واعتُرض، ولعله لمثل هذا أشار سفيان بقوله: وهذا أشد ما يكون من السحر، ويكون قول عائشة في الرواية الأخرى إنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله من باب ما اختل من بصره كما ذكر في الحديث فيظن أنه رأى شخصًا من بعض أزواجه أو شاهد فعلا من غيره ولم يكن على ما يخيل إليه لما أصابه في بصره وضعف نظره، لا لشيء طرأ عليه في ميزه، وإذا كان هذا لم يكن فيما ذكر من إصابة السحر له وتأثيره فيه ما يدخل لبسا ولا يجد به الملحد المعترض أنسا انتهى.
وأما قوله: إن هناك أحاديث موضوعة وجدت طريقها إلى البخاري أو مسلم.
فجوابه أن يقال: هذا قول باطل وخطأ كبير فليس في الصحيحين شيء من الأحاديث الضعيفة فضلًا عن أن يكون فيهما شيء من الأحاديث الموضوعة، ولكن الشلبي وأمثاله من المنحرفين عن الصراط المستقيم قد جعلوا أفكارهم الخاطئة وآراءهم الفاسدة ميزانًا للأحاديث، فإذا كان الحديث مخالفًا لأفكارهم وآرائهم لم يبالوا برده والتشكيك فيه ولو كان صحيح الإسناد ثابتًا عن النبي - ﷺ -، وإذا كان موافقًا لأفكارهم وآرائهم بالغوا في تثبيته والاعتماد عليه ولو كان ضعيفًا أو موضوعًا وقد رأيت هذا العمل السيئ في
[ ٩٩ ]
عدة كتب من كتب العصريين، ومنه ما في كتيب الشلبي من رد الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - في الإسراء والمعراج لكونها كانت مخالفة لرأيه وتفكيره، وقد أجمع العلماء على صحة الصحيحين ووجوب العمل بهما، قال النووي في كتابه «تهذيب الأسماء واللغات» اتفق العلماء على أن أصح الكتب المصنفة صحيحا البخاري ومسلم، وقال وأجمعت الأمة على صحة هذين الكتابين ووجوب العمل بأحاديثهما انتهى.
وقال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح في «علوم الحديث» أول من صنف الصحيح البخاري وتلاه مسلم بن الحجاج، وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز، وذكر الشيخ أبو عمرو أيضًا اتفاق الأمة على تلقي ما اتفق عليه البخاري ومسلم بالقبول، قال: وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته والعلم اليقيني النظري واقع به، وذكر أيضًا أن ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول انتهى. وقال النووي في شرح مسلم: اتفق العلماء على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول، ونقل النووي عن الشيخ أبي عمرو ابن الصلاح أنه قال: جميع ما حكم مسلم بصحته فهو مقطوع بصحته والعمل
[ ١٠٠ ]
النظري حاصل بصحته في نفس الأمر، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع، ونقل النووي أيضًا عن إمام الحرمين أنه قال لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي - ﷺ - لما ألزمته الطلاق ولا حنثته لإجماع علماء المسلمين على صحتهما انتهى. وذكر الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح في كتابه «علوم الحديث» عن الحافظ أبي نصر الوائلي السجزي أنه قال: أجمع أهل العلم الفقهاء وغيرهم أن رجلًا لو حلف بالطلاق أن جميع ما في كتاب البخاري مما روي عن النبي - ﷺ - قد صح عنه ورسول الله قاله لا شك فيه أنه لا يحنث والمرأة بحاله في حبالته. وقال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» في ترجمة البخاري: كتابه الصحيح يستقى بقراءته الغمام وأجمع العلماء على قبوله وصحة ما فيه وكذلك سائر أهل الإسلام انتهى.
وفيما قاله ابن الصلاح والنووي وإمام الحرمين وأبو نصر السجزي وابن كثير أبلغ رد على قول الشلبي أن هناك أحاديث موضوعة وجدت طريقها إلى البخاري أو مسلم. وهذا القول الباطل مخالف لإجماع أهل العلم على صحة الصحيحين ووجوب العمل بأحاديثهما وإذا ضم شذوذه عن أهل العلم ومخالفته لإجماعهم
[ ١٠١ ]
إلى ما سبق ذكره من رده لأحاديث الإسراء والمعراج وتشكيكه فيها ومعارضتها برأيه وتفكيره فإن الأمر يكون أعظم وأشد خطرًا عليه لأنه يجتمع له مشاقة الرسول - ﷺ - مع اتباعه لغير سبيل المؤمنين وقد قال الله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا﴾.
[ ١٠٢ ]