأمي.
[ ٢٨ ]
مع أنه ليس من شرط النبي أن يبشر به من تقدمه، كما أن موسى كان رسولًا إلى فرعون، ولم يتقدم لفرعون به بشارة، وكذلك الخليل أرسل إلى نمرود، ولم يتقدم به بشارة نبي إليه، وكذلك نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، لم يتقدم هؤلاء بشارة إلى قومهم بهم مع كونهم أنبياء صادقين.
_________________
(١) وفي سفر الملوك الأول ٢٠ - ٤ باللغة العبرية مكتوب: مُحَمَّد (. .) والواجب في جميع اللغات أن الأسماء لا تترجم، لكنهم حرفوا اسمه بالترجمة إلى بلازينت pleasant (الجذّاب). حتى تتماشى مع السياق الذي يريدونه للكلام. وفي سفر الأيام الثاني ٣٦ - ١٩ بالعبرية مكتوب: مُحَمَّد (. .) وكذلك حرفوه بالترجمة إلى: قودلي goodly (الجيّد). وفي سفر حزقيل ٢٤ - ١٦ بالعبرية مكتوب: مُحَمَّد (. .) وكذلك حرفوه بالترجمة إلى: ديزايرد desired (المرغوب). وكذلك أيضًا في سفر حزقيل ٢٤ - ٢١ بالعبرية مكتوب: مُحَمَّد (. .) وكذلك حرفوه بالترجمة إلى: ديزايرد desired (المرغوب). وفي سفر يوشع ٥ - ٦ بالعبرية مكتوب: مُحَمَّد (. .) وكذلك حرفوه بالترجمة إلى: بلازينت pleasant (الجذّاب). وكذلك التحريف في سفر يوحنا ١٦ - ٧ إلى المعزي Comforter. وفي سفر المراثي LAMENTATIONS ١ - ٧ وكذلك ١ - ١٠، ١١ بالعبرية مكتوب: مُحَمَّدِيِه (. .) بصفة التعظيم أي: المبجل، والياء والهاء (يه) للتفخيم، فحرفوها بالترجمة إلى: بلازينت pleasant (الجذّاب). وعندهم في كتبهم أن عيسى قال: يجب أن أذهب، لأني إن لم أذهب لن يرسل الله لكم محمد أو أحمد لكل الأمم. وفي موضع آخر ذكر أن (هاجر) لما نفد الماء من جرتها، وضعت الجرة، ووضعت إسماعيل تحت شجرة، وأخذت تبحث عن الماء، ولما رجعت وجدت الماء (زمزم) ينبع عند ولدها. وعندهم أنه: "سوف يعلوا اسم الله على جبل سلا"، وهو جبل (سلع) في المدينة، وسوف يغطي الأرض على مدار الساعة (إشارة إلى الأذان للصلاة). وفي الترجمات اليونانية القديمة للأناجيل جاء التعبير في البشارات عن اسم النبي بكلمة (البارقليط) واللفظ اليونانية (بيركلي طوس) وباللاتينية Parakletos ولكنه لما ترجم إلى العربية فسّرها بعضهم بالمُخَلِّص، وفسرها آخرون بالمُعَزِّي، وأصل معنى البارقليط في اليونانية القديمة: الذي له حمدٌ كثير، قال الألوسي: إنه لفظ يؤذِن بالحمد.
[ ٢٩ ]
وقد أخبر محمد ﷺ أنه رسول الله إلى النصارى وغيرهم من أهل الكتاب، وأنه دعاهم وجاهدهم، وأُمر بدعوتهم وجهادهم، وليس هذا مما فعلته أمته بعده بدعة ابتدعوها، كما فعلت النصارى بعد المسيح (^١).