والمسلمون -مع شهادتهم للمسيح ﵇ بأنه عبد الله ورسوله- يقولون: إنه مؤيد منصور، عصمه الله من أعدائه، وطهره منهم، ولم يسلطهم عليه. والمسلمون أشد تعظيمًا للمسيح ﵇ واتباعًا له بالحق ممن بدل دينه وخالفه من النصارى؛ فإن المسلمين يصدقونه في كل ما أخبر به عن نفسه، ولا يحرفون ما قاله عن مواضعه، ولا يفسرون كلامه بغير مراده وكلام غيره من الأنبياء -كما فعلت النصارى-.
والمسلمون وأهل الكتاب متفقون على إثبات مسيحين: مسيح هدى من ولد داود، ومسيح ضلال، يقول أهل الكتاب: إنه من ولد يوسف. ومتفقون على أن مسيح الهدى سوف يأتي كما يأتي مسيح الضلالة (الدجّال)؛ لكن المسلمون والنصارى يقولون: إن مسيح الهدى هو عيسى ابن مريم، وإن الله أرسله، ثم يأتي مرة ثانية، لكن المسلمون يقولون: إنه ينزل قبل يوم القيامة، فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يبقى دين إلا دين الإسلام، ويؤمن به أهل الكتاب: اليهود والنصارى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩].
واليهود تعترف بمجيء مسيح هدى يأتي؛ لكن يزعمون أن عيسى ﵇ لم يكن مسيح هدى؛ لظنهم أنه جاء بدين النصارى المبدل،
[ ٣٣ ]
ومن جاء به فهو كاذب، وهم ينتظرون المسيحين، وإنما ينتظرون مسيح الضلالة الدجال (^١).
ويشهد النصارى والمسلمون على اليهود بتحريف كثير من معاني التوراة وتبديل أحكامها (^٢)، كما بدلوا شريعة الرجم بغيرها، وهي مكتوبة في التوراة. وأنّ اليهود كفروا بالمسيح ﵇؛ إذ كانوا يزعمون أن المسيح ساحر كذاب، بل يقولون: إنه ولد غية (زنية)، وأنهم حرّضوا عليه، وادّعوا أنهم قتلوه وصلبوه.
والنصارى متفقون على أن المسلمين خير من اليهود، وكذلك اليهود متفقون على أن المسلمين خير من النصارى، بل جميع الأمم المخالفين للمسلمين يشهدون أن المسلمين خير من سائر الأمم والطوائف
_________________
(١) يعني أن اليهود عندهم بشارات وأخبار بنبي مسيح يبعث وهو عيسى ابن مريم ﵇، وعندهم خبر عن مسيح آخَر يكون له ملك في آخر الزمان، فلما بعث المسيح عيسى ابن مريم كذبوه، وما زالوا ينتظرون أن يأتي النبي المسيح حتى الآن، والواقع أنه لن يأتي نبي بوصف المسيح لأنه قد أتي وكذبوه، وجاء بعده محمد ﷺ وكذبوه أيضًا، فلم يبق مسيح ينتظرونه إلا مسيح الضلالة (الدجال).
(٢) اليهود كتبوا التلمود وزعموا أنه تدوين للشريعة اليهودية الشفوية (غير التوراة المكتوبة)، وجعلوا فيه عقيدة البداءة، وهي في زعمهم أن الرب يغير رأيه ويتعلم، ويصحح خطأه ويبكي ويندم، وقالوا: "إنه خلق الحيوانات ولم تكفِ لخدمة بني إسرائيل، فخلق بقية البشر أدنى من الحيوانات". فاليهودي إذا قتل بهيمة دفع ديتها، لكن لو قتل بشرًا من غير بني إسرائيل؛ لا يدفع ديته. والتلمود مقسوم قسمان: المشناة (قيل أن كاتبها هو يهوذا هنسيء ٢١٠ م)، والتلقوم (وقد رفض اليهود ترجمة هذا القسم إلى غير العبرية)، ثم بعد أيام النازيين ترجم للفرنسية والإنجليزية، بدون ترجمة الفقرات التي تتحدث عن المسيح وأمه لأنهم يصفونه بأقذر الأوصاف وأنه ابن زنا من جندي يوناني .. إلخ. ولا يعتبر النصارى أن التلمود "موحى به من الله".
[ ٣٤ ]
إلا أنفسهم، وشهادتهم لأنفسهم لا تقبل، فصار هذا اتفاق أهل الأرض على تفضيل دين الإسلام (^١).
_________________
(١) ومن المهم أن يعرف المسلم كيف اجتمع اليهود والنصارى على حرب المسلمين مع أن اليهود والنصارى كانوا يعادون بعضهم البعض؟! فاليهود ملعونون في الإنجيل عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، وعند النصارى فإن أعظم جرائم اليهود ليست مجرد الكفر بالله وشتم المسيح واتهامه بالسحر والكذب وشتم أمه واتهامها في عرضها وقتل الأنبياء وإنكار التثليث وتضليل النصارى والوعد بقتلهم فقط؛ بل يرون أعظمها: قتل ربهم المسيح (كما يزعمون)!!! (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ). وعلى مر التاريخ ظلت العداوة لا تنطفئ بين اليهود والنصارى، واستمرت الكنيسة البابوية التي مقرها روما في لعن وعداوة اليهود، وقامت حملات عارمة تزعمها البابا لتنظيف المجتمعات الأوروبية من اليهود، وفي القرن الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر استمرت حملات التنظيف؛ فنظفت بريطانيا وألمانيا وفرنسا وكثير من دول أوروبا من اليهود؛ لأنهم يرونهم أخطر خلق الله وأكثرهم شرًّا -وهم كذلك-. ومن جحيم أوروبا في عصور ظلماتها لجأ اليهود إلى كنف الأندلس وآواهم المسلمون، وبعدما احتل النصارى مدريد الإسلامية وشنوا حربهم الإبادية الشاملة على المسلمين في الأندلس شمل ذلك اليهود معهم؛ فلجئوا إلى الولايات التركية وخاصة اليونان. ثم لما ظهرت الحركة البروتستانتية النصرانية ابتهج اليهود بهذه الحركة ووجدوا فيها متنفسًا لهم وفرصة للانتقام من البابا وأتباعه وضرب النصارى بعضهم ببعض؛ فسخروا مكرهم ودهاءهم وأموالهم لنشرها، والبروتستانت: هي الطائفة النصرانية التي تحتج على البابا - زعيم الكاثوليك - وتخرج عليه، وتؤمن بأن البشر لا يتوسطون بين الناس وبين الله، وقالوا: إن على كل إنسان أن يقرأ الكتاب المقدس مباشرة ويطبقه مباشرة، وترفض احتكار رجال الكهنوت لتعليم الدين وتفسير الإنجيل، وقد تأثروا في ذلك بالمسلمين إبان الحروب الصليبية؛ إذ رأوا أن المسلمين يتعاملون مع كتاب الله مباشرة، ولا يتوسط أحد بينهم وبين الله ﷾. والذي حدث في أوروبا أنه بعد ظهور هذه العقيدة بدأ الناس يرجعون إلى الأصول التوراتية اليهودية المحرفة، وقام مارتن لوثر صاحب حركة البروتستانت بترجمة التوراة المحرفة إلى اللغة الألمانية، وكذلك الإنجليزية، وقد انتشرت الحركة البروتستانتية أكثر ما انتشرت في ألمانيا وبريطانيا وآمن هؤلاء بحرفية الكتاب المقدس وعصمة التوراة المحرفة، وأن كل حرف في التوراة المحرفة هو حق من عند الله، فآمنوا به وبضرورة تحقيقه، وأعرضوا عن تفسيرات البابا بشأن اليهود. وقد خرج النصارى البروتوستانت من أوروبا بروح التدين التوراتي المحرف، فلما دخلوا أمريكا تفاءلوا بأن هذا خروج كخروج بني إسرائيل من التيه ودخولهم إلى الأرض المقدسة، وأخذوا يسمون المدن والمناطق في أمريكا بأسماء من التوراة المحرفة،
[ ٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) واعتقدوا أن هذه الأرض البكر بشرى بشرهم الله بها في الدنيا، وتأسس المجتمع الأمريكي على أساس بروتستانتي توراتي، وكان ذلك من آثار استغلال اليهود الكتاب المحرف الذي يؤمن به اليهود والنصارى معًا، وهو القسم الأول من الكتاب المقدس الذي يتكون من قسمين يسمون كلا منهما عهدًا، فالأول هو العهد القديم وهو التوراة التي تشتمل على النصوص المحرفة التي تمجد اليهود والمتناقضة مع ما في الإنجيل من لعن اليهود وعداوتهم، والآخر هو العهد الجديد وهو الأناجيل والرسائل المحرفة. ولذلك يتعاون اليهود والنصارى على حرب الإسلام والمسلمين، ومن الناحية السياسية يتفقون على أهمية إقامة دولة موالية للغرب في قلب العالم الإسلامي بعد سقوط الخلافة تقوم بإثارة المشاكل وإشغال دول المسلمين وإضعافهم دينيًا وفكريًا واقتصاديًا وتفصل مشرقهم عن مغربهم وتعمل على عدم اتحادهم حتى لا تعود الخلافة الإسلامية من جديد. وقد تعهد اليهود أن يقوموا بهذه المهام مقابل دعم النصارى لهم لتحقيق المصلحة للطرفين. كما يتفق اليهود والنصارى أيضًا من الناحية العقدية على أن قيام دولة إسرائيل وتجمّع بنى إسرائيل في فلسطين هو تمهيد لنزول المسيح المنتظر الذي يحالفه النصر ويحكم العالم ويقضي على أعدائه، كما يفسره كل منهما، وأنه ستكون هناك حرب لا هوادة فيها ببلاد الشام وهي (معركة هرمجدّون Armageddon). لكنهم يختلفون في من هو هذا المسيح المنتظر؟؛ هل هو عيسى ابن مريم كما يؤمن النصارى وأنه سيقتل اليهود والمسلمين؟ أم هو ملك يهودي (المسيح الدجال) كما يزعم اليهود وأنه سيقتل النصارى والمسلمين؟! ويعتقد كل من الطائفتين أنه سينتصر بقيادة المسيح الذي ينتظره ويفني الآخرين تمامًا!!. واليهود كتبت عليهم الذلة إلا بحبل من الله وحبل من الناس، فهم بحاجة إلى من يساندهم من الناس، ولذا ابتدع حاخامات صهيون حيلة أقرهم عليها قادة الإنجيليين النصارى وهي تأجيل الخوض في نتيجة (معركة هرمجدون) التي ينتظرها كل منهما ليهلك الآخر، وأن تظل هذه المسالة معلقة تمامًا ولا يتم التطرق لها، وأن يكون التعاون بينهما على مبدأ التهيئة لنزول المسيح المنتظر بإقامة دولة تجمع بنى إسرائيل في فلسطين، فإذا نزل المسيح فعندها يُرى؛ أهو مسيح اليهود أم مسيح النصارى. لأن الخوض في نتيجة المعركة حاليًا ليس من مصلحة الطائفتين معًا!! لكن المصلحة المحققة لهما تكون بأن يعملا سويًا للقضاء على العدو المشترك لهما وهو (المسلمون)!! وصهاينة اليهود والنصارى يسعون بجهود حثيثة سياسيًا وعسكريًا إلى إخضاع بلاد العرب والمسلمين للرهبة اليهودية العسكرية، وفرض الحماية الغربية على المنطقة، والتضييق على الدعوة الإسلامية وتغيير المناهج الإعلامية والتعليمية لمحو كل ما يثير العداء نحو اليهود، وفرض السيطرة المالية الاقتصادية ونشر الثقافة اليهودية والنصرانية ونهب ثروات المنطقة النفطية والمائية وإفساد المنطقة أخلاقيًا عن طريق السياحة والآثار والترفيه، وفتح الباب لغزو الجاسوسية لأماكن ما كانت تحلم بها من قبل.
[ ٣٦ ]