فصل
وفي صفحة ٢٦ وصفحة ٢٧ أنكر الشلبي ثقب جبريل للصخرة بأصبعه وشد البراق بها، وزعم أن الروايات في ركوب النبي - ﷺ - على البراق وفي ثقب جبريل للصخرة بأصبعه وشد البراق بها موضوعة.
والجواب أن يقال: قد ثبت أن رسول الله - ﷺ - ركب على البراق إلى بيت المقدس، وتقدم ذكر الأحاديث الصحيحة في ذلك فلتراجع (١). وثبت أيضا أن جبريل خرق الصخرة بأصبعه وشد بها البراق، والحديث بذلك رواه الترمذي والبزار وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث بريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليلة أسرى بي انتهيت إلى بيت المقدس فخرق جبريل الصخرة بأصبعه وشد بها البراق» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي في تلخيصه، وفي هذا الحديث الصحيح أبلغ رد على الشلبي وعلى أمثاله من المنحرفين الذي لا يبالون برد الأحاديث الصحيحة ومعارضتها بالشبه والآراء الفاسدة.
_________________
(١) ص٩، ١١.
[ ١٤ ]
وقد قال ابن كثير بعد سياقه للأحاديث الواردة في الإسراء: «فائدة حسنة جليلة» روى أبو نعيم الأصبهاني في كتاب «دلائل النبوة» من طريق محمد بن عمر الواقدي حدثني مالك بن أبي الرجال عن عمر بن عبدالله عن محمد بن كعب القرظي قال بعث رسول الله - ﷺ - دحية بن خليفة إلى قيصر. فذكر وروده عليه وقدومه إليه، وفي السياق دلالة عظيمة على وفور عقل هرقل، ثم استدعى من بالشام من التجار فجيء بأبي سفيان صخر بن حرب وأصحابه فسألهم عن تلك المسائل المشهورة التي رواها البخاري ومسلم وجعل أبو سفيان يجهد أن يحقر أمره ويصغره عنده، قال في هذا السياق عن أبي سفيان: والله ما منعني من أن أقول عليه قولًا أسقطه من عينه إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها عليّ ولا يصدقني في شيء، قال: حتى ذكرت قوله ليلة أسري به قال: فقلت أيها الملك ألا أخبرك خبرًا تعرف أنه قد كذب. قال: وما هو قال قلت: إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد إيلياء ورجع إلينا تلك الليلة قبل الصباح، قال: وبطريق إيلياء عند رأس قيصر فقال بطريق إيلياء قد علمت تلك الليلة. قال فنظر إليه قيصر وقال: وما علمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق
[ ١٥ ]
أبواب المسجد فلما كان تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني فاستعنت عليه بعمالي ومن بحضرتي كلهم معالجة فغلبنا فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول به جبلًا فدعوت إليه النجاجرة فنظروا إليه فقالوا: إن هذا الباب سقط عليه النجاف والبنيان ما نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر من أين أتي، قال: فرجعت وتركت البابين مفتوحين فلما أصبحت غدوت عليهما فإذا الحجر الذي من زاوية المسجد مثقوب وإذا فيه أثر مربط الدابة، قال: فقلت لأصحابي ما حبس الباب الليلة إلا على شيء وقد صلى الليلة في مسجدنا، وذكر تمام الحديث.
قلت: وما ذكر في هذه القصة من ثقب الحجر وأثر مربط الدابة يوافق ما تقدم ذكره في حديث بريدة بن الحصيب ﵁ وهو مما يصدق به المؤمنون وينكره الزنادقة والملحدون.
وأما زعمه أن الروايات في ركوب النبي - ﷺ - على البراق وفي ثقب جبريل للصخرة بأصبعه وشد البراق بها موضوعة.
فجوابه أن يقال: لا يخلو الشلبي في هذه الدعوى من أحد أمرين: إما أن يكون له إلمام بمعرفةِ الحديث وما ذكره المصنفون في فن المصطلح بحيث يكون عنده تمييز بين الصحيح من الحديث
[ ١٦ ]
والموضوع منه، ولكنه مع ذلك لم يبال برد الأحاديث الصحيحة والحكم عليها بالوضع حيث خالفت رأيه أو رأي من يعظمهم من شيوخه وغير شيوخه، وإما أن يكون جاهلًا بالحديث بحيث لا يعرف الصحيح منه ولا يميز بينه وبين الموضوع وإنما يتكلم في نقد الأحاديث بمجرد الظن والتوهم وكل من الأمرين ذميم جدًا وعظيم الخطر، فأما رد الأحاديث الصحيحة ومعارضتها بالشبه والآراء الفاسدة فهو من أفعال الزنادقة والملاحدة الذين لا يؤمنون بالله ورسوله، وأما نقد الأحاديث بمجرد الظن والتوهم فهو من أفعال أهل الحمق والتهور الذين ليس لهم دين يردعهم عن الكلام في نقد الأحاديث بغير علم. ومن اجترأ على رد الأحاديث الثابتة في الصحيحين أو في أحدهما وعارضها بالشبه والآراء الفاسدة فقد نادى على زندقته وإلحاده ومشاقته للرسول الله - ﷺ - واتباعه لغير سبيل المؤمنين الذين يقابلون ما ثبت عن النبي - ﷺ - بالقبول والتسليم وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
[ ١٧ ]