والنصارى يدّعون في كتابهم أن المسيح ﵇ إله تام، وإنسان تام، وهذا يمتنع شرعًا وعقلًا، ثم يصفونه بالصفات المتناقضة، ويصفونه بأن طائفة من أشرار اليهود وضعوا الشوك على رأسه، وبصقوا في وجهه، وأهانوه، وصلبوه، وفعلوا به ما لا يفعل بأخس الناس، ويقولون مع ذلك إنه رب السماوات والأرض وما بينهما.
ومن تناقضهم أنهم يقولون أن المسيح خالق آدم وداود ومريم وأنه ابن لهم!!
وقالوا: «إنه كلمته وروحه»، وهذا تناقض منهم؛ لأنه عندهم: (الكلمة) فقط، لا أقنوم الحياة؛ حيث إنهم يعتقدون أن روح القدس التي خلق المسيح منها ومن مريم هي حياة الله. ويلزم من ذلك أيضًا أن يكون المسيح فيه لاهوتان: الكلمة، وروح القدس.
ويقولون: هو الله، وهو ابن الله -كما حكى الله عنهم- ولا يقولون: هو الأب والابن!! والأب عندهم هو الله، وهذا من تناقضهم!!
_________________
(١) هذا نص عقيدة (الأمانة) التي نقل شيخ الإسلام ابن تيمية أنهم اتفقوا عليها في مجمع نيقية عام ٣٢٥ م، ورواها بأكثر من لفظ، ورواها غيره بألفاظ متقاربة، ثم زادوا عليها في مجامع أخرى، ولا يزالون في التبديل والتغيير حتى وقتنا هذا. ولمزيد عن تجمّع هذا القانون العقدي لديهم عبر المجامع المسكونية الكنسية: الاطلاع على كتاب «مناظرة بين الإسلام والنصرانية» ص (٢٠٤ - ٢١٥).
[ ٥٢ ]
وقالوا: «وأما تجسيم كلمة الله الخالقة» ثم قالوا: «فكلمة الله التي بها خلقت اللطائف». فتارة يجعلونها خالقة، وتارة يجعلونها مخلوقًا بها، ومعلوم أن الخالق ليس هو المخلوق به!!
ومعنى ما ينقلوه من عبارات تفيد ظهور الرب في عيسى: هو نظير ما في التوراة من قوله: «جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران»، ومعلوم أنه ليس في هذا ما يدل على أن الله حال في موسى بن عمران، ومتحد به. وإنما يراد به حلول الإيمان به، ومعرفته، ومحبته، وذكره، وعبادته، ونوره، وهداه، كما ظهر في إبراهيم، وموسى، ومحمد صلوات الله عليهم وسلامه، وكما يظهر في بيوته التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وذلك بظهور نوره ومعرفته، وذكر أسمائه وعبادته فيها.
وكقوله تعالى في القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. وليس ذلك لأن الرسول هو الله، ولا لأن نفسه حال في الرسول، بل لأن الرسول يأمر بما أمر الله به، وينهى عما ينهى الله عنه، ويحب ما يحبه الله. وإذا قال القائل: أنت والله في قلبي، أو في سويداء قلبي. أو قال له: والله ما زلت في قلبي، وما زلت في عيني، ونحو ذلك؛ علم جميع الناس أنه لم يرد ذاته. وكما يقول أحدهم لمن مات والده: أنا والدك. أي: قائم مقامه. ويقولون للولد القائم مقام أبيه: من خلّف مثلك ما مات. ومن تصور هذه الأمور تبين له أن لفظ الحلول قد يعبر به عن معنى صحيح، وقد يعبر به عن معنى فاسد. ومن هذا الباب ما يذكر عن المسيح السلام أنه قال: «أنا وأبي واحد، من رآني فقد رأى أبي». فينبغي أن يعرف هذا النوع من الكلام، فإنه تنحل به إشكالات كثيرة؛ فإن هذا موجود في كلام
[ ٥٣ ]
الله ورسله، وكلام المخلوقين في عامة الطوائف، مع ظهور المعنى، ومعرفة المتكلم والمخاطب أنه ليس المراد أن ذات أحدهما اتحدت بذات الآخر.
وقول الله جل وعلا: «إنا نحن» هو لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء وأمثال، وعلى الواحد المطاع العظيم، الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا شركاء ولا نظراء. وليس معناه أن معه آلهة أخرى.
فلو كان الرب بذاته متحدًا بناسوت بشري لكان الأنبياء يخبرون بذلك إخبارًا صريحًا بينًا، لا يحتمل التأويلات. ولو جاز أن يتحد الرب سبحانه بحي من الأحياء، ويحل فيه، لكان حلوله في ملك من الملائكة واتحاده به؛ أولى من حلوله واتحاده بواحد من البشر.
بل قد قام الدليل على أن غير عيسى ﵇ أفضل منه، مثل إبراهيم، ومحمد صلى الله عليهما وسلم، وهذان اتخذهما الله خليلين، وليس فوق الخلة مرتبة، فلو كان يحلّ في أجل ما خلقه الله من الإنسان -لكونه أجلّ مخلوقاته- لحلّ في أجلّ هذا النوع، وهو الخليل ومحمد صلى الله عليهما وسلم.
وإذا قالوا: «إنه لم يعمل خطيئة» فيحيى بن زكريا لم يعمل خطيئة، ومن عمل خطيئة وتاب منها فقد يصير بالتوبة أفضل مما كان قبل الخطيئة، وأفضل ممّن لم يعمل تلك الخطيئة، والخليل وموسى أفضل من يحيى الذي يسمونه «يوحنا المعمداني».
وقال المسيح لتلاميذه: «آمنوا بالله، وآمنوا بي» وقال أيضًا: «من يؤمن بي فليس يؤمن بي فقط، بل وبالذي أرسلني». وهم يذكرون أن المسيح ﵇ استصرخ الله قائلًا: «إلهي! إلهي! انظر لماذا تركتني، وتباعدت عن خلاصي؟».
[ ٥٤ ]
والمسيح ﵇ لما سئل عن علم الساعة قال: «لا يعلمها إنسان، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن، إلا الأب فقط». فنفى عن نفسه علم الساعة، وهذا يدل على شيئين: على أن اسم الابن إنما يقع على الناسوت دون اللاهوت، فإن اللاهوت لا يجوز أن ينفى عنه علم الساعة، ويدل على أن الابن لم يكن يعلم ما يعلمه الله، وهذا يبطل قولهم بالاتحاد.
وهؤلاء الضلال لم يكفهم أن جعلوا إله السماوات والأرض متحدًا ببشر في جوف امرأة، وجعلوه له سكنًا، ثم جعلوا أخابث خلق الله أمسكوه، وبصقوا في وجهه، ووضعوا الشوك على رأسه، وصلبوه بين لصين، وهو في ذلك يستغيث بالله، ويقول: «إلهي إلهي! لم تركتني» وهم يقولون: «الذي كان يسمع الناس كلامه هو اللاهوت، كما سمع موسى كلام الله من الشجرة»، ويقولون: «هما شخص واحد».
واللهُ باتفاق الأمم كلها لم يحل في باطن الوادي المقدس، أو البقعة المباركة، أو الجانب الأيمن، ولا اتحد بشيء من ذلك، ولا صار هو وشيء من ذلك جوهرًا واحدًا، ولا شخصًا واحدًا، ولم يكن في باطن الشجرة، ولم يحل في الشجرة، ولم يتحد بها، مع أنه كلم موسى منها، وناداه منها. لكن النصارى يزعمون أنه حل بالمسيح واتحد به، فإنه عندهم حل بباطن المسيح، بل وبظاهره، واتحد به باطنًا وظاهرًا.
وقولهم إنه: «لا يتبعض، ولا يتجزأ» مناقض لما ذكروه في أمانتهم، ولما يمثلونه به؛ فإنه يمثلونه بشعاع الشمس، والشعاع يتبعض، ويتجزأ!! والتبعيض والتجزئة لازمة لقولهم؛ فإن القول بالولادة الطبيعية مستلزم لأن يكون خرج منه جزء.
[ ٥٥ ]
ويقولون أيضًا: «إنه اتحد بالمسيح، وأنه صعد إلى السماء، وجلس عن يمين الأب»، وعندهم أن اللاهوت منذ اتحد بالناسوت لم يفارقه، بل لما صعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب، كان الصاعد عندهم هو المسيح الذي هو ناسوت ولاهوت، إله تام، وإنسان تام، فهم لا يقولون: إن الجالس عن يمين الأب هو الناسوت فقط، بل اللاهوت المتحد بالناسوت جلس عن يمين اللاهوت، فأي تبعيض وتجزئة أبلغ من هذا؟!
ومن أنكر الحلول والاتحاد منهم كالأريوسية يقول: إن المسيح عبد مرسل كسائر الرسل صلوات الله عليهم وسلامه، فوافقهم على لفظ الأب، والابن، وروح القدس، ولا يفسر ذلك بما يقوله منازعوه من الحلول والاتحاد (^١).