فصل
وفي صفحة ٣٢ وصفحة ٣٣ أورد الشلبي اعتراضات له على ما أشار به موسى ﵊ على رسول الله ﷺ أن يرجع إلى ربه ويسأله التخفيف من عدد الصلوات.
فالأول من اعتراضه قوله عن القصة: إنها تصور الله ﷾ في مكان محدد يمشي له محمد ويعود لموسى ثم يرجع إليه. تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
والجواب أن يقال: لا يخفى ما في هذا الكلام الباطل من إنكار علو الله على خلقه واستوائه على عرشه فوق جميع المخلوقات، وهذا قول الجهمية الذين كفرهم علماء السلف وأخرجهم بعض العلماء من الثنتين والسبعين فرقة من فرق هذه الأمة.
وقد أبان الشلبي في هذا الموضع وفي صفحة ٣٠ وصفحة ٣١ من كتيّبه أن معتقده معتقد الجهمية الذين يقولون إن الله في كل مكان، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. وقد ثبت عن النبي - ﷺ - في عدة أحاديث صحيحة أنه أخبر أن جبريل عرج به حتى انتهى به إلى سدرة المنتهى، وفي بعض الروايات أنه عرج به حتى ظهر
[ ٨٧ ]
لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام وأنه - ﷺ - لما فرض الله عليه الصلوات نزل به جبريل حتى انتهى إلى موسى ﵊ فسأله عما فرضه الله عليه وأشار عليه بالرجوع إلى ربه وسؤاله التخفيف من عدد الصلوات فعرج به جبريل إلى ربه، وفي حديث شريك بن عبدالله عن أنس بن مالك ﵁ قال: فعلا به إلى الجبار تعالى وتقدس، ثم لم يزل - ﷺ - يتردد بين ربه وبين موسى ﵊ يعرج به جبريل إلى ربه ثم ينزل به حتى ينتهي إلى موسى ﵊ حتى جعلها الله خمس صلوات في العمل وخمسين في الأجر، وفي هذه الأحاديث الصحيحة أبلغ رد على الشلبي وعلى إخوانه من الجهمية الذين ينكرون علو الرب ﵎ فوق جميع المخلوقات.
[ ٨٨ ]
فصل
الثاني من اعتراض الشلبي على قصة النبي - ﷺ - مع موسى ﵊ قوله: إنها تصور الله على غير ما هو معروف عنه من وفرة المنح ومن الكرم العظيم فهي تصوره ينقص الخمسين إلى خمس وأربعين ثم ينقصها في جولة أخرى إلى أربعين ثم إلى خمس وثلاثين، قال: ونحن نصرخ في وجه من يقول هذا القول بأن كرم الله تصوره آياته: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ و﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنا فيضاعفه له أضعافًا كثيرة﴾ ولا يمكن إلا في خيال مادي أن تتم صورة المساومة التي وردت في الرواية فينقص الله خمس صلوات في كل مرة ثم ينقص خمسة أخرى أو عشرة، تعالى الله عن ذلك.
والجواب عن هذا من وجوه: أحدها أن يقال: إنه يجب على المسلم التسليم لما جاء عن الله تعالى وما ثبت عن رسول الله - ﷺ - ولا يجوز الاعتراض على شيء مما جاء عن الله تعالى ولا على شيء مما ثبت عن النبي - ﷺ -، ومن اعترض على شيء من ذلك فلا شك أنه زائغ القلب فاسد العقيدة.
[ ٨٩ ]
الوجه الثاني أن يقال: إن في تردد النبي - ﷺ - بين ربه وبين موسى ﵊ في طلب التخفيف من عدد الصلوات أعظم تشريف وتكريم للنبي - ﷺ - لأنه كان في كل مرة يعرج إلى ربه ويدنو منه ويكلمه ربه ويخفف عنه، وهذا الفضيلة لم تكن لأحد من بني آدم سوى رسول الله - ﷺ -، ولو فرضت الصلوات خمس مرات من أول الأمر لَمَا حصل للنبي - ﷺ - كثرة العروج إلى ربه والدنو منه وكثرة تكليم الرب له، ولله تعالى فيما قضاه من كثرة تردد نبيه - ﷺ - بينه وبين موسى ﵊ حكم وأسرار لا يحيط بعلمها إلا الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون﴾ وفي هذه الآية الكريمة أبلغ رد على اعتراضات الشلبي على أفعال الرب ﵎ مع نبيه محمد - ﷺ - وكثرة ترديده له في طلب التخفيف من عدد الصلوات.
الوجه الثالث أن يقال: من منح الرب ﵎ لنبيه - ﷺ - وكرمه العظيم عليه ما خصه به من كثرة الصعود إليه والدنو منه وسماع كلامه ومن وفرة منح الرب ﵎ لنبيه محمد - ﷺ - وأمته وكرمه العظيم عليهم أنه خفف عنهم عدد الصلوات التي كان قد فرضها عليهم يوم خلق السموات والأرض خمسين فجعلها خمسًا في العمل وخمسين في الأجر، وهذه نعمة عظيمة لا يعرف
[ ٩٠ ]
قدرها كثير من الناس.
الوجه الرابع أن يقال: أتدري أيها الجهمي من أنت تصرخ في وجهه، إنك تصرخ في وجه النبي - ﷺ - لأنه هو الذي أخبر عن نفسه أنه كان يتردد بين ربه وبين موسى ﵊ ويسأل ربه التخفيف عنه وعن أمته. وأن الله تعالى كان يحط عنه في كل مرة خمسًا وفي رواية عشرًا حتى جعلها الله تعالى خمسًا في العمل وخمسين في الأجر، ولا يخفى ما في صراخ الشلبي من سوء الأدب مع النبي - ﷺ - ومقابلة أخباره الصادقة بالرد والتكذيب، وهذا مما يزيل عصمة الدم والمال.
الوجه الخامس أن يقال: قد وقعت المراجعة من النبي - ﷺ - لربه ﷿ عدة مرات في طلب التخفيف عنه وعن أمته من عدد الصلوات حتى انتهى التخفيف إلى خمس صلوات في اليوم والليلة، وقد زعم الشلبي أن هذا من صور المساومة، وهذا من سوء أدبه مع الرب ﵎ ومع الرسول - ﷺ - حيث شبههما بالتجار الذين يساوم بعضهم بعضًا في السلع، تعالى الله عما يقول الظالم الجاهل بالله علوًا كبيرًا، وتنزه رسول الله - ﷺ - عن قول السوء الذي أطلقه عليه الجاهل المتهور.
[ ٩١ ]
فصل
الثالث من اعتراض الشلبي على قصة النبي - ﷺ - مع موسى ﵊ قوله: إنها ترمي إلى وضع موسى في موضع المعلم لمحمد، ومحمد خاتم الأنبياء وأفضلهم وإمامهم ومعلم البشرية والرسول الذي أرسل للناس جميعًا.
والجواب عن هذا الاعتراض قد تقدم قريبًا قبل هذا الفصل بفصلين فليراجع (١).
_________________
(١) ص٧٨ - ٧٩.
[ ٩٢ ]
فصل
الرابع من اعتراض الشلبي على قصة النبي - ﷺ - مع موسى ﵊ قوله: تضع هذه الرواية موسى كأنه يعرف أمة محمد أكثر من محمد.
والجواب عن هذا الاعتراض قد تقدم قريبًا قبل هذا الفصل بفصلين فليراجع (١).
_________________
(١) ص٨٢.
[ ٩٣ ]
فصل
الخامس من اعتراض الشلبي على قصة النبي - ﷺ - مع موسى ﵊ قوله: كيف يتصور العقل محمدًا - ﷺ - ذاهبًا وعائدًا عدة مرات بناء على طلب موسى، والابن لا يطيع أباه إلى هذا المدى مهما كان في ذلك من خير إليه.
والجواب أن يقال: أما العقل السليم فإنه لا ينكر نصيحة موسى ﵊ لنبينا محمد - ﷺ - وإشارته عليه أن يراجع ربه ويطلب منه التخفيف عنه وعن أمته من عدد الصلوات، ولا ينكر أيضًا ما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه تردد بين ربه وبين موسى ﵊ عدة مرات إلى أن انتهى التخفيف من عدد الصلوات، فكل هذا ثابت عن النبي - ﷺ -، والعقل السليم لا ينكر شيئًا مما ثبت عن النبي - ﷺ - بل يتلقاه بالقبول والتسليم، وأما العقل السقيم الذي قد رانت عليه ظلمات البدع والشبه والشكوك فإنه لا يقيم وزنًا للأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - ولا يبالي بردها وإنكارها ومقابلتها بالاعتراضات والآراء الفاسدة، وهذا ما فعله الشلبي في هذا الموضع وفي مواضع كثيرة من كتيّبه المملوء بالجهل والضّلال.
[ ٩٤ ]