الآيات مع الآيات من سورة النمل على أن سير الجبال ومرورها مثل مر
السحاب وذهابها بعد ذلك بالكلية إنما يكون يوم القيامة لا في الدنيا.
وأما قوله: ولم يتحدث عنها الرسول لأن العقل البشري آنذاك ما كان يمكنه أن يتقبلها.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال: إن الرسول - ﷺ - قد أخبر بكل ما وقع له وما رآه في ليلة الإسراء والمعراج، فأخبر أنه أتي بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فركبه فسار به حتى أتى بيت المقدس فربطه بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخل المسجد فصلى فيه ركعتين، ثم أتي بإناء من خمر وإناء من لبن فاختار اللبن، وأخبر أن جبريل خرق الصخرة بأصبعه وشد بها البراق، وأخبر أيضًا أن جبريل عرج به إلى السموات السبع وأنه كان يستفتح عند كل سماء فيقال له: من أنت؟ فيقول: جبريل. فيقال له: ومن معك؟ فيقول: محمد.
فيقال له: وقد أرسل إليه؟ فيقول: نعم قد أرسل إليه فيفتح لهما، وأخبر أيضًا أنه رأى عددًا من الأنبياء في السموات السبع وأنه سلم عليهم فردوا ﵇ ورحبوا به ودعوا له بخير، وأخبر أيضًا أنه رأى إبراهيم ﵊ في
[ ٧١ ]
السماء السابعة مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وأخبر أيضًا أنه رأى البيت المعمور وأنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، وأخبر أيضًا أنه رفع إلى سدرة المنتهى وأن نبقها مثل قلال هجر، وأن ورقها مثل آذان الفيلة، وأخبر أيضًا أنه رأى الجنة والنار وأنه أدخل الجنة فإذا فيها جبال اللؤلؤ وإذا ترابها المسك، وأخبر أيضًا أنه رأى مالكًا خازن النار فسلم عليه مالك، وأخبر أيضًا أنه عرج به حتى ظهر لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام - أي أقلام القدر بما هو كائن - وأخبر أيضًا أن الله تعالى فرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة في كل يوم وليلة فلما نزل وانتهى إلى موسى أشار عليه أن يرجع إلى ربه ويسأله التخفيف عنه وعن أمته، وأخبر أيضًا أنه لم يزل يتردد بين ربه وبين موسى حتى جعلها الله خمسًا في العمل وخمسين في الأجر، وأخبر أيضًا أنه لما حانت الصلاة صلى بالأنبياء وأن ذلك كان في بيت المقدس فكل هذا قد أخبر به رسول الله - ﷺ - في الأحاديث الثابتة عنه.
وقد تلقاه من سمعه من الصحابة ﵃ بالإيمان والتسليم، وكذلك كل من بلغه ذلك من الصحابة والتابعين وأتباعهم من المؤمنين إلى زماننا فكلهم تلقوه بالإيمان والتسليم، ولم يتوقف عن قبوله إلا أهل الشذوذ والمخالفة من
[ ٧٢ ]
العصريين ومنهم الشلبي وأمثال له كثير، ولا شك أن هؤلاء قد أصيبوا في دينهم وعقولهم، فأما المجموعة الشمسية والمجموعات الأخرى المزعومة وهي التي يسمونها العوالم الكبرى فليس لها وجود إلا في أذهان أهل الهيئة الجديدة من الإفرنج وفي أذهان أتباعهم من جهلة العصريين الذين يصدقون مزاعم أعداء الله ويتلقون كل ما جاء عنهم من التخرصات والتوهمات بالقبول والتسليم ويقدمون أقوالهم الباطلة على ما جاء في كتاب الله تعالى وما ثبت عن رسول الله - ﷺ -، وما أعظم البلاء على الدين وأهل الدين من هؤلاء الذين قد ذكرت بعض أفعالهم السيئة، والله المسئول أن يطهر الأرض منهم ومن كل من عارض أقوال الرسول - ﷺ - وأخباره برأيه وتفكيره أو بتفكير غيره من الناس وآرائهم.
الوجه الثاني: أن يقال: إن النبي - ﷺ - قد ترك أمته وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لهم منه علمًا، رواه الإمام أحمد والطبراني عن أبي ذر ﵁. قال الهيثمي: ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبدالله بن يزيد المقري وهو ثقة. وقد رواه الطبراني أيضًا عن أبي الدرداء ﵁ قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح، وفي هذين الحديثين أبلغ رد على من زعم أن النبي - ﷺ - قد رأى العوالم الكبرى ولم يتحدث عنها
[ ٧٣ ]
ويلزم على هذا القول الباطل نسبة النبي - ﷺ - إلى الكتمان لبعض ما ينبغي التحدث عنه.
الوجه الثالث: أن يقال: إن كلام الشلبي في هذه الجملة مشتمل على الغض من الصحابة ونسبتهم إلى ضعف العقول بحيث لا يمكن أن يتقبلوا التحديث عن العوالم الكبرى. وهذا من ظن السوء بالصحابة ﵃، ويلزم على هذا الظن الكاذب ترجيح عقول أتباع الهيئة الجديدة ومقلديهم من العصريين على عقول الصحابة ﵃، وهذا لا يقوله إنسان يعقل ما يقول، والصحابة ﵃ منزهون عن ظنون الشلبي وأمثاله من متشدقة العصريين وضلالهم، وقد كان الصحابة ﵃ أعظم الناس إيمانًا بأقوال الرسول - ﷺ - وأخباره وأشدهم مسارعة إلى تقبل ما يحدثهم به عن الأمور الغيبية فلو أنه رأى العوالم الكبرى التي زعموها وحدث الصحابة عنها لسارعوا إلى تصديقه وقبول ما يخبرهم به، وقد أخبرهم أنه رأى الجنة والنار ورأى جبريل في صورته وله ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق ورأى سدرة المنتهى ورأى البيت المعمور إلى غير ذلك مما رآه وما وقع له في ليلة الإسراء والمعراج وقد تقدم ذكره في الوجه الأول، وكل واحد مما رآه وما وقع له أعظم بكثير من العوالم الكبرى التي زعموها،
[ ٧٤ ]
وقد قابل الصحابة ﵃ أخباره كلها بالإيمان والتسليم، فأبعد الله من عاب الصحابة ورماهم بضعف العقول.
الوجه الرابع: أن يقال: إن إثبات العوالم الكبرى والتحدث عنها مبني على التخرص واتباع الظن. والنبي - ﷺ - منزه عن التحدث بما يتحدث به أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من التخرص عن العوالم الكبرى التي زعموها، والصحابة ﵃ منزهون عن تقبل التخرصات التي يهذو بها أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم، وإنما يتقبل ذلك أهل العقول الضعيفة من العصريين الذين هم أتباع كل ناعق.
[ ٧٥ ]