فصل
وقال الشلبي في صفحة ٢٢ وصفحة ٢٣: ومن الذين تدارسوا هذه الأحاديث ابن كثير، وقد وصف بعض ما ورد من أحاديث حول الإسراء والمعراج بالاضطراب وحدد ما ينبغي أن يعتقده المسلم في موضوع الإسراء والمعراج وما ينبغي أن يتركه. وفيما يلي كلمات ابن كثير:
وإذا حصل الوقوف على هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها يحصل مضمون ما اتفقت عليه، والحق أنه ﵇ أسري به من مكة إلى بيت المقدس وهناك صلى ركعتين ثم عرج به إلى السماء وفرض الله عليه الصلوات خمسين ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفًا بعباده، وذلك القدر هو ما ينبغي أن يقنع به المسلم ويستبعد ما سواه (تفسير ابن كثير جـ٥ ص ٢٤٥) وواضح أن كلام ابن كثير يقرر ما يلي:
١ - الإسراء تم من مكة إلى بيت المقدس دون ذكر الوسيلة.
٢ - صلى الرسول ركعتين بدون ذكر أنه أمَّ الأنبياء.
٣ - عرج به إلى السماء بدون حاجة إلى دق باب ووقوف أمام الأبواب.
[ ١١١ ]
٤ - فرض الله عليه الصلاة خمسين ثم خففها إلى خمس تفضلا منه بدون وساطة موسى ﵇ وبدون تعدد للذهاب والعودة.
٥ - يقرر ابن كثير ضرورة استبعاد ما سوى ذلك وضرورة تركه تمامًا وهذا هو ما نراه.
والجواب أن يقال: إن الشلبي قد نقص من كلام ابن كثير وزاد فيه جملة ليست منه ونسبها إليه. وسأذكر كلام ابن كثير وأتبعه بالرد على كلام الشلبي إن شاء الله تعالى ليعلم ما فيه من الخيانة والافتراء على ابن كثير رحمه الله تعالى.
قال ابن كثير في أول تفسيره لسورة الإسراء بعد إيراده للأحاديث الواردة في الإسراء والمعراج «فصل» وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها يحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله - ﷺ - من مكة إلى بيت المقدس - إلى أن قال - والحق أنه أسري به يقظة لا منامًا من مكة إلى بيت المقدس راكبًا البراق فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين ثم أتى بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرّقى فيها فصعد فيه إلى السماء الدنيا ثم إلى بقية السموات فتلقاه من كل سماء مقربوها وسلم
[ ١١٢ ]
على الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم حتى مر بموسى الكليم في السادسة وإبراهيم الخليل في السابعة ثم جاوز منزلتيهما حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام - أي أقلام القدر بما هو كائن - ورأى سدرة المنتهى وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة وغشيتها الملائكة، ورأى هنالك جبريل على صورته وله ستمائة جناح ورأى رفرفًا أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسند ظهره إليه لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، ورأى الجنة والنار وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفا بعباده وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبط إلى بيت المقدس وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدًا واحدًا وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق لأنه كان أولًا مطلوبًا إلى الجناب
[ ١١٣ ]
العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع به إخوانه من النبيين ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة وذلك عن إشارة جبريل له في ذلك ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى، وقد ذكر فيه مضمون ما جاء في الأحاديث التي ذكرها قبل الفصل الذي نقلت بعضه، ومن مضمونها أن رسول الله - ﷺ - أسرى به من مكة إلى بيت المقدس راكبًا البراق وفي هذا رد على الشلبي حيث زعم أن ابن كثير قد قرر أن الإسراء تم من مكة إلى بيت المقدس دون ذكر الوسيلة. ومن مضمونها أيضًا ربط الدابة عند الباب. وفي هذا رد على الشلبي حيث أنكر ثقب الصخرة وربط البراق فيها.
وأما عروج النبي - ﷺ - إلى السموات صحبة جبريل وأن جبريل كان يستفتح أبواب السموات ويقف عندها حتى تفتح له، وأن الله تعالى فرض الصلاة على نبيه - ﷺ - خمسين ثم لم يزل النبي - ﷺ - يتردد بين ربه وبين موسى ﵊ في طلب التخفيف عنه وعن أمته حتى جعلها الله خمسًا في العمل وخمسين في الأجر فقد جاء النص على ذلك كله في أحاديث كثيرة ذكرها ابن كثير في أول تفسيره لسورة الإسراء، وقد ذكر مضمونها في الفصل الذي
[ ١١٤ ]
نقلت بعضه واكتفى بذكر المضمون فيه عن ذكر النصوص، فلا بد إذًا من عرض كلامه في الفصل على نصوص الأحاديث التي ذكرها قبله وتطبيقه على النصوص، فأما الاقتصار على ما ذكره في الفصل ومعارضة نصوص الأحاديث الصحيحة به فهو من أفعال الزنادقة الذين همهم التلبيس على الجهال والتشكيك في الأحاديث الصحيحة وجعلها من قبيل الموضوعات والإسرائيليات. وهذا هو ما فعله الشلبي في كتيّبه المشئوم.
وأما قوله: إن ابن كثير يقرر ضرورة استبعاد ما سوى ذلك وضرورة تركه تمامًا.
فجوابه أن يقال: هذه الجملة - وهي قوله وذلك القدر هو ما ينبغي أن يقنع به السلم ويستبعد ما سواه - ليست في كلام ابن كثير وقد أضافها الشلبي إلى كلامه ونسبها إليه، وهذا من الافتراء على ابن كثير، وقد جاء الوعيد الشديد على الافتراء. وتقدم ذكر ذلك في الفصل الذي قبل هذا الفصل فليراجع.
والواقع في الحقيقة أن الشلبي هو الذي قرر استبعاد ما جاء في الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - في الإسراء والمعراج وقرر ضرورة ترك ذلك تمامًا، وقد ملأ كتيّبه المشئوم من هذا التقرير الباطل، وما أعظم ذلك وأشد خطره لما فيه من المشاقة لله
[ ١١٥ ]
ولرسوله - ﷺ - واتباع غير سبيل المؤمنين وقد قال الله تعالى: ﴿ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدًا فيها ذلك الخزي العظيم﴾ وقال تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا﴾.
[ ١١٦ ]