فصل
وقال الشلبي في صفحة ٢٣ وصفحة ٢٤: ومن العلماء الثقات المعاصرين الذين تدارسوا أحاديث الإسراء والمعراج فضيلة الأستاذ الشيخ عبدالجليل عيسى عضو مجمع البحوث الإسلامية، وقد ذكر أن أحاديث الإسراء والمعراج وردت في البخاري في سبع روايات مختلفة وقرر أن اختلاف الروايات في حديث ما ينفي عنه عند علماء الحديث صفة الحديث الصحيح والحسن.
والجواب أن يقال: ما قرره عبدالجليل عيسى وتلقاه عنه الشلبي بالقبول والتسليم من أن اختلاف الروايات في الحديث ينفي عنه صفة الصحيح والحسن عند علماء الحديث فهو من التقول على علماء الحديث، وإنما يذكر الطعن في الأحاديث الصحيحة باختلاف الروايات فيها عن الزنادقة من المتقدمين والمتأخرين ولا عبرة بهم، وقولهم في رد الأحاديث الصحيحة من أجل اختلاف الروايات والألفاظ مردود لمخالفتها لما جاء عن كثير من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم أنهما كانوا يروون الحديث بالمعنى ولا يرون بذلك بأسًا، وقد روى الخطيب في كتاب «الكفاية في علم الرواية» عن أبي سعيد ﵁ قال كنا نجلس إلى النبي - ﷺ - عسى أن نكون عشرة نفر نسمع
[ ١١٧ ]
الحديث فما منا اثنان يؤديانه غير أن المعنى واحد، وروى أيضًا عن محمد بن سيرين قال كنت أسمع الحديث عن عشرة، المعنى واحد واللفظ مختلف، وروى أيضًا عن هشام بن عروة عن أبيه قال قالت لي عائشة ﵂: يا بني إنه يبلغني أنك تكتب عني الحديث ثم تعود فتكتبه فقلت لها أسمعه منك على شيء ثم أعود فأسمعه على غيره فقالت: هل تسمع في المعنى خلافًا قلت: لا. قالت: لا بأس بذلك، قال ابن الصلاح في كتابه «علوم الحديث» والأصح جواز ذلك - أي رواية الحديث بالمعنى - إذا كان قاطعًا بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين، وكثيرًا ما كانوا ينقلون معنى واحدًا في أمر واحد بألفاظ مختلفة، وما ذاك إلا لأن معولهم كان على المعنى دون اللفظ انتهى.
وروى الخطيب في كتاب «الكفاية» عن أزهر بن جميل قال: كنا عند يحيى بن سعيد ومعنا رجل يتشكك فقال له يحيى: يا هذا إلى كم هذا. ليس في يد الناس أشرف ولا أجل من كتاب الله تعالى وقد رخص فيه على سبعة أحرف، قال الشافعي: وإذا كان الله ﷿ برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف معرفة منه بأن الحفظ قد يزل لتحل لهم قراءته وإن اختلف لفظهم فيه
[ ١١٨ ]
ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى ما كان سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يحل معناه، قال السخاوي في «فتح المغيث»: وسبقه لنحوه يحيى بن سعيد القطان فإنه قال القرآن أعظم من الحديث ورخص أن تقرأه على سبعة أحرف، وكذا قال أبو أويس سألنا الزهري عن التقديم والتأخير في الحديث فقال إن هذا يجوز في القرآن فكيف به في الحديث إذا أصبت معنى الحديث فلم تحل به حراما ولم تحرم به حلالًا فلا بأس به، واحتج حماد بن سلمة بأن الله تعالى أخبر عن موسى ﵇ وعدوه بألفاظ مختلفة في شيء واحد كقوله: ﴿بشهاب قبس﴾ و﴿بقبس أو جذوة من النار﴾ وكذلك قصص سائر الأنبياء ﵈ في القرآن وقولهم لقومهم بألسنتهم المختلفة وإنما نقل إلينا ذلك بالمعنى، وقد قال أبي بن كعب كما أخرجه أبو داود كان رسول الله - ﷺ - يوتر بـ ﴿سبح اسم ربك﴾ وقل للذين كفروا والله الواحد الصمد، فسمى السورتين الأخيرتين بالمعنى انتهى.
وكلام العلماء من الصحابة ومن بعدهم في جواز رواية الحديث بالمعنى كثير، وفيما ذكرته ههنا كفاية في الرد على من تقوّل على علماء الحديث وزعم أن اختلاف الروايات في الحديث ينفي عندهم صفة الصحيح والحسن.
[ ١١٩ ]