يقدح في دين القائل ويوقع الشك في إسلامه.
وأما قوله: وفي الحديث روايات مختلفة عن أمكنة الأنبياء في السموات، فمن منهم في السماء الأولى، ومن في الثانية؟ خلاف ظاهر مع أنه لا ضرورة لوجودهم في أي منها، فمن المحقق أنهم ماتوا ودفنوا وأن أرواحهم عند الله والروح كائن نوراني ولا يعلم كنهها إلا الله، والجسد قد اختفى تماما في الأرض.
فجوابه أن يقال: أما أمكنة الأنبياء في السموات فالعمدة في تعيينها على ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ عن مالك بن صعصعة ﵁ وقد جاء فيه أن آدم في السماء الدنيا وأن عيسى ويحيى في السماء الثانية وأن يوسف في السماء الثلاثة وأن إدريس في السماء الرابعة وأن هارون في السماء الخامسة وأن موسى في السماء السادسة وأن إبراهيم في السماء السابعة، وقد جاء مثل ذلك في حديث أنس الذي رواه الإمام أحمد ومسلم، وما جاء على خلاف الحديث الذي اتفق عليه البخاري ومسلم فلا عبرة به.
وأما زعمه أنه لا ضرورة لوجودهم في أي منها، أي السموات.
فجوابه أن يقال: من أنكر وجود الأنبياء في السموات فإنما هو
[ ٢٦ ]
في الحقيقة يكذب خبر النبي - ﷺ - عنهم، وهذا مما يقدح في دين القائل، وقد قال النبي - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁.
وأما قوله: فمن المحقق أنهم ماتوا ودفنوا وأن أرواحهم عند الله.
فجوابه أن يقال: إن أرواح الأنبياء هي التي رآها النبي - ﷺ - في السموات وفي بيت المقدس حين صلى بهم وهي رؤيا عين وليست برؤيا منام قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ قال: «هي رؤيا عين أريها رسول الله - ﷺ - ليلة أسري به» رواه الإمام أحمد والبخاري، قال البغوي والعرب تقول رأيت بعيني رؤية ورؤيا انتهى، وقد رأى النبي - ﷺ - من رآه من الأنبياء على أشكالهم التي كانوا عليها في الدنيا وأخبر عن صفات بعضهم فقال «أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم» وفي رواية أنه قال: «ولقيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به» وفي رواية أنه قال: «ونظرت إلى إبراهيم ﵇ فلم أنظر إلى أرب منه إلا نظرت إليه مني حتى
[ ٢٧ ]
كأنه صاحبكم» وفي رواية أنه قال: «إنه كأحسن الرجال» وقال: «وأما موسى فرجل آدم جعد» وفي رواية: «فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة» وفي رواية: «أنه رجل آدم طويل شعره مع أذنيه أو فوقهما» وفي رواية: «أنه أسحم آدم كثير الشعر شديد الخلق» وقال في هارون: «نصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء تكاد لحيته تصيب سرته من طولها» وقال في يوسف: «إنه قد أعطي شطر الحسن» وفي رواية أنه قال فيه: «إنه قد فضل على الناس في الحسن كما فضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب».
وكل ما جاء في هذه الأحاديث فهو مما يصدق به المؤمنون وينكره الزنادقة والملحدون. ومن المعلوم عند العقلاء أن أرواح الأموات تتشكل بشكل أجسادها في الدنيا فيراهم الأحياء في المنام على وفق ما كانوا يعرفونه عنهم في الدنيا من الأشكال والصفات والألوان ويخاطب بعضهم بعضا ويخبر الأموات الأحياء بما حصل لهم بعد الموت من الراحة والمغفرة والنعيم أو التعب والتوبيخ والعذاب، وقد روى أبو عبدالله بن منده عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت
[ ٢٨ ]
ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾ قال بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتساءلون بينهم فيمسك أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها. وروى ابن أبي حاتم عن السدي في قوله تعالى: ﴿والتي لم تمت في منامها﴾ قال: يتوفاها في منامها فتلتقي روح الحي وروح الميت فيتذاكران ويتعارفان قال: فترجع روح الحي إلى جسده في الدنيا إلى بقية أجلها وتريد روح الميت أن ترجع إلى جسده فتحبس.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب «الروح» وقد دل على التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحي يرى الميت في منامه فيستخبره ويخبره الميت بما لا يعلم الحي فيصادف خبره كما أخبر في الماضي والمستقبل وربما أخبره بمال دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه وربما أخبره بدين عليه وذكر له شواهده وأدلته، قال وأبلغ من هذا أنه يخبره بما عمله من عمل لم يطلع عليه أحد من العالمين، وأبلغ من هذا أنه يخبره أنك تأتينا إلى وقت كذا وكذا فيكون كما أخبر، وربما أخبره عن أمور يقطع الحي أنه لم يكن يعرفها غيره، ثم ذكر ابن القيم قصصًا كثيرة من رؤيا الأحياء للأموات وإخبار الأموات بما يسألهم الأحياء عنه فلتراجع في أول كتاب «الروح» في المسألة الثالثة وفي آخر المسألة الأولى.
ومن أعجب
[ ٢٩ ]