فصل
وفي صفحة ٣٠ زعم الشلبي أن الرواد الأمريكيين قد استطاعوا أن يصلوا إلى القمر ويهبطوا عليه، وقال: وإننا نتساءل هل وقفوا يستفتحون أبواب السماء، ومن الذي فتحها لهم.
والجواب أن يقال: إن البشر أضعف وأعجز من أن يصلوا إلى السماء الدنيا التي قد أخبر النبي - ﷺ - أن بينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة سنة، وهم عن اختراق السماء أعجز وأعجز لأن النبي - ﷺ - قد أخبر أن كثفها مسيرة خمسمائة سنة، فأما فتح أبواب السماء لأعداء الله فهو من المحال كما سيأتي بيان ذلك بالنص الصريح في الآية الكريمة من سورة الأعراف.
وليست السماء فضاء كما يزعمه أهل الهيئة الجديدة من الإفرنج ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من جهال المسلمين والذين ينتسبون إلى العلم وليسوا من أهله. وإنما هي بناء شديد كما أخبر الله عنها بذلك في قوله: ﴿وبنينا فوقكم سبعًا شدادًا﴾ وقال تعالى: ﴿أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها﴾ وقال تعالى: ﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج﴾ وقال تعالى:
[ ٤٤ ]
﴿الذي جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناء﴾ وقال تعالى: ﴿الله الذي جعل لكم الأرض قرارًا والسماء بناء﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة، وأخبر تعالى أن للسماء أبوابًا فقال جل ذكره: ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ وقال تعالى: ﴿ولو فتحنا عليهم بابًا من السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون﴾ وقال تعالى: ﴿وفتحت السماء فكانت أبوابًا﴾ وقد تقدم قريبًا حكاية الإجماع على أن كرة الأرض في وسط كرة السماء كالنقطة في الدائرة، وروى الإمام أحمد من حديث العباس بن عبدالمطلب ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة» ورواه الحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه.
وإنما أنكر أهل الهيئة الجديدة ومقلدوهم وجود السماء الشديدة البناء لأنهم لم يروها بالتلسكوبات المكبرة للأحجام والمقربة للبعيد، وذلك لبعدها الشاسع عن الأرض فظنوا لجهلهم وقلة عقولهم أنه ليس فوق الأرض سوى الفضاء، وكذبوا بما لم يحيطوا
[ ٤٥ ]
بعلمه، وفيما ذكرته من الآيات والإجماع أبلغ رد عليهم، والآيات والأحاديث في الرد عليهم كثيرة جدًا، وليس هذا موضع ذكرها وقد ذكرت طرفا منها في كتابي المسمى: بـ «الصواعق الشديدة على أهل الهيئة الجديدة» فلتراجع هناك، وقد قرر أهل الهيئة الجديدة من الإفرنج أن بين النجوم السيارات والنجوم الثوابت بعدًا مهولًا وخلاء مجهولًا، وهذا البعد المهول هو الذي حال بينهم وبين رؤية السماء الدنيا التي قد جعل الله الكواكب زينة لها وإذا كانت قدرة البشر عاجزة عن رؤية السماء الدنيا بسبب البعد المهول فهي عن الوصول إليها بالمركبة الفضائية أعجز وأعجز.
وإذا علم هذا فمن زعم أن الرواد الأمريكيين قد وصلوا إلى السماء الدنيا فهو ذاهب العقل وإن ظن في نفسه أن له عقلًا أو ظن الناس أن له عقلًا فلا شك أنه ظن خاطئ، وأسوأ منه في ذهاب العقل من زعم أن الرواد الأمريكيين قد ارتفعوا إلى السماء الدنيا ثم دخلوها بمركبتهم فهذا لا يقوله إلا مبرسم يهذو هذيان المجانين، وقد أخبر الله تعالى أن أبواب السماء لا تفتح للكافرين الذين كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها كما تقدم النص على ذلك في الآية من سورة الأعراف، ومعنى قوله: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ أي لا تفتح لأرواحهم إذا ماتوا كما أخبر بذلك
[ ٤٦ ]
النبي - ﷺ - في حديث البراء بن عازب ﵄، وإذا كانت أبواب السماء لا تفتح لأرواح الكفار إذا ماتوا فبطريق الأولى أن لا تفتح لأجسامهم ومراكبهم في حال حياتهم، ومن المحال أن يرتفعوا عن الأرض مسيرة خمسمائة سنة فضلًا عن أن يرتفعوا عن الأرض مسيرة ألف سنة وأن يخترقوا السماء التي هي بناء شديد كثافته مسيرة خمسمائة سنة، ومن شك فيما أخبر الله به عن شدة بناء السماء وما أخبر به رسول الله - ﷺ - عن بعدها عن الأرض وعن غلظ سمكها وكثافته وصدق مع ذلك مزاعم أعداء الله وقابل كذبهم وتدجيلهم بالقبول والتسليم فهو ممن يشك في إسلامه، وقد توصل أعداء الله تعالى إلى تضليل المسلمين بالمزاعم الكاذبة والتدجيل والتمويه واستحوذوا بذلك على الفئام الكثيرة والجم الغفير من المسلمين والمنتسبين إلى الإسلام فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فأما القمر فإن قيل: إنه في السماء الدنيا كما ذكر ذلك بعض المفسرين فوصول الرواد الأمريكيين إليه محال كما تقدم التنبيه على ذلك، وتكون دعواهم الوصول إليه كذبا وتدجيلا وتمويها على الناس، وإن قيل إنه في فلك دون السماء كما يقول ذلك المنجمون - فقد ذكر ابن منظور في لسان العرب عنهم أنهم قالوا في الفلك
[ ٤٧ ]
إنه سبعة أطواق دون السماء قد ركبت فيها النجوم السبعة في كل طوق منها نجم وبعضها أرفع من بعض يدور فيها بإذن الله تعالى - ففي الوصول إليه على هذا القول احتمال بعيد، ومما يدل على تعذر الوصول إلى القمر أن الله تعالى أخبر في عدة آيات من القرآن أنه سخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى، وقال تعالى: ﴿وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون﴾ قال الراغب الأصفهاني السبح المرّ السريع في الماء وفي الهواء يقال سبح سبحًا وسباحة واستعير لمرّ النجوم في الفلك نحو: ﴿وكل في فلك يسبحون﴾ ولجري الفرس نحو ﴿فالسابحات سبحًا﴾ ولسرعة الذهاب في العمل نحو: ﴿إن لك في النهار سبحًا طويلًا﴾ انتهى، وقال تعالى: ﴿وسخر لكم الشمس والقمر دائبين﴾ قال الراغب الأصفهاني الدأب إدامة السير، وقال ابن منظور في لسان العرب الدءوب المبالغة في السير، وقال ابن كثير في قوله: ﴿دائبين﴾ أي يسيران لا يفتران ليلًا ولا نهارًا، وقال في موضع آخر أي لا يفتران ولا يقفان إلى يوم القيامة، وقال القرطبي يجريان إلى يوم القيامة لا يفتران.
قلت: إذا كان القمر يسير دائبًا ولا يفتر ويمر في الفلك مرًا
[ ٤٨ ]
سريعًا فإنه يتعذر الوصول إليه والهبوط عليه لأن المركبة الفضائية عاجزة عن اللحوق به لسرعة سيره.
وأيضًا فإن الرواد الأمريكيين قد أتوا بأحجار سود زعموا أنها من أرض القمر وزعموا أن في أرضه ترابًا وأحجارًا تشبه ما على الأرض من التراب والأحجار، وهذا يدل على كذبهم وتدجيلهم في زعمهم أنهم قد وصلوا إلى القمر وهبطوا عليه لأن الله تعالى قد أخبر أنه جعل القمر نورًا، والنور لا يكون في التراب والأحجار التي تشبه ما على الأرض لأنها لا تضيء بنفسها ولا تقبل الضوء من الأشياء المضيئة وتعكسه على ما يقابلها، وإنما يكون النور في الأشياء المضيئة بنفسها أو الأشياء التي تقبل الضوء من الأشياء المضيئة وتعكسه على ما يقابلها.
وأيضًا فإن الرواد لو كانوا صادقين في زعمهم الوصول إلى القمر لكانوا يكثرون الرحلة إليه للاستكثار من المعلومات عنه ولكان رؤساؤهم وأغنياؤهم يحاولون الوصول إليه والاطلاع عليه لأن النفوس مجبولة على حب الاطلاع على الأشياء التي لم ترها ولم تكن تعرفها، وفي توقف الرواد عن الرحلة إلى القمر وتركهم لها بالكلية دليل على أنهم لم يصلوا إليه ولم يهبطوا عليه.
[ ٤٩ ]
وقد قابل الشلبي أكاذيب الرواد وتدجيلهم بالقبول والتصديق، وأما أخبار النبي - ﷺ - عما وقع له في ليلة الإسراء فقد قابله بالإنكار والتكذيب والمعارضة بالآراء الفاسدة والتشكيك والقدح في الأحاديث المروية في الصحيحين وغيرهما، وهذا يدل على أنه مصاب في دينه وعقله، وقد تقدم ذكر ما أنكره من النصوص الثابتة عن النبي - ﷺ - والجواب عن أقواله السيئة في معارضتها فليراجع ما تقدم. وقد قال الله تعالى: ﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنًا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون﴾ وهذه الآية الكريمة مطابقة لحال الشلبي غاية المطابقة.
[ ٥٠ ]