والحسن بن أيوب - وهو من علماء النصارى- كتب رسالة بديعة لأخيه علي بن أيوب يبيّن فيها سبب إسلامه، ومما قال فيها:
وجدت أن «الأريوسية» من النصارى يجردون توحيد الله، ويعترفون بعبودية المسيح ﵇، ولا يقولون فيه شيئًا مما يقوله النصارى من ربوبية، ولا بنوة خاصة، ولا غيرهما، وهم متمسكون بإنجيل المسيح، مقرّون بما جاء به تلاميذه، والحاملون عنه، فكانت هذه الطبقة
_________________
(١) فَهْمُ الأريوسيين منذ ذلك الزمان المعنى الصحيح المراد من ألفاظ: الأب والابن وروح القدس وغيرها من الألفاظ التي وردت في كتب الأنبياء باللغة العبرية القديمة واحتج بها مشركوا النصارى على شركهم وأوّلوها على غير مرادها؛ هو دليل على أن فَهْمَ الأريوسيين أصيل قديم، وهو الفهم الذي يتوافق مع بقية نصوص الكتب السماوية ولا يتعارض معها، ويوافق مراد الأنبياء وعقيدة التوحيد التي دعا إليها جميع الأنبياء، الذين لم يدّع أحدٌ منهم اعتقاد حلول الله أو اتحاده بشيء من خلقه أو أنه يلد أو يولد، تعالى الله عما يقول الظالمون.
[ ٥٦ ]
قريبة من الحق، مخالفة لبعضه في جحود نبوة محمد ﷺ، ودفع ما جاء به من الكتاب والسنة.
وأن اليعقوبية يقولون: وهو إله كله، وإنسان كله، وهو شخص واحد، وطبيعة واحدة من طبيعتين. وقالوا: إن مريم ولدت الله تعالى الله عما يقولون وإن الله مات، وتألم، وصلب متجسدًا، ودفن، وقام من بين الأموات، وصعد إلى السماء.
و«الملكانية» وهم الروم -وهم أكثر النصارى- يقولون: هو شخص واحد لم يزد عدده وطبيعتان، ولكل واحدة من الطبيعتين مشيئة كاملة، فله بلاهوته مشيئة؛ مثل الأب والروح، وله بناسوته مشيئة؛ مثل مشيئة إبراهيم وداود.
وقالوا: إن مريم ولدت إلهًا، وأن المسيح -وهو اسم يجمع اللاهوت والناسوت- مات.
وقالوا: إن الله لم يمت، والذي ولدت مريم قد مات بجوهر ناسوته، فهو إله تام بجوهر لاهوته، وإنسان تام بجوهر ناسوته، وله مشيئة اللاهوت، ومشيئة الناسوت، وهو شخص واحد، لا نقول شخصان، لئلا يلزمنا القول بأربعة أقانيم.
فكيف يكون ميتًا لم يمت؟!!
و«النسطورية» وجدتهم قالوا: إن المسيح شخصان وطبيعتان، لهما مشيئة واحدة. وقالوا: إن مريم ولدت المسيح بناسوته، وأن اللاهوت لم يفارقه قط منذ اتحد بناسوته.
[ ٥٧ ]
وقال: فوجدنا اليعقوبية قد صرحوا بأن مريم ولدت الله تعالى عما يصفه المبطلون. وأنه تألم، وصلب، ومات، وقام بعد ثلاثة أيام من بين الموتى. وهذا الكفر الذي تشهد به عليهم سائر ملل النصارى وغيرهم.
ووجدنا الملكانية قد حادوا عن هذا التصريح إلى ما هو دونه في الظاهر! فهل وقعت الولادة والموت وسائر الأفعال التي تحكي النصارى أنها فعلت بالمسيح إلا عليهما؟! فكيف يصح -لذي عقل- عبادة مولود من امرأة بشرية قد مات ونالته العلل والآفات؟!
وأما قولهم: إن مريم ولدت المسيح بناسوته. فهذه أغلوطة، وإلا فكيف يولد ولد متحد بشيء آخر مجامع له دون ذلك الشيء؟ وكيف يكون ذاك وهم يقولون: إنه لم يفارقه قط؟ وهل يصح هذا عند أهل النظر؟!!
أوليس الحكم عند كل ناظر، ومن كل ذي عقل يوجب أن تكون الولادة واقعة على اللاهوت والناسوت معا؟! بمعنى الاتحاد وبمعنى الاسم الجامع للاهوت والناسوت وهو المسيح. وكذلك الحمل بهما جميعًا! وأن يكون البطن قد حواهما!!
وشريعة إيمانهم (الأمانة) -التي ألفها لهم رؤساؤهم من البطاركة، والمطارنة، والأساقفة، والأحبار ويصفون أنهم نطقوا بها بروح القدس، وأنه لا يتم لهم قربان إلا بها- قد اعترفوا فيها جميعًا بأن الرب المسيح الإله الحق من الإله الحق نزل من السماء، وتجسد من روح القدس، وصار إنسانًا، وحُبِل به، وَوُلد من مريم البتول، وتألم، وصُلب!!
فإنكم إن قلتم: إن المقتول المصلوب هو الله، فمريم على قولكم ولدت الله، سبحانه وتعالى عما يقولون!!
[ ٥٨ ]
وإن قلتم: إنه إنسان؛ فمريم ولدت إنسانًا.
وفي ذلك أجمع بطلان شريعة إيمانكم، فاختاروا أي القولين شئتم، فإن فيه نقض الدين.
وإن كان المسيح من روح القدس، كما قال جبريل الملك لأمه مريم، فلم سميتموه كلمة الله وابنه، ولم تسموه روحه؟
ووجدناكم تذكرون في التسبيحة التي تقرأ بعقب كل قربان وفي الأخرى التي تقال في يوم الجمعة الثانية من «الفصح»: أن المسيح نزل من السماء، فأبطل بنزوله الموت والآثام. فأي خطيئة بطلت؟ وأي فتنة للشيطان انطفأت؟
فإن قلتم: إنكم استدللتم على ربوبيته بأنه أحيا الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، ومشى على الماء، وصعد إلى السماء، وصير الماء خمرًا، وكثر القليل؛ فيجب الآن أن ينظر إلى كل من فعل من هذه الأمور فعلًا؛ فنجعله ربًا وإلهًا، وإلا فما الفرق؟!
فمن ذلك أن كتاب «سفر الملوك» يخبر أن إلياس أحيا ابن الأرملة، وأن اليسع أحيا ابن الإسرائيلية، وأن حزقيال أحيا بشرًا كثيرًا، ولم يكن أحد ممن ذكرنا بإحيائه الموتى إلهًا.
وأما إبراء الأكمه فهذه التوراة تخبر أن يوسف أبرأ عين أبيه يعقوب بعد أن ذهبت، وهذا موسى طرح العصا فصارت حية لها عينان تبصر بهما، وضرب بها الرمل فصار قملًا، لكل واحدة منها عينان تبصر بهما، ولم يكن واحد منهم بذلك إلهًا.
[ ٥٩ ]
وأما إبراء الأبرص فإن كتاب «سفر الملوك» يخبر بأن اليسع قد أبرأ أبرصًا، وأبرصَ صحيحًا (^١)، وهو أعظم مما فعل المسيح ﵇، فلم يكن في فعله ذلك إلهًا.
وأما قولكم: إنه مشى على الماء؛ فإن كتاب «سفر الملوك» يخبر بأن إلياس؛ صار إلى الأردن ومعه اليسع تلميذه، فأخذ عمامته فضرب بها الأردن، فاستيبس له الماء حتى مشى عليه هو واليسع، ثم صعد إلى السماء على فرس من نور، واليسع يراه، ودفع عمامته إلى اليسع، فلما رجع اليسع إلى الأردن ضرب بها الماء فاستيبس له حتى مشى عليه راجعًا.
ولم يكن واحد منهما بمشيه على الماء إلهًا، ولا كان إلياس بصعوده إلى السماء إلهًا.
وأما قولكم أنه صير الماء خمرًا. فهذا كتاب «سفر الملوك» يخبر بأن اليسع نزل بامرأة إسرائيلية، فأضافته، وأحسنت إليه، فلما أراد الانصراف قال لها: هل لك من حاجة؟ فقالت المرأة: يا نبي الله! إن على زوجي دينًا قد فدحه، فإن رأيت أن تدعو الله لنا بقضاء ديننا فافعل.
فقال لها اليسع: اجمعي كل ما عندك من الآنية، واستعيري من جيرانك جميع ما قدرت عليه من آنيتهم، ففعلت، ثم أمرها فملأت الآنية كلها ماء، فقال: اتركيه ليلتك هذه، ومضى من عندها، فأصبحت المرأة وقد صار ذلك الماء كله زيتًا، فباعوه، فقضوا دينهم. وتحويل الماء زيتًا أبدع من تحويله خمرًا، ولم يكن اليسع بذلك إلهًا.
وأما قولكم: أن المسيح ﵇ كثر القليل حتى أكل خلق كثير من أرغفة يسيرة. فإن كتاب «سفر الملوك» يخبر بأن إلياس نزل
_________________
(١) يعني شفى أبرصًا من البرص، وأصاب إنسانًا سليمًا بمرض البرص بإذن الله.
[ ٦٠ ]
بامرأة أرملة، وكان القحط قد عم الناس، وأجدبت البلاد، ومات الخلق ضرًا وهُزلًا، وكان الناس في ضيق، فقال للأرملة: هل عندك طعام؟ فقالت: والله ما عندي إلا كف من دقيق في قلة أردت أن أخبزه لطفل لي، وقد أيقنا بالهلاك لما الناس فيه من القحط.
فقال لها: أحضريه، فلا عليك.
فأتته به، فبارك عليه، فمكث عندها ثلاث سنين وستة أشهر تأكل هي وأهلها وجيرانها منه حتى فرج الله عن الناس.
فقد فعل إلياس في ذلك أكثر مما فعل المسيح ﵇ لأن إلياس كثر القليل وأدامه، والمسيح كثر القليل في وقت واحد، ولم يكن إلياس بفعله هذا إلهًا.
فإن قلتم: إن هؤلاء الأنبياء ليس لهم صنع في هذه الأفعال، وإن الصنع فيها والقدرة لله جل وعلا؛ إذ كان هو الذي أجراها على أيديهم. فقد صدقتم، ونقول لكم أيضًا: كذلك المسيح ليس له صنع فيما ظهر على يديه من هذه الأعاجيب؛ إذ كان الله هو الذي أظهرها على يديه، فما الفرق بين المسيح وسائر الأنبياء؟! وما الحجة في ذلك؟!
وإن قلتم: إن الأنبياء كانت إذا أرادت أن يظهر الله على أيديهم آية تضرعت إلى الله، ودعته، وأقرت له بالربوبية، وشهدت على أنفسها بالعبودية. قيل لكم: وكذلك سبيل المسيح سبيل سائر الأنبياء، قد كان يدعو، ويتضرع، ويعترف بربوبية الله، ويقر له بالعبودية، فمن ذلك أن الإنجيل يخبر بأن المسيح أراد أن يحيي رجلًا يقال له العازر، فقال: «يا أبي! أدعوك كما كنت أدعوك من قبل فتجيبني، وتستجيب لي، وأنا أدعوك من أجل هؤلاء القيام ليعلموا».
[ ٦١ ]
وقال بزعمكم وهو على الخشبة: «إلهي إلهي! لم تركتني».
وقال: «يا أبي! اغفر لليهود ما يعملون، فإنهم لا يدرون ما يصنعون».
وقال في إنجيل «متى»: «يا أبي! أحمدك».
وقال: «يا أبي! إن كان بد أن يتعداني هذا الكأس، ولكن ليس كما أريد أنا، فلتكن مشيئتك».
وقال أيضًا: «أنا أذهب إلى إلهي الذي هو أعظم مني».
وقال: «لا أستطيع أن أصنع شيئًا، ولا أتفكر فيه إلا باسم إلهي».
وقال يعني نفسه: «لا ينبغي للعبد أن يكون أعظم من سيده، ولا للرسول أن يكون أعظم ممن أرسله».
وقال: «إن الله لم يلد ولم يولد، ولم يأكل ولم يشرب، ولم ينم، ولم يره أحد من خلقه، ولا يراه أحد إلا مات».
والمسيح قد أكل وشرب، وولد، ورآه الناس، فما ماتوا من رؤيته، ولا مات أحد منهم، وقد لبث فيهم ثلاثًا وثلاثين سنة.
وقال في إنجيل «يوحنا»: «إنكم متى رفعتم ابن البشر، فحينئذ تعلمون أني أنا هو، وشيء من قبل نفسي لا أفعل، ولكن كل شيء كالذي علمني أبي».
وقال في موضع آخر: «من عند الله أرسلت معلمًا».
وقال لأصحابه: «اخرجوا بنا من هذه المدينة، فإن النبي لا يبجل في مدينته».
وأخبر الإنجيل: «أن امرأة رأت المسيح فقالت: إنك لذلك النبي الذي كنا ننتظر مجيئه. فقال لها المسيح: صدقت، طوبى لك».
[ ٦٢ ]
وقال لتلامذته: «كما بعثني أبي، كذلك أبعث بكم». فاعترف بأنه نبي، وأنه مألوه، ومربوب، ومبعوث.
وقال لتلامذته: «إنّ مَنْ قَبِلكم وآواكم فقد قبلني، ومن قبلني فإنما يقبل من أرسلني، ومن قبل نبيًا باسم نبي، فإنما يفوز بأجر من قَبِل النبي». فبين ها هنا في غير موضع أنه نبي مرسل، وأن سبيله مع الله سبيلهم معه.
وقال «متّى» التلميذ في إنجيله -يستشهد على المسيح بنبوة أشعيا عن الله-: «هذا عبدي الذي اصطفيته، وحبيبي الذي ارتاحت إليه نفسي، أنا واضع روحي عليه، ويدعو الأمم إلى الحق». فلن يحتاج إلى حجة أوضح من هذا القول الذي جعلتموه حجة لكم، فقد أوضح الله أمره، وسماه عبدًا، وأَعلَمَ أنه يضع عليه روحه، ويؤيده بها، كما أيد سائر الأنبياء بالروح، فأظهروا الآيات المذكورة عنهم، وهذا القول يوافق ما بشر به جبريل -المَلَك- مريم حين ظهر لها، وقال القول الذي سقناه في صدر كتابنا.
وقال «يوحنا» التلميذ في الإنجيل عن المسيح ﵇: «إن كلامي الذي تسمعون هو كلام من أرسلني».
وقال في موضع آخر: «إن أبي أجلُّ، وأعظم مني». و«يشهد لي أبي الذي أرسلني».
وقال المسيح لبني إسرائيل: «تريدون قتلي وأنا رجل قلتُ لكم الحق الذي سمعت الله يقوله».
وقال في الرجل الذي أقامه من الموتى: «يا أبي أشكرك على استجابتك دعائي، وأعترف لك بذلك، وأعلم أنك كل وقت تجيب دعوتي، لكن أسألك من أجل هذه الجماعة؛ ليؤمنوا بأنك أنت أرسلتني».
[ ٦٣ ]
وقال شمعون الصفا رئيس الحواريين في الفصل الثاني من قصصهم: «يا رجال بني إسرائيل! اسمعوا مقالتي، إن يسوع الناصري رجل ظهير لكم من عند الله بالقوة، والأيدي، والعجائب التي أجراها على يديه».
قال أبو نصر: وإنما سمى «ناصري»؛ لأن أمه كانت من قرية يقال لها: «ناصرة» في الأردن، وبها سميت النصرانية.
فإذا كانت الشهادات منه على نفسه، ومن الأنبياء عليه، ومن تلاميذه بمثل ما قد بيناه؛ فإن اللغة قد أجازت أن يسمى الولي ابنًا، وقد سماكم الله جميعًا بنيه، وأنتم لستم في مثل حاله.
وقد أقر بأن له إلهًا هو الله، ومن كان له إله فليس بإله، كما تقولون.
فإن قلتم: إن إسرائيل وداود ونظراءهم إنما سُمّوا أبناء الله على جهة الرحمة من الله لهم، والمسيح ابن الله على الحقيقة. -تعالى الله عن ذلك-.
قلنا: يجوز لمعارض أن يعارضكم، فيقول لكم ما تنكرون أن يكون إسرائيل وداود ابني الله على الحقيقة، والمسيح ابن رحمة، وما الفرق؟
هذا «إلياس» أمر السماء أن تمطر فأمطرت، ولم يدع الله في ذلك الوقت، وقد قال الله في السفر الخامس من التوراة لموسى: «أخرج أنت وشعبك الذي أخرجت من مصر، وأنا أجعل معكم ملكًا يغفر ذنوبكم».
فإن زعمتم أن المسيح إله؛ لأنه غفر ذنوب المقعد، فالملك إذًا إله؛ لأنه يغفر ذنوب بني إسرائيل، وإلا فما الفرق؟
[ ٦٤ ]
وقوله: «أنا وأبي واحد» إنما يريد به أن قبولكم لأمري هو قبولكم لأمر الله، كما يقول رسول الرجل: «أنا ومن أرسلني واحد». ويقول الوكيل: «أنا ومن وكلني واحد»؛ لأنه يقوم فيما يؤديه مقامه، ويؤدي عنه ما أرسله به، ويتكلم بحجته، ويطالب له بحقوقه.
وكذلك قول المسيح: «أنا قبل الدنيا» متأول؛ لأنه من ولد إبراهيم، ولا يجوز أن يكون قبل إبراهيم! وهذا سليمان بن داود يقول في حكمته: «أنا قبل الدنيا، وكنت مع الله حيث بدأ الأرض». فما الفرق بينهما؟ وقد قال داود أيضًا في الزبور: «ذكرتك يا رب من البدء، وهديت بكل أعمالك». فإن تأولتم تأولنا، وإن تعلقتم بظاهر الخبر في المسيح؛ تعلقنا بظاهر الخبر في سليمان وداود، وإلا فما الفرق؟ ومعناه أنه أخبر عن نفسه بأن إلهنا معنا، يعني: أن الله معه، ومع شعبه معينًا وناصرًا.
فإن قلتم: إن الخشبة التي صلب عليها المسيح على زعمكم ألصقت بميت فعاش؛ فإن هذا دليل على أنه إله؛ قلنا لكم: فما الفرق بينكم وبين من قال: «إن اليسع إله» واحتج في ذلك بأن کتاب «سفر الملوك» يخبر بأن رجلًا مات، فحمله أهله إلى المقبرة، فلما كانوا بين القبور رأوا عدوًا لهم يريد أنفسهم، فطرحوا الميت عن رقابهم، وبادروا إلى المدينة، وكان الموضع الذي ألقوا عليه الميت قبر اليسع، فلما أصاب ذلك الميت تراب قبر اليسع عاش، وأقبل يمشي إلى المدينة. فإن زعمتم أن المسيح إله؛ لأن الخشبة التي ذكروا أنه صلب عليها ألصقت بميت فعاش؛ فاليسع إله؛ لأن تراب قبره لصق بميت فعاش.
وقد قال السيد المسيح في الإنجيل لتلاميذه لما سألوه عن الساعة والقيامة: «إن ذلك اليوم، وتلك الساعة لا يعرفه أحد، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن أيضًا، ولكن الأب وحده يعرفه». فهذا إقرار منه بأنه
[ ٦٥ ]
منقوص العلم، وأن الله ﵎ أعز وأعلم منه، وأنه خلافه وأعلا منه، وقد بين بقوله: «أحد» عمومه بذلك الخلق جميعًا، ثم قال: «ولا الملائكة» وعندهم من علم الله ما ليس عند أهل الأرض!!
وهل بنيتم أمركم في ذلك إلا على قول «متّى» التلميذ على المسيح ﵇ أنه قال لتلاميذه حيث أراد أن يفارقهم: «اذهبوا، فعمدوا الناس باسم الأب، والابن، وروح القدس»؟ وهذا كلام يحتمل معناه - إن كان صحيحًا - أن يكون ذهب فيه بأن يجمع هذه الألفاظ إلى أن تجتمع لهم بركات الله، وبركة نبيه المسيح، وروح القدس التي يؤيد بها الأنبياء والرسل.
فَلِم حكمتم بأنه ذهب إلى أن هذه الأسماء لما أضافها إلى الله جل وعلا صارت آلهة، وجعلتم لها أقانيم، لكل اسم أقنوم يخصه بعينه، وهو شخص واحد؟! وكيف استجزتم ما أشركتموه مع الله جل وعلا بالتأويل الذي لا يصح؟!
وهذا كلام له مذهب في اللغة القديمة التي جاءت بها الكتب، وليست بموجبة الإلهية؛ إذ كان قد شاركه في هذا الاسم غيره، فلم لا جعلتموه كما جعل نفسه؟!
ثم إن المسيح قال للرجل الذي أتاه فقال له: أيها العالم الصالح، أي الأعمال خير لي، الذي تكون لي حياة إلى يوم الدين؟ فقال له: لم تقول لي: صالحًا. ليس الصالح إلا الله وحده». فاعترف لله بأنه واحد لا شريك له، ونفى عن نفسه فلم يجعلها ولا أحد من الخلق أهلًا لذلك.
وقوله للمرأة التي جاءته فقالت: أنت ذلك النبي الذي كنا ننتظر مجيئه؟ فقال لها المسيح: «صدقت، طوبى لك».
[ ٦٦ ]
ثم قال للشيطان حين اختبره، فسامه أن يلقي نفسه من رأس الهيكل فقال: «أمرنا أن لا نجرب الرب».
ثم سامه أن يسجد له فقال: «أمرنا أن لا نسجد إلا الله وحده، ولا نعبد سواه».
ثم صلاته في غير وقت لله، وآخرها الليلة التي أخذته اليهود فيها. فإذا كان إلهًا -كما زعمتم - فلمن كان يصلي ويسجد؟!!
ثم قول الجموع الذين كانوا معه حين دخل أورشليم (^١) وهي مدينة بيت المقدس على الأتان لمن كان يسأله عن أمره، لما راجت المدينة به: «هذا هو يسوع الناصري النبي الذي من الناصرة».
ثم قوله في بعض الإنجيل: «اخرجوا بنا من هذه المدينة، فإن النبي لا يبجل في مدينته».
وفي موضع آخر أنه قال: «لا يهان نبي إلا في مدينته، وفي بيته وأقاربه».
ما رضيتم بقوله في نفسه، ولا بقول تلامذته فيه، ولا بقول من تنبأ عليه من الأنبياء، ولا قول جموعه الذين تولوه لمن سألهم من مخالفيهم عنه، وتركتم ذلك كله، وأخذتم بآراء قوم تأولوا لكم؟!!
ونجدكم تقولون في المسيح ﵇: «إنه مولود من أبيه، أزلي»!!
إن كان هذا الابن أزليًا على ما في شريعة إيمانكم، فليس هذا بمولود. وإن كان مولودًا، فليس بأزلي.
_________________
(١) معنى (أور شليم): أرض سليم، وهو اسم كنعاني، حيث كان سكان بيت المقدس (القدس) قبل أن يسكنها بنو إسرائيل الذين كانوا في تيه سيناء.
[ ٦٧ ]
وإن كان وجب للأب اسم الأبوة لقدم، فالابن أيضًا يستحق هذا الاسم بعينه؛ إذ كان قديمًا مثله، وإن كان الأب عالمًا عزيزًا، فهو أيضًا عالم عزيز، تشهد شريعة الإيمان له بذلك. وإن كان الأب والابن متكافئين في القدم والقدرة، فبأي فضل وسلطان للأب عليه أمره ونهاه؟!
و«متّى» التلميذ حين بنى كتابه الإنجيل أول ما ابتدأ به أن قال: «كتاب مولد يسوع المسيح ابن داود بن إبراهيم».
فنسبه إلى من كان منه على الصحة، ولم يقل: إنه ابن الله، ولا إنه إله من إله، كما يقولون.
وقول جبريل -الملك- لمريم عند مخاطبته إياها: «إنه ابن داود» على ما ثبت من ذلك في الإنجيل.
ووجدناكم قد ذكرتم في شريعة الإيمان: «أن يسوع المسيح بِكر الخلائق». وبِكر الخلائق لا يكون إلا من الخلائق!
وقد قال الله تعالى في التوراة: «يا ابني بكري» أي: إسرائيل.
وقال في موضع آخر: «إنه نظر بنو الله إلى بنات الناس، فشغفوا بهن». فهل يوجب لآل إسرائيل إلهية بهذا القول؟!
ومما يبين قولنا في خلق المسيح أن هذا الاسم إنما وقع له، لأنه مسح للنبوة والخير، وماسحه الله ﵎. وقد قال داود في زبوره قولًا يشهد على ذلك بعينه: «من أجل هذا البِر مسحك الله إلهك أكثر مما مسح به نظراءك». فأبان داود بهذه الآية معنى المسح بإنجيله، وأن ماسحه الله إلهه، وأنه مصطفى مكرم بزيادة على نظرائه (^١).
_________________
(١) فائدة عزيزة في سبب تسمية المسيح ﵇ بهذا الاسم.
[ ٦٨ ]
وإذا نظر في الإنجيل، وكتب بولس، وغيره ممن يحتج به النصارى، وجد نحوًا من عشرين ألف آية مما فيه اسم المسيح، وكلها تنطق بعبودية المسيح، وأنه مبعوث مربوب، وأن الله اختصه بالكرامات، ما خلا آيات يسيرة مشكلات، قد تأولها كل فريق من أولئك الذين وضعوا الشريعة باختيارهم على هواهم، فأخذوا بذلك التأويل الفاسد، وتركوا المعظم الذي ينطق بعبوديته.
فلو كانوا قصدوا الحق لردوا تلك المشكلات الشاذة اليسيرة -التي يوجد لها من التأويل خلاف ما يتأولونه- على الواضحات الكثيرة التي قد بانت بغير تأويل.
ومن أعجب العجب أن تكون أمة كتابها، ودعوتها، ومعبودها واحدًا يتمسكون بأمر المسيح ﵇، وتلامذته، وإنجيله، وسنته، وشرائعه، وهم مع ذلك مختلفون فيه أشد الاختلاف:
فمنهم من يقول: إنه عبد.
ومنهم من يقول: إنه إله.
ومنهم من يقول: إنه ولد.
ومنهم من يقول: إنه أقنوم وطبيعة.
ومنهم من يقول: إنه أقنومان وطبيعتان.
وكل منهم يكفر صاحبه، ويقول: إن الحق في يده.
ووجدنا قومًا منكم إذا نوظروا في ذلك قالوا: قد وجدنا أكثر الأديان يختلف أهلها فيها، ويتفرقون على مقالات شتّى هم عليها، وكل منهم يدعي أن الصواب في يده.
[ ٦٩ ]
فَلَم يختلف أهل دين من الأديان في عقد معبودهم، ولا شكّوا فيه، ولا تفرقوا القول فيما اختاروه إلا أهل ملل النصرانية فقط.
وسائر من سواهم إنما اختلفوا في فروع من فروع الدين وشرائعه، مثل اختلاف اليهود في أعيادهم، وسنن لهم، ومثل اختلاف المسلمين في القدَر، فمنهم من قال به ومنهم من دفعه، وفي تفضيل قوم من أصحاب محمد ﷺ على نظرائهم، بعد اتفاق جماعتهم على إلههم، ومعبودهم، وخالقهم، وأن الله إله الخلق كلهم، واحد لا شريك له، ولا ولد.
ثم اتفاقهم بعد ذلك على نبيهم محمد ﷺ لا يشكون فيه، وعلى القرآن، وأنه کتاب الله المنزل على محمد المرسل، لا يختلفون فيه.
فإذا صح اتفاقهم على هذه الأصول كان ما سواها خللًا لا يقع معه كفر، ولا يبطل به دين.