فصل
وقد اعترض الشلبي على استفتاح جبريل لأبواب السموات باعتراضات لا تصدر من إنسان يحترم الرسول - ﷺ - ويعلم أن أقواله وأخباره حق وصدق، وحاصل اعتراضاته التشكيك فيما أخبر به رسول الله - ﷺ - عما وقع له في ليلة الإسراء والتلبيس على ضعفاء البصيرة. ففي صفحة ٢٨ قال: إن الرواية تصور السماء سقفا كسقف البيت. والظاهر من كلامه في هذه العبارة أنه ينكر أن تكون السماء سقفًا للأرض كسقف البيت وأن تكون لها أبواب يستفتحها جبريل.
والجواب أن يقال: إن كلام الشلبي في هذه العبارة مخالف لنصوص القرآن ولإجماع أهل العلم من سلف الأمة وأئمتها. فأما مخالفته لنصوص القرآن فإن الله تعالى أخبر أنه جعل السماء سقفا للأرض وامتن بذلك على عباده فقال تعالى في سورة البقرة: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناء﴾ وقال تعالى في سورة المؤمن: ﴿الله الذي جعل لكم الأرض قرارًا والسماء بناء﴾ وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا﴾ وقال تعالى في سورة الطور: ﴿والسقف المرفوع﴾ وقال تعالى في سورة ق: ﴿أفلم ينظروا إلى
[ ٣٧ ]
السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج﴾ فمن أنكر أن تكون السماء سقفًا للأرض كسقف البيت فقد كذّب بما أخبر الله به في كتابه وذلك كفر يبيح الدم والمال.
وأما مخالفته للإجماع فقد قال الإمام أبو الحسين أحمد بن جعفر ابن المنادي - وهو من أعيان العلماء المشهورين بمعرفة الآثار والتصانيف الكبار في فنون العلوم الدينية من الطبقة الثانية من أصحاب أحمد - قال: أجمعوا على أن الأرض بجميع أجزائها من البر والبحر مثل الكرة، قال وكرة الأرض مثبتة في وسط كرة السماء كالنقطة في الدائرة، يدل على ذلك أن جرم كل كوكب يرى في جميع نواحي السماء على قدر واحد، فيدل ذلك على بعد ما بين السماء والأرض من جميع الجهات بقدر واحد فاضطرار أن تكون الأرض وسط السماء انتهى.
وقال ابن كثير في «البداية والنهاية»: حكى ابن حزم وابن المنادي وأبو الفرج ابن الجوزي وغير واحد من العلماء الإجماع على أن السموات كرة مستديرة. وقال أيضًا في تفسير سورة الرعد عند قوله: ﴿الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها﴾ الآية. يخبر تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه أنه الذي بإذنه وأمره رفع السموات بغير عمد بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن
[ ٣٨ ]
الأرض بعدًا لا تنال ويدرك مداها، فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها مرتفعة عليها من كل جانب على السواء، وبعدما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام، ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت وبينهما من بعد المسير خمسمائة عام وسمكها خمسمائة عام. وهكذا الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة انتهى. وقال إياس بن معاوية الإمام المشهور قاضي البصرة من التابعين: السماء على الأرض مثل القبة، ذكره عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه.
[ ٣٩ ]