ومن المهم في هذه المقدمة معرفة أصل موقف اليهود النصارى (^١) من المسيح وشريعته، وأوجز هنا كلامًا لبعض المؤرخين عن ذلك -وأغلبه من كلام الإمام ابن كثير ﵀ حيث ذكروا: أنَّ اليهود كذّبوا المسيح ﵇، ورفضوا أن ينسخ شيئًا من أحكام التوراة، وكانوا يزعمون أن المسيح ساحر كذاب، بل يقولون: إنه ولد غَيّة (زنا)، وقالوا على أمه بهتانًا عظيمًا، وحرّضوا عليه وسعوا في قتله، وقالوا: إن النصارى ليسوا على شيء من الدين الصحيح. واستمر المسيح ﵇ في دعوته مراغمًا لليهود الذين أرادوا قتله، جريًا على عادتهم في قتل الأنبياء. واستعانت اليهود -قبحهم الله -على معاداة عيسى ﵇، بملوك اليونان، ووَشَوا عندهم، وأوحَوا إليهم أن هذا يفسد عليكم الرعايا، فبعثوا من يقبض عليه. ولَمَّا أراد اليهود قتل المسيح عِيسَى بن مريم ﵇ وأراد الله أن يرفعه إلى السماء، خرج المسيح إلى أصحابه - وهم اثنا عشر رجلًا - من عينٍ في البيت، ورأسه يقطُر ماءً، فقال لهم: أما إنّ منكم من سيكفر بي اثنتي عشرة مرةً بعد أن آمن بي، ثم قال: أيّكم سيُلقَى عليه شَبَهي فيُقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟، فقام شاب من أحدثهم سنًا، فقال: أنا، فقال عيسى: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا، فقال: نعم،
_________________
(١) مما يذكره بعض المؤرخين أن النصارى نسبوا للناصرة، لأن عيسى من قرية الناصرة، واليوم يغضبون من وصفهم بالنصارى، ويريدون أن يوصفوا بالمسيحيين. في حين أن اليهود يصفون النصارى ب (Nazorean) يعني النصارى، والنصارى لا يعترضون عليهم. وتسمية النصارى ب (المسيحيين) هي في أصلها مسبة للنصارى، حيث إن أهل أنطاكية أعداء النصارى كان يشتمون النصارى بأنهم (مسيحيين) أي: عبّاد المسيح.
[ ٣ ]
أنت ذاك. فأُلقي عليه شَبَهُ عيسى، ورفع عيسى ﵇ من رَوْزَنَةٍ (نافذة في السقف) كانت في البيت إلى السماء. وسيعود ﵇ وينزل من السماء قبيل قيام الساعة حاكمًا بالإسلام.
وبعد رفع عيسى ﵇ إلى السماء جاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشبيه فقتلوه، ثم صلبوه، ثم زعم اليهود أنهم قتلوا عيسى وصلبوه وقالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾، وحقيقة الأمر أنهم كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ١٥٧ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ١٥٨﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨].
ثم كان الخراب الثاني لبيت المقدس، فبعث الله إليهم ملكا من ملوك بابل يقال له: خردوس، فسار إليهم بأهل بابل وظهر عليهم بالشأم، وقد قيل: هذا تأويل قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨]. وبعد الخراب الثاني تفرقوا في الأرض، ومن حينئذ زال ملكهم وقطعهم الله في الأرض أممًا، وكانوا تحت حكم الروم والفرس ولم يبق لهم ملك.
وجاء بولس (شاؤول اليهودي) (^١) وهو أول من حرف الديانة النصرانية، ولم يكن من تلاميذ المسيح، ولم تثبت له رؤية المسيح عليه
_________________
(١) كان بولس من اليهود الفريسيين، وهم: مجموعة يهودية تقول بأن الإله أوحى شريعة مكتوبة وأخرى شفهية لموسى ﵇. ويخالفهم اليهود الصدوقيين وهم: مجموعة يهودية ترفض وجود الشريعة الشفوية، وتنسب إلى الكاهن صدّوق. وهناك أيضًا اليهود السامريون. وقد كتب بولس رسائله قبل كتابة الأناجيل الأربعة، والأناجيل الأربعة استوحت دينهاالمحرف من رسائل بولس، لكن محرري العهد الجديد دلسوا على الناس، فجعلوا الأناجيل الأربعة في الترتيب قبل رسائل بولس، لإيهام أتباعهم من النصارى أن بولس استوحى رسائله من الأناجيل وليس العكس؛ فبولس هو صانع النصرانية اليوم. ويقول بولس: إذا كان كذبي من أجل تمجيد الرب، فلماذا أسمى خطّاءً؟! ويقول: "ليس هناك شيء طيب فيّ، ما لا أريد أن أفعله أفعله". ومرة يقول: "أنا مع اليهود يهودي، ومع الوثنيين وثني، ومع من هم تحت الشريعة، ومع من هم فوق الشريعة وخارج القانون". ومع ذلك جعلوه القديس المبجل سانت بول St Paul وهو الذي غير اسمه من (شاؤول) إلى (بولس) ليخفي تاريخ قتله للنصارى، وادعى أن المسيح جعل نفسه لعنة ليحرر الناس من لعنة الناموس (شريعة التوراة) فكان بولس يحرض على ترك التوراة. ومن العجيب أن النصارى ورد لديهم في النبوءات في إنجيلهم: "من قال كلمة على الشريعة أو حث الناس على تركها، سوف يجعل الأصغر في هذه الدنيا". ومعنى كلمة باولوس في اللغة اليونانية القديمة: الأصغر. فأوقع شاؤول نفسه في ذلك بتغيير اسمه إلى بولس وهو لا يدري؛ لجهله وكذبه. وقد أراد الحواريان بطرس (بيتر) وجيمس (ابن يوسف النجار) قتله، لكنه هرب منهما إلى اليونان، وبشر بدينه في اليونان وقال: أنا للأغيار.
[ ٤ ]
السلام في حياته، وكان بولس عارفًا بالفلسفة الإغريقية ومدرسة الإسكندرية (^١) متأثرًا بالفلسفة الأفلاطونية والرواقية التي تنبذ المادة والجسم وتعتبرهما شرًّا وخبثًا، وبالطقوس الوثنية في التضحية الفدائية للتكفير عن خطايا الناس، حسب عقيدة بلاد اليونان التي تؤمن بالآلهة التي ماتت لتفتدي بموتها بني الإنسان.
وكان بولس من أشدّ الناس اضطهادًا وتعذيبًا لأتباع المسيح ﵇، ثم تظاهر بالنصرانية وادعى أنه التقى مع المسيح وأن المسيح ظهر له فجأة في الطريق، وتحول بولس من عدو لأتباع المسيح إلى مغيّر لرسالة المسيح، واختلق عقيدة التثليث للنصارى، ودعا إلى تأليه المسيح وأنه ابن الله، وزعم أن المسيح صلب تكفيرًا عن خطيئة آدم وفداء عن البشرية وإثمها الذي تحملته بعد ذلك، لكي يجد مبررًا لصلب المسيح حسب ما
_________________
(١) كانت الإسكندرية المركز الإشعاعي للفكر اليوناني، ونسبت لليونان لأنهم احتلوا الاسكندرية وقضوا على الفراعنة.
[ ٥ ]
توهمه، وكتب كتابًا يحوي أربع عشرة رسالة ادعى أتباعه أنه كتبها بالإلهام، وهي التي تشكلت منها الديانة النصرانية المحرفة، ونَسَخَ الختان، واستبدل السبت بالأحد، إلى غير ذلك من تحريفاته، كما زعم بولس أن المسيح سيحاسب الناس يوم القيامة.
وعقيدة التثليث التي ابتدعها بولس لم يأت بها نبي من الأنبياء، ولا نزلت في كتاب من الكتب السماوية، ولم ترد في التوراة، وعلماء اليهود من عهد موسى ﵇ إلى هذا الزمان لا يعترفون بعقيدة التثليث، ولا يرضون بنسبتها إلى كتبهم.
وأدت انحرافات بولس إلى افتراق برنابا الحواري عنه في رحلاته، وكتابته لإنجيل برنابا (^١) الذي صرح فيه بتوحيد الله تعالى وبالبشارة بالنبي محمد ﷺ وقال ببشرية عيسى ﵇ وأنكر صلبه، وذكر أنه ألقي الشبه على يهوذا الإسخريوطي؛ كما ذكر أن الذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق.
_________________
(١) أقدم خبر عن إنجيل برنابا كان قريبًا من عام ٤٩٢ م، حين أصدر البابا جلاسيوس الأول أمرًا يحرم فيه مطالعة عدد من الكتب، كان منها كتاب يسمى إنجيل برنابا، وهذا كان قبل مبعث النبي محمد ﷺ، ثم لم يظهر له خبر بعد ذلك إلا في أواخر القرن السادس عشر الميلادي؛ حيث عثر الراهب اللاتيني فرامرينو على رسائل لإريانوس يندد فيها ببولس، وأسند إريانوس تنديده هذا إلى إنجيل برنابا، فحرص هذا الراهب على الاطِّلاع على هذا الإنجيل وبحث عنه إلى أن وجده في مكتبة البابا سكتس الخامس، وطالعه بشغف شديد ثم أسلم. كما عثر كريمر أحد مستشاري ملك بروسيا على نسخة لإنجيل برنابا باللغة الايطالية عند أحد وجهاء مدينة أمستردام، وأهداها كريمر إلى الأمير إيوجين سافوي ثم انتقلت إلى مكتبة البلاط الملكي في فيينا، حيث هي موجودة الآن، وقد ترجمت إلى الإنجليزية وغيرها.
[ ٦ ]
وكان الإنجيل كتابًا موجودًا ومعروفًا لدى النصارى الأوائل (^١) بأنه (إنجيل الله) أو (إنجيل المسيح)، وقد ذكره بولس في رسائله، لكن النصارى لا يعرفون شيئًا عن مصير ذلك الإنجيل، ولا أين ذهب، وقد صار عند النصارى -بدل ذلك الإنجيل الواحد- أناجيل كثيرة مختلفة ومتناقضة، أشهرها أربعة أناجيل من طريق مرقس ولوقا ومتى ويوحنا، وليس لها سند متصل، وهي أشد اختلافًا وتحريفًا وأكثر زيادةً ونقصًا وأفحش تفاوتًا من التوراة المحرفة.
وأصبح لدى اليهود التوراة التي لم تسلم من التحريف والتبديل والتي يؤمن بها اليهود والنصارى وتتكون من الأسفار الخمسة المنسوبة لموسى، وأضافوا معها الأسفار التاريخية المنسوبة لعدد من الأنبياء، وأسفار الشعر والحكمة وتنسب في غالبها إلى داود وسليمان، ومن المزامير ما ينسب إلى آخرين مجهولين، والأسفار النبوية وتتكون من سبع عشرة سفرًا، وأسفار الأبوكريفا السبعة وبعض الكنائس المسيحية تزيد أسفارًا أخرى.
ولدى النصارى مجموعة الأناجيل الأربعة والرسائل الملحقة بها، وتنسب إلى ثمانية من المحررين ينتمون إلى الجيل الأول والثاني من
_________________
(١) النصرانية الحقيقية التي كانت في القرون الأولى بعد ميلاد المسيح انقرضت، وأصحابها هم (الأريسيون) وقد يسمّون الأبونايت أو الأبنويين، وهم موحدون. وعاد ذكرهم مؤخرًا في ضجة إعلامية من خلال لفائف مخطوطات البحر الميت التي عثر عليها سنة ١٩٤٧ م، ووضعت في دير الكاثوليك ونسخة منها لبعثة CIA في دمشق، ودرسوا تاريخها بإشعاع الجلد (كاربون ١٤) Radiocarbon dating حيث وجدوا أن عمرها من القرن الأول، ومكتوبة بحروف عبرية، وهي أقدم مخطوطاتهم. فلما بدؤوا ترجمتها؛ أخفوا هذه المخطوطات؛ لأنهم وجدوها من أتباع المسيح الموحدين الذين هربوا من القتل في القدس ولجؤوا إلى قرية قُمران على شاطئ البحر الميت، ووجدوا فيها أن الموحدين يقولون إن المسيح نبي، وأنه معلِّم، وأنه لم يصلب، وأنه قال: "لدي أشياء لا تحتملوها لكن عندما يأتي محمد سيعطيكم كل ما تحتاجونه إلى آخر يوم في حياتكم".
[ ٧ ]
النصرانية، وهم متى ومرقس ولوقا ويوحنا أصحاب الأناجيل، ثم بولس صاحب الأربع عشرة رسالة، ثم بطرس ويعقوب ويهوذا، تلاميذ المسيح الذين تنسب إليهم القليل من الرسائل.
وقد أخبر الله جل وعلا عن تحريف اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل، وجاء في القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٧٨﴾ [آل عمران: ٧٨]، وقوله جل وعلا: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ٧٩﴾ [البقرة: ٧٩]، وقال الله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، ودل على تحريف كتبهم التي بين أيديهم: انقطاع سندها، والتناقض الواضح بين نصوصها، واختلاف نُسخها وعدد أسفارها، وشهادة بعض علماء اليهود والنصارى على وقوع التحريف في كتبهم؛ وخاصة من رجع منهم إلى الحق واتبع شريعة محمد ﷺ.
ثم إن النصارى -بعد فتنة بولس وتحريفه لدين المسيح ﵇ تفرقوا واختلفوا ثلاث فرق، فقالت فرقة: كان فينا الله ما شاء، ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية أصحاب يعقوب البرادعي (الأرثدوكس)، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النَسطُورية أصحاب نَسْطُورَس (الكاثوليك)، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله، ثم رفعه الله إليه،
[ ٨ ]
وهؤلاء هم المسلمون المتبعون للمسيح ﵇، ومنهم الأريوسيّة أصحاب عبد الله بن أَرْيُوس.
فأما النسطورية والعقوبية وما تفرع عنهم من فرق كافرة؛ فكل فرقة من هؤلاء تكفر الأخرى وتعتقد تخليدهم في نار جهنم ولا ترى مجامعتهم في المعابد والكنائس، وكلهم يقول بالتثليث، ولكن بينهم اختلاف في الحلول والاتحاد فيما بين اللاهوت والناسوت هل تدرعه؟ أو حل فيه؟ أو اتحد به؟، واختلافهم في ذلك شديد وكفرهم بسببه غليظ (^١).
وبعد رفع المسيح ﵇ بثلاثمائة سنة اختلف البتاركة الأربعة وجميع الأساقفة والقساوسة والشمامسة والرهابين في المسيح على أقوال متعددة لا تنحصر ولا تنضبط واجتمعوا وتحاكموا إلى الملك قسطنطين -باني القسطنطينة- فلجؤوا للتصويت وقرروا عقيدة التثليث في مجمع نيقية سنة ٣٢٥ م (^٢)، وصار الملك إلى قول أكثر فرقة اتفقت على
_________________
(١) في القرن الثاني الميلادي حصل انقسام بين النصارى في المرجعية؛ فصار هناك مرجعان: مرجع في القسطنطينية للأرثدوكس، ومرجع في الفاتيكان للكاثوليك. أما الكاثوليك في روما فقد تأثروا بالفلسفات الإغريقية التي لديها أن زيوس هو «أب الآلهة والبشر». يتزوج إنسيات وينجب منهن نصف إله ونصف بشر. وأما الأرثدوكس فيقولون إنه إله دائم، ويصفونه أنه عطشان، جائع، خائف، هارب، أخطأ، وقُتل. ثم إن الأرثدوكس في بيزنطة انشقوا عن الكاثوليك بعد مجمع خلقدونيا (من المجامع المسكونية ٤٥١ م) بسبب الإتاوات المالية ونهبها من الناس. وفي إنجلترا لما أراد هنري الثامن أن يطلق زوجته (آن) ورفض البابا، فانشق عن الكنيسة وأنشأ الكنيسة الإنجليكانية.
(٢) مجمع نيقية أول مجمع للكنيسة العالمية، و(نيقية) قريبة من إزمير بتركيا، وكانت المركز الصيفي للإمبراطور البيزنطي. ومما يروى في قصة مجمع نيقية أنه كان في القرن الرابع الميلادي اثنان من أكبر بطارقة النصارى؛ الأول: آريوس وهو مطران ليبيا، وكان يقول: إن عيسى إنسان ونبي. والثاني: أثناسيوس، كان مقربًا من الرومان ويلتمس ود الإمبراطور الروماني، وفي الديانة الرومانية عقيدة الثالثوث، وابن الإله، فقال: إن عيسى ابن الله. وقامت صراعات بين أتباعهما في عهد قسطنطين الوثني، الذي جمع القساوسة، في نيقية، وقال لهم: كل واحد يحضر إنجيله، ولكي نعرف الحق منها؛ ضعوها تحت الطاولة، ونسأل الرب أن يرينا الحق غدًا، فوُضعت الأناجيل الكثيرة تحت الطاولة، ومنها: أناجيل متى ومرقص ولوقا، وهذه الثلاثة تسمى (كانونيكال canonical) وتشبه بعضها؛ لأنهم كان ينقلون من بعضهم البعض. ووضع أيضًا منها إنجيل يوحنا، هو الوحيد الذي كتبها بعدهم بحوالي خمسين سنة وكان أكثر تطرفًا. وفي الليل استدعى قسطنطين البطريق أثناسيوس وطلب منه أن يختار الأناجيل التي يريدها؛ فاختار الأناجيل الأربعة من بين جميع النسخ، ووضعها على الطاولة. وفي اليوم التالي أعلن الملك أن الرب اختار لهم هذه الأناجيل وأن عليهم أن يتبعوها ويحرقوا ما خالفها.
[ ٩ ]
قول من تلك المقالات، فسُمّوا: الملائكة، وسموا أيضًا: الملكية نسبة إلى الملك، فنصرهم وبنى لهم آلاف الكنائس ذات التصاوير والتماثيل ودحض من عداهم.
وخالف أغلب النصارى أحكام التوراة والإنجيل في أشياء كثيرة شرعوها لأنفسهم، فمن ذلك صلاتهم إلى الشرق وليست منصوصًا عليها ولا مأمورًا بها في شيء من الأناجيل الأربعة، وعمدوا في بناء كنائسهم إلى ما كان من بناء اليونان وحولوا محاريبها إلى الشرق لأنها مطلع الكواكب النيرة وقد كانت تلك الأبنية إلى الشمال إلى الجدي، وصلوا إلى الشرق ولم يكن المسيح صلى إلا إلى صخرة بيت المقدس، وهكذا تصويرهم الصور والأصنام في كنائسهم ولم تكن مصورة قبل ذلك، وتركهم الختان، ونقلهم صيامهم إلى زمن الربيع، وزيادته إلى خمسين يومًا، وأحلوا أشياء هي حرام بنص التوراة ومن ذلك أكل الخنزير، ووضعهم عقيدة التثليث المتناقضة التي يحفظها أطفالهم ونساؤهم ورجالهم التي يسمّونها ب (الأمانة) (^١)
_________________
(١) يعني عقيدة (الأمانة) التي فيها التثليث والحلول والاتحاد وغيره مما قرره كبراؤهم مع الملك قسطنطين في مجمع نيقية سنة ٣٢٥ م، وسيأتي ذكرها في فصل (عقيدة الأمانة الموضوعة في مجمع نيقية ٣٢٥ م).
[ ١٠ ]
ويختلفون في تفسيرها وهي في الحقيقة أكبر الكفر والخيانة، وابتدعوا (الرهبانية) وهي ترك التزويج لمن أراد التعبد وتحريمه عليه، وكتبوا القوانين التي وضعتها لهم الأساقفة الثلاثمائة والثمانية عشر، فكل هذه الأشياء ابتدعوها ووضعوها في أيام قسطنطين بن قُسطن باني القسطنطينية باتفاق معه، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله؛ يحرمون لهم ما أحل الله، ويحلون لهم ما حرم الله؛ فيتبعونهم.
ثم تظاهرت الفرق الكافرة (الملكية والنسطورية واليعقوبية) على المسلمة (الأريوسية)، فقاتلوها وحرضوا عليها الملك. وكان في الأريوسيين النصارى مؤمنون موحدون يقرءون التوراة، فقيل للملك قسطنطين: ما نجد شتمًا أشد من شتم هؤلاء، إنهم يقرءون: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ وهؤلاء الآيات يعيبون بها أعمالنا في قراءتهم، فادعهم فليقرؤوا كما نقرأ، وليؤمنوا كما آمنا، فدعاهم فجمعهم، وعرض عليهم القتل، أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك؟، دعونا. فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا، فلا نرد عليكم. وقالت طائفة منهم: دعونا نسيح في الأرض ونهيم، ونشرب كما يشرب الوحش، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا. وقالت طائفة: منهم ابنوا لنا دورًا في الفَيافي ونحتفر الآبار، ونحترث البقول، فلا نرد عليكم ولا نمرّ بكم، -وليس أحد من القبائل إلا وله حميم فيهم- ففعلوا ذلك، وتفرق أصحابها فسكنوا البراري والبوادي وبنوا الصوامع والديارات والقلايات وقنعوا بالعيش الزهيد، وقد قال الله فيهم: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] والآخِرون قالوا: نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح
[ ١١ ]
فلان، ونتخذ دورا كما اتخذ فلان، وهم على شركهم، لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا به. فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله النبي محمد ﷺ ولم يبق منهم إلا قليل؛ انحط رجل من صومعته، وجاء سائح من سياحته، وصاحب الدير من ديره، فآمنوا به وصدقوه، فأنزل الله عليه: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يعني: الطائفة التي آمنت في زمن عيسى ﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ يعني: الطائفة التي كفرت في زمن عيسى، ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم الموحدون من النصارى ﴿عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ بإظهار محمد ﷺ بدين التوحيد على دين المشركين من أهل الكتاب وغيرهم ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤].