فصل
وقد أنكر الشلبي ركوب النبي - ﷺ - على البراق في ليلة الإسراء، وزعم أن ذلك من الانحرافات والآراء الشائعة، وزعم في صفحة ١٢ وصفحة ١٥ وصفحة ٢٧ أن انتقال النبي - ﷺ - في رحلة الإسراء والمعراج كان بطرق ووسائل يعلمها الله على نمط انتقال عرش بلقيس بل على هيئة أشرف وأكمل تتناسب مع خاتم الأنبياء، قال: ومن الممكن أن يطوي الله الأرض فيصبح بيت المقدس متصلًا بمكة ويخطو محمد خطوة واحدة ثم تعود الأرض إلى وضعها الطبيعي فيصبح الرسول ببيت المقدس، قال: والمهم أن وسائل الله ﷾ كثيرة لنقل محمد من مكة إلى بيت المقدس في لحظة من الزمان.
والجواب أن يقال: أما ركوب النبي - ﷺ - على البراق في ليلة الإسراء فهو ثابت في عدة أحاديث صحيحة. الأول منها عن أنس ابن مالك ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين» الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم.
[ ٩ ]
الحديث الثاني: عن أنس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - «أتي بالبراق ليلة أسري به مسرجًا ملجمًا ليركبه فاستصعب عليه فقال له جبريل: ما يحملك على هذا فو الله ما ركبك أحد قط أكرم على الله ﷿ منه، قال فارفض عرقًا» رواه الإمام أحمد والترمذي وقال هذا حديث حسن غريب.
الحديث الثالث: عن أنس بن مالك ﵁ عن مالك ابن صعصعة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «أتيت بدابة أبيض يقال له البراق فوق الحمار ودون البغل يقع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه ثم انطلقنا» الحديث رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم.
الحديث الرابع: عن حذيفة بن اليمان ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل فلم نزايل ظهره أنا وجبريل حتى انتهينا إلى بيت المقدس» الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي بإسناد صحيح، وقد رواه الترمذي بنحوه وقال: هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضا ابن حبان والحاكم والذهبي.
وفي الباب عن بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁ وهو
[ ١٠ ]
حديث صحيح وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، وفيه أيضًا عن أبي سعيد الخدري وشداد بن أوس وعبدالله بن مسعود وأبي هريرة وأم هانئ ﵃، كل منهم روى أن رسول الله - ﷺ - ركب على البراق إلى بيت المقدس، وأسانيد أحاديثهم لا تخلو من مقال، وفي الأحاديث الأربعة التي تقدم ذكرها مع حديث بريدة ﵁ الذي سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى تأييد لرواياتهم وتقوية لها.
وفيما تقدم ذكره من الأحاديث الصحيحة أبلغ رد على الشلبي وعلى أمثاله من ذوي الجراءة على رد الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - ومعارضتها بالشبه والآراء الفاسدة، وقد قال ابن كثير في تفسيره: والحق أنه ﵇ أسري به يقظة لا منامًا من مكة إلى بيت المقدس راكبًا البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين انتهى.
وأما زعم الشلبي أن القول بركوب النبي - ﷺ - على البراق ليلة الإسراء من الانحرافات والآراء الشائعة.
فجوابه أن يقال: إن الانحراف في الحقيقة هو إنكار الشلبي
[ ١١ ]
ركوب النبي - ﷺ - على البراق في ليلة الإسراء وزعمه أن ذلك، من الآراء الشائعة ومعارضته للأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - في ذلك، فهذا هو الانحراف الشديد، والضلال المبين لأنه يتضمن الرد على النبي - ﷺ - وتكذيب ما أخبر به عن نفسه من ركوب البراق في ليلة الإسراء، والرد على النبي - ﷺ - وتكذيب أخباره الصادقة وجعلها من قبيل الانحرافات والآراء الشائعة ليس بالأمر الهين، بل إن ذلك من قواطع الإسلام ومما يبيح الدم والمال.
وأما زعمه أن انتقال النبي - ﷺ - في رحلة الإسراء والمعراج كان بطرق ووسائل يعلمها الله على نمط انتقال عرش بلقيس.
فجوابه أن يقال: قد أخبر النبي - ﷺ - في عدة أحاديث صحيحة أن انتقاله من مكة إلى بيت المقدس كان على البراق وأن عروجه إلى السموات السبع وما فوقها كان مع جبريل، فهذا هو الذي يعتقده أهل السنة والجماعة منذ زمن الصحابة ﵃ إلى زماننا. ولا عبرة بمن خالفهم من أهل الزيغ والضلال الذين لا يبالون بردّ الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - ومعارضتها بالشبه الباطلة والآراء الفاسدة.
وأما قوله: ومن الممكن أن يطوي الله الأرض فيصبح بيت
[ ١٢ ]
المقدس متصلًا بمكة ويخطو محمد خطوة واحدة ثم تعود الأرض إلى وضعها الطبيعي فيصبح الرسول ببيت المقدس.
فجوابه أن يقال: لا شك أن الله تعالى على كل شيء قدير وأنه لو شاء لطوى الأرض لرسوله - ﷺ - في ليلة الإسراء، ولكنه ﵎ حمله على البراق الذي لم يكن يركبه أحد من بني آدم سوى الأنبياء، وكان جبريل مصاحبًا للنبي - ﷺ - في مسراه إلى بيت المقدس وفي عروجه إلى السموات السبع وما فوقها حتى ظهر إلى المستوى الذي كان يسمع فيه صريف الأقلام. وفي هذا من الاعتناء بالنبي - ﷺ - والتشريف والتكريم له ما لم يحصل مثله لأحد من البشر.
[ ١٣ ]