وكثيرٌ من عقلاء أهل الكتاب يعظمون محمدًا ﷺ؛ لما دعا إليه من توحيد الله تعالى، ولما نهى عنه من عبادة الأوثان، ولما صدّق التوراة والإنجيل والمرسلين قبله، ولما ظهر من عظمة القرآن الذي جاء به، ومحاسن الشريعة التي جاء بها، وفضائل أمته التي آمنت به، ولما ظهر عنه وعنهم من الآيات والبراهين والمعجزات والكرامات. لكنهم يقولون مع ذلك: إنه بعث لغيرنا، وإنه ملك عادل له سياسة عادلة، وإنه مع ذلك حَصّل علومًا من علوم أهل الكتاب وغيرهم، وأنه وضع لهم ناموسًا بعلمه، ورتّبه؛ كما وضع أكابرهم لهم القوانين والنواميس التي بأيديهم. ومهما قالوه من هذا؛ فإنهم لا يصيرون به مؤمنين به.
ومن جهلاء أهل الكتاب - الذين يقولون: إنه كان ملكًا مسلّطًا عليهم، وأنه رسول غضب، أرسله الله إرسالًا كونيًا؛ لينتقم به منهم، كما أرسل بختنصر وسنحاريب على بني إسرائيل، وكما أرسل جنکس خان (^١) وغيره من الملوك الكافرين والظالمين -مما ينتقم به ممن عصاه -. فهؤلاء
_________________
(١) جنكيز خان Genghis Khan.
[ ٣٢ ]
أعظم تكذيبًا له وكفرًا به من أولئك؛ فإن هؤلاء
الملوك لم يقل أحد منهم إن الله أنزل عليه كتابًا، ولا أن الله أمركم أن تصدقوني فيما أخبرتكم به.