فصل
وقال الشلبي في صفحة ٣٥: من الدروس المهمة المتصلة بالإسراء والمعراج أن الله ﷾ أتاح للرسول ﵇ بها فرصة أن يرى العوالم الكبرى فصغرت بذلك مكة في نفسه وما بها من رجال وعتاد، وماذا تكون مكة ومن بها بالقياس إلى هذا العالم الفسيح.
والجواب عن هذا من وجوه: أحدها أن يقال: قد تقدم الرد على ما زعمه من رؤية النبي - ﷺ - للعوالم الكبرى في أثناء الكتاب عند قوله في صفحة ١٦ من كتيبّه وفي رحلة المعراج رأى الرسول آيات كبرى إلى آخر كلامه فليراجع الرد عليه (١).
الوجه الثاني: أن يقال من زعم أن النبي - ﷺ - رأى في ليلة الإسراء ما سموه بالعوالم الكبرى وهي المجموعة الشمسية والمجموعات الأخرى التي زعموها فعليه إقامة الدليل على ذلك ولن يجد إلى الدليل سبيلًا، وقد ذكرت في الرد على ما ذكره الشلبي في صفحة ١٦ من كتيّبه أن رسول الله - ﷺ - «رأى رفرفًا أخضر قد سد الأفق» رواه البخاري عن ابن مسعود ﵁، وروى مسلم
_________________
(١) ص٦٦ - ٧٥.
[ ١٠٦ ]
عنه ﵁ أنه قال: «رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح» وروى الإمام أحمد والترمذي والحاكم عنه ﵁ أنه قال: «رأى رسول الله - ﷺ - جبريل في حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض» وروى الترمذي أيضًا عن عائشة ﵂ أنها قرأت: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ ثم قالت: «إنما هو جبريل لم يره في صورته إلا مرتين مرة عند سدرة المنتهى ومرة في جياد له ستمائة جناح قد سد الأفق» فهذا هو المروي عن الصحابة ﵃ في تفسير قوله تعالى: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ فأما العوالم الكبرى التي زعموها فلم يأت لها ذكر في القرآن ولا في السنة وقد قال الله تعالى: ﴿وما كان ربك نسيا﴾ وقال تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ وقد جاء في آيات كثيرة من القرآن أن الله تعالى سخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأنه سخرهما دائبين وأن النجوم مسخرات بأمره. ولم يأت في القرآن ولا في السنة أن منها عوالم كبرى.
فهذا القول من الخرافات المبنية على التخرص واتباع الظن وقد قال الله تعالى: ﴿وما يتبع أكثرهم إلا ظنًا إن الظن لا يغني من الحق شيئًا﴾ وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال:
[ ١٠٧ ]