والمسيح كان لسانه عبريًا ولم يكن يتكلم إلا بالعبرية، كسائر أنبياء بني إسرائيل، وكذلك ألسنة الحواريين الذين اتبعوه أولًا، ثم إنه أرسلهم إلى الأمم يخاطبونهم، ويترجمون لهم ما قاله المسيح. ومن قال: إن لسانه كان سريانيًا -كما يظنه بعض الناس- فهو غالط، فالكلام المنقول عنه في الأناجيل إنّما تكلم به عبريًا، ثم ترجم من تلك اللغة إلى غيرها (^٢).
_________________
(١) في لغة اليهود العبرية القديمة؛ كل متمسك بالدين يسمونه: من عيال الله؛ بمعنى: الاصطفاء والمحبة والتربية. لكن المحرّفين من النصارى ترجموها حرفيًا إلى: ابن الله، وحملوها على البنوة الطبيعية.
(٢) وقد غلط كذلك من ادعى أن لغة المسيح هي الآرامية، فقد كانت هناك حركة للترجمة من العبرية إلى الآرامية خاصة بعد التهجير البابلي، و(الترجوم) كلمة آرامية من الأصل الأكادي «تورجومانو» وهي تعني «مترجم» إلى اللغة الآرامية خاصةً، ويُطلَق هذا المصطلح على الترجمات الآرامية للكتاب المقدَّس، وأشهرها الترجوم المنسوب إلى أونكيلوس ٢٠٠ م.
[ ٤٢ ]
وادعى النصارى أربع دعاوى باطلة في أناجيلهم: أنها موجودة باثنين وسبعين لسانًا، وأنها متفقة، وأنها كلها منقولة عن الحواريين، وأن الحواريين معصومون (^١).
_________________
(١) في أول الأناجيل جاء قولهم: قال المعلم. وعند يوحنا على لسان عيسى وهم يحاكمونه: "إلهكم وإلهي" و"ربي وربكم" و"أبي وأبيكم". فدل على بشريته وأن له ربًا وإلهًا. وأقدم مخطوطات أناجيل النصارى المعلنة لديهم ثلاث غير متفقة، وهي:
(٢) النسخة السينائية CODEX SINAITICUS التي وجدت في سيناء (يعتبرونها المرجع).
(٣) النسخة الأسكندرية CODEX ALEXANDRINUS التي وجدت في الإسكندرية.
(٤) النسخة الفاتيكانية Codex Vaticanus. وكلها يذكر أنها موجودة في الفاتيكان، وبعضها في روسيا، وأنها من القرن الخامس بعد الميلاد، فبين أقدم مخطوطة وبين المسيح: خمسة قرون ليس فيها أي علم إسناد أو علم رجال أو سند متصل، وهي في الواقع صناعة رومانية، وإن بدأت كصناعة إغريقية. فزوروا وأضافوا نصوصًا على هذه المخطوطات، وتلاعبوا في ترجمتها؛ ففي المخطوطات القديمة لإنجيل مرقص ينتهي النص إلى ١٦ - ٩. لكن في الأناجيل الحديثة ينتهي النص إلى ١٦ - ٢٠، فأضافوا أحد عشر كذبة لأهميتها في عقديتهم المحرفة التي لم يأت بها المسيح؛ وذلك أنهم زعموا أن المسيح لما صلب وقام من الموت؛ لم يره أحد من أتباعه، فكيف يبررون علمهم بقيامه من قبره؟ فأضافوا هذه الزيادات، وقالوا: رآه خمسة آلاف شخص، وذهب إلى طبرية، وهناك أحضر لهم قليلًا من السمك والعسل، وباركها، فأكلوا منها جميعًا، ثم رفع للسماء. وورد ذكر مكة وزمزم في كتبهم (في وادي غير ذي زرع في بكة) هكذا وردت عندهم بالباء؛ كما في القرآن، لكنهم في الترجمات العربية حرفوها بحسب مكان طباعة الترجمة، وحسب وجود العرب في منطقة الترجمة؛ للكذب والتعمية على العرب، ففي لبنان ترجمت إلى (وادي البكاء)، لكن في الترجمة الفرنسية الكاثوليكية المطبوعة في لبنان كتبت (وادي الدموع). وفي الترجمة الفرنسية المطبوعة في فرنسا تركت كما هي (في بكة)، وفي الترجمة الإسبانية في جنوب أمريكا تركت كما هي (في بكة)، لكن الترجمة الإسبانية المطبوعة في إسبانيا لوجود العرب والخلفية الأندليسية ترجمت إلى (وادي الدموع). والأناجيل كتبت باللغة الإغريقية القديمة الكونيجريك قصدًا من الكنيسة حتى لا يقرأ النصارى حرفًا من كتابهم، وأول من ترجم الكتاب المقدس بشقيه للغة حية مقروءة ومكتوبة وهي الألمانية هو مارتن لوثر Martin Luther، وحكموا عليه بالهرطقة، قيل: لأنه قرأ كتاب التوحيد لابي حيان الأندلسي وكتب بعده ٩٠ سؤالًا ودقها على باب رئيس الدير وطلب الإجابة منه، وقال: "وإلا سأعترض" (آي بروتست i protest) فسموهم: البروتوستانت (الإعتراضيين). وكانت الكنيسة في روما مستمرة في لعن وعداوة اليهود، وقامت حملات عارمة تزعمها البابا لتنظيف المجتمعات الأوروبية من اليهود، فلما ظهرت الحركة البروتستانتية النصرانية ابتهج اليهود بهذه الحركة ووجدوا فيها متنفسًا لهم وفرصة للانتقام من البابا وأتباعه وضرب النصارى بعضهم ببعض؛ فسخروا مكرهم ودهاءهم وأموالهم لنشرها وإشعال الحرب بين النصارى. وبعدها قتل مارتن لوثر في حرب ألمانيا (حرب الثلاثين سنة) التي قُتل خلالها عشر ملايين شخص من البروتوستانت، قتلهم شارلمان، وبقاياهم هربوا إلى أمريكا وسموا نفسهم الحجاج. وانشق البروتوستات عن الكاثوليك، فأول من بدأ النقد النصي والتعديل في الأناجيل textual هم البروتوستانت، وأما الكثالوليك والأرثودوكس فرفضوا في بداية الأمر إلى نهاية القرن التاسع عشر بداية القرن العشرين. ثم انشق البروتستانت إلى المعمدانيين والمشيخيين، وتكونت فرق المورمن والبابتست والميثاديست وسفن دي أدفاندس والسبتيين وغيرهم. ويوجد اليوم أيضًا من فرق النصارى: الآشوريين في شمال سوريا ومناطق العراق، والكلدانيين، والنساطرة، واليعاقبة. كلهم موجودون اليوم، واختلافهم في طبيعة المسيح، يقولون انبثق من الأب فقط، أو من الأب والروح القدس، أو له طبيعتان لاهوتية وناسوتية. وكل واحد يكفر الآخر. فلما بدؤوا يقرؤون كتابهم بعد الترجمات إلى اللغات الحيّة؛ لم يجدوا عقيدتهم وكل تحريفاتها في كتابهم، لذلك اخترع الفاتيكان قانونًا كنسيًا سموه (كانونيكان) يعني القانون الإلهي، ويعنون أن النص (الكتاب) ليس فقط هو المشرِّع، (مثل حق الفيتو)؛ أي أن كلام البابا في الفاتيكان أهم من كلام الكتاب المقدس، وأكبر عالم أمريكي نصراني في علم (النقد النصي -الذي بدأ في عام ١٧٢٥ م في ألمانيا-) بروفيسور بارت إيرمان Bart D.Ehrman وهو اليوم عميد كلية اللاهوت في جامعة نورث كارولاينا بأمريكا University of North Carolina؛ كتب كتابه: (قصة من حرّف الكتاب المقدس ولماذا Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed the Bible and Why) ومن بعده ألّف كتابًا آخر سماه: (المنحول Forged) يعني أن الكتاب المقدس كله ليس فيه شيء ولا كلمة من النصرانية ولا كلام المسيح ﵇. ولا تتعجب حين تسمع بعض مؤرخي النصارى المعاصرين يقول: "إنّ المخطوطات الأصلية للكتاب المقدس إما أنها فقدت أو مخبأة أو لم تعد موجودة، وتأريخ الأناجيل وكتب العهد الجديد الأخرى هو في أحسن الأحوال: (تخمين) ".
[ ٤٣ ]
والتوراة التي عند السامرة تُخالف توراة اليهود والنصارى حتى في العشر الكلمات، فذَكر السامرة فيها من أمر استقبال الطور ما لا يوجد في نسخ اليهود والنصارى، وكذلك بين نسخ اليهود والنصارى اختلاف معروف، ونسخ الإنجيل مختلفة، ونسخ الزبور مختلفة اختلافًا أكثر من ذلك.
[ ٤٤ ]
فإذا قالت النصارى: نسخنا هي الصحيحة. لم يكن هذا أولى من قول اليهود: نسخنا هي الصحيحة. بل معلوم أن اعتناء اليهود بالتوراة أعظم من اعتناء النصارى.
وبين توراة اليهود والنصارى والسامرة: اختلاف، وبين نسخ الزبور اختلاف أكثر من ذلك، وكذلك بين الأناجيل، فكيف بنُسَخِ النبوات؟! (^١)
والأناجيل التي بأيدي أهل الكتاب فيها ذكر صلب المسيح، وعندهم أنها مأخوذة عن الأربعة: مرقس، ولوقا، ويوحنا، ومتى؛ مع أنه لم يكن في هؤلاء الأربعة من شهد صلب المسيح، ولا من الحواريين، بل ولا في أتباعه من شهد صلبه، بل كان الحواريون خائفين غائبين، فلم يشهد أحد منهم الصلب، وإنما شهده اليهود وهم الذين أخبروا الناس أنهم صلبوا المسيح، والذين نقلوا أن المسيح صُلب من النصارى وغيرهم إنما نقلوه عن أولئك اليهود، وهم شُرَط من أعوان الظلمة، لم يكونوا خلقًا كثيرًا يمتنع تواطؤهم على الكذب.
وكاتبوا الأناجيل عندهم أربعة، وهم يدعون أن كل واحد كتبها بلسان، كتبت باللسان العبري، والرومي، واليوناني، مع أن في بعض الأناجيل ما ليس في بعض، وإذا كان كل واحد من الأربعة كتب إنجيلًا بلسانه؛ لم يكن هناك إنجيل واحد أصلي ترجع إليه الأناجيل كلها.
وليس مع النصارى نقل متواتر عن المسيح بألفاظ هذه الأناجيل. ولا نقلٌ لا متواترٌ ولا آحادٌ بأكثر ما هم عليه من الشرائع. ولا عندهم ولا عند اليهود نقلٌ متواترٌ بألفاظ التوراة ونبوات الأنبياء كما عند المسلمين
_________________
(١) المراد بالنبوات: ما يروونه عن أنبياء بني إسرائيل من كتب ورسائل أضافوها إلى كتابهم المقدس غير التوراة والإنجيل والزبور.
[ ٤٥ ]
نقلٌ متواترٌ بالقرآن وبالشرائع الظاهرة المعروفة للعامة والخاصة، ومن الألفاظ التي بأيديهم ما لا تناقض ما أخبر به محمد ﷺ بل تدل على صدق محمد ﷺ.
وأما الإنجيل الذي بأيديهم فهم معترفون بأنه لم يكتبه المسيح ﵇ ولا أملاه على من كتبه، وإنما أملوه بعد رفع المسيح: متى ويوحنّا، وكانا قد صحبا المسيح، ولم يحفظه خلق كثير يبلغون عدد التواتر، والحواريون كلهم اثنا عشر رجلًا. ومرقس ولوقا لم يريا المسيح ﵇، وقد ذكر هؤلاء أنهم ذكروا بعض ما قاله المسيح، وبعض أخباره، وأنّهم لم يستوعبوا ذكر أقواله وأفعاله. ونقل اثنين وثلاثة وأربعة يجوز عليه الغلط، لا سيما وقد غلطوا في المسيح نفسه حتى اشتبه عليهم بالمصلوب.
والنصارى متفقون على أن هذه المقالات الأربعة التي يسمونها الإنجيل -وقد يسمون كل واحد منها إنجيلًا- إنما كتبها هؤلاء بعد أن رُفع المسيح، فلم يذكروا فيها أنها كلام الله، ولا أن المسيح بلّغها عن الله، بل نقلوا فيها أشياء من كلام المسيح، وأشياء من أفعاله، ومعجزاته، وذكروا أنهم لم ينقلوا كل ما سمعوه منه ورأوه، فكانت من جنس ما يرويه أهل الحديث، والسير، والمغازي عن النبي ﷺ من أقواله، وأفعاله التي ليست قرآنًا.