فصل
وفي صفحة ١٩ أنكر الشلبي صلاة النبي - ﷺ - بالأنبياء في بيت المقدس وزعم أن ذلك من الأمور الشائعة والتصوير المنحرف عن الإسراء والمعراج.
والجواب أن يقال: قد جاء في عدة أحاديث بعضها صحيح أن رسول الله - ﷺ - صلى بالأنبياء في ليلة الإسراء، منها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قط، قال: فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى بن مريم ﵇ قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم ﵇ قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم - يعني نفسه - فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمد هذا مالك صاحب النار فسلم عليه فالتفت إليه فبدأني بالسلام».
[ ١٨ ]
ومنها ما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ قال: «لما دخل النبي - ﷺ - المسجد الأقصى قام يصلي فالتفت ثم التفت فإذا النبيون أجمعون يصلون معه».
ومنها ما رواه النسائي في سننه عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال في حديث الإسراء: «ثم دخلت بيت المقدس فجمع لي الأنبياء فقدمني جبريل حتى أممتهم» وقد رواه ابن أبي حاتم وقال فيه: «ثم انصرفت فلم ألبث إلا يسيرًا حتى اجتمع ناس كثير ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة قال فقمنا صفوفًا ننتظر من يؤمنا فأخذ بيدي جبريل فقدمني فصليت بهم فلما انصرفت قال جبريل: يا محمد أتدري من صلى خلفك؟ قال: قلت: لا. قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله ﷿».
والأحاديث التي جاء فيها أن رسول الله - ﷺ - صلى بالأنبياء في ليلة الإسراء كثيرة ولكن أسانيد ما لم أذكره لا تخلو من مقال. وفيما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ وما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ كفاية في إثبات صلاة النبي - ﷺ - بالأنبياء في ليلة الإسراء. وفيهما أيضًا أبلغ رد على الشلبي، وعلى أمثاله من المنكرين لصلاة النبي - ﷺ - بالأنبياء في ليلة الإسراء. وقد ذكر ابن كثير في تفسيره أن رسول الله - ﷺ - لما انتهى إلى باب
[ ١٩ ]
المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين ثم أتي بالمعراج فصعد فيه إلى السماء الدنيا ثم إلى بقية السموات السبع فتلقاه من كل سماء مقربوها وسلم على الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم - إلى أن قال - ثم هبط إلى بيت المقدس وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه. والظاهر أنه بعد رجوعه إليه لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدًا واحدًا وهو يخبره بهم. وهذا هو اللائق لأنه كان أولًا مطلوبا إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع هو وإخوانه من النبيين ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة وذلك عن إشارة جبريل ﵇ له في ذلك، ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس انتهى.
وفي كلام ابن كثير رحمه الله تعالى رد على الشلبي وعلى أمثاله من الذين ينكرون صلاة النبي - ﷺ - بالأنبياء في ليلة الإسراء ويعارضون الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - في ذلك ويعتمدون
[ ٢٠ ]
على الشبه والآراء الفاسدة في معارضتهم الأحاديث الصحيحة.
[ ٢١ ]
فصل
وقد عاد الشلبي في صفحة ٢٧ من رسالته المملوءة بالضلال فأنكر صلاة النبي - ﷺ - بالأنبياء في بيت المقدس. ونقل عن بعض المخرفين أنه قال: المعروف إسلاميا أنه لا عبادة بعد الموت، قال وهناك حديث صحيح يقول: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم نافع أو ولد صالح يدعو له» قال والأنبياء هم من بني آدم وقد انقطع عملهم بوفاتهم إلا من هذه الأشياء الثلاثة. قال وعلى هذا فلا معنى لتصوير الأنبياء يصلون خلف الرسول، قال: وفي الحديث روايات مختلفة عن أمكنة الأنبياء في السموات، فمن منهم في السماء الأولى، ومن في الثانية؟ خلاف ظاهر، مع أنه لا ضرورة على الإطلاق لوجودهم في أي منها، فمن المحقق أنهم ماتوا ودفنوا. وأن أرواحهم عند الله. والروح كائن نوراني، ولا يعلم كنهها إلا الله، والجسد قد اختفى تماما في الأرض، ومع قدرة الله على إحياء الأنبياء لاستقبال الرسول، فلا داعي للقول بذلك على الإطلاق وكذلك لا داعي مطلقا لإحياء موسى ليراجع محمدًا في عدد الصلوات.
والجواب أن يقال: أما إنكاره لصلاة النبي - ﷺ - بالأنبياء في بيت المقدس فقد تقدم الجواب عنه في الفصل الذي قبل هذا
[ ٢٢ ]
الفصّل فليراجع.
وأما ما نقله عن بعض المخرفين أنه قال: المعروف إسلاميا أنه لا عبادة بعد الموت.
فجوابه من وجهين: أحدهما أن يقال إن صلاة الأنبياء خلف النبي - ﷺ - ليست من باب التكليف الذي ينقطع بالموت وإنما هي من باب التلذذ بالأعمال التي كانوا يعملون بها في الدنيا، ومن هذا الباب ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: «مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره» رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو يعلى من حديث أنس بن مالك ﵁، ومن هذا الباب أيضًا ما تقدم في حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه مسلم في صحيحه أن رسول الله - ﷺ - رأى إبراهيم وموسى وعيسى وهم يصلون وذلك قبل صلاته بهم وبغيرهم من الأنبياء. ومن هذا الباب أيضًا ما أخبر به رسول الله - ﷺ - عن أهل الجنة أنهم يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس. رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث جابر بن عبدالله ﵄، وروى الإمام أحمد أيضًا والبخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - أخبر عن أهل الجنة أنهم يسبحون الله بكرة وعشيًا، والتسبيح قد يراد
[ ٢٣ ]
به الصلاة وقد يراد به الذكر في غير الصلاة، والأدلة على كل من النوعين كثيرة في الكتاب والسنة والذكر من أفضل الأعمال في الدنيا ومع هذا لم ينقطع هذا العمل عن أهل الجنة فكذلك صلاة الأنبياء وهم في البرزخ وقد قال النبي - ﷺ -: «حبب إلي من دنياكم: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة» رواه الإمام أحمد والنسائي من حديث أنس ﵁. وإذا كانت الصلاة قرة عين النبي - ﷺ - في الدنيا فلا يبعد أن تكون قد جعلت قرة عين للأنبياء في البرزخ وليس ذلك من باب التكليف الذي ينقطع بالموت وإنما هو من باب التلذذ بالذكر والأعمال الصالحة والله أعلم.
الوجه الثاني أن يقال: قد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه صلى بالأنبياء في بيت المقدس وثبت أنه رأى كلًا من إبراهيم وموسى وعيسى وهم يصلون، وثبت أنه مر على موسى وهو قائم يصلي في قبره، فيجب الإيمان بما أخبر به رسول الله - ﷺ - ومقابلة كل ما ثبت عنه بالقبول والتسليم سواء ظهرت لنا الحكمة في ذلك أو لم تظهر، ولا يجوز الاعتراض على أخباره - ﷺ - ولا مقابلتها بالرد والإنكار والتشكيك فإن هذا من أفعال الزنادقة والملحدين.
[ ٢٤ ]
وأما الحديث الذي جاء فيه: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» وقول المخرف إن الأنبياء من بني آدم وقد انقطع عملهم بوفاتهم إلا من هذه الأشياء الثلاثة.
فجوابه أن أقول: قد ذكرت قريبًا في الرد على المخرف أن صلاة الأنبياء في البرزخ إنما هي من باب التلذذ بالصلاة التي قد جعلت قرة عين للنبي - ﷺ - في الدنيا، وليس ذلك من باب التكليف الذي ينقطع بالموت.
وأما قوله: وعلى هذا فلا معنى لتصوير الأنبياء يصلون خلف الرسول.
فجوابه أن يقال: إن صلاة الأنبياء خلف النبي - ﷺ - في ليلة الإسراء من الأمور الواقعة التي يجب الإيمان بها، وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة قد تقدم ذكر بعضها والإشارة إلى ما لم يذكر منها وفيها أبلغ رد على من أنكر ذلك وزعم أنه لا معنى لصلاة الأنبياء خلف الرسول - ﷺ -، ومن أنكر صلاة الأنبياء خلف الرسول - ﷺ -، في ليلة الإسراء وزعم أنه لا معنى لذلك فإنما هو في الحقيقة يرد على النبي - ﷺ - ويكذب خبره الصادق، وهذا مما
[ ٢٥ ]