مستو على عرشه بائن من خلقه والخلق بائنون منه، وفيها أيضًا أبلغ رد على الجهمية الذين ينكرون علو الرب على خلقه واستواءه على عرشه، وعلى الحلولية الذين يقولون إن الله في كل مكان.
وأما قول الشلبي: إن هذا التصوير يخالف المبادئ الإسلامية التي تقرر أن الله في كل مكان.
فجوابه أن يقال: ليس هذا القول الباطل من المبادئ الإسلامية وإنما هو من أقوال الحلولية من الجهمية. وهو من شر الأقوال التي تخالف الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة على إثبات علو الله تعالى على خلقه ومباينته لهم، ومن زعم أن الله تعالى في كل مكان فقد زعم أنه يكون في الحشوش والأماكن القذرة، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. وقد أبان الشلبي في هذا الموضع عن معتقده الباطل وأنه من الحلولية من الجهمية الذين صرح كثير من أكابر العلماء بتكفيرهم وأخرجهم بعض العلماء من الثنتين وسبعين فرقة من فرق هذه الأمة، والكلام في تكفيرهم مذكور في كتاب السنة لعبدالله بن الإمام أحمد وغيره من كتب السنة، وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية:
[ ٥٢ ]
ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان
واللالكائي الإمام حكاه عنـ ـهم بل حكاه قبله الطبراني
فذكر أن خمسمائة من العلماء تقلدوا القول بتكفير الجهمية، والأدلة على تكفيرهم مذكورة في كتب السنة وليس هذا موضع ذكرها.
وأما قوله: أو أنه منزه عن المكان.
فجوابه أن يقال: هذه الجملة صريحة في نفي استواء الرب ﵎ على العرش وعلوه على جميع المخلوقات، وليس في هذا القول الباطل تنزيه للرب ﵎ وإنما فيه التعطيل ونفي صفات الكمال عن الله تعالى.
وأما استدلال الشلبي بالآيات الثلاث على ما ذهب إليه من القول بالحلول فهو استدلال في غير محله، فأما الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ فهي من أوضح الأدلة على علو الرب ﵎ فوق جميع المخلوقات ومباينته لجميع خلقه لأن كرسيه الذي وسع السموات والأرض هو موضع قدميه والله تعالى فوق العرش، والعرش فوق الماء، والماء فوق الكرسي وبينه وبين الكرسي مسيرة خمسمائة عام، قال ابن
[ ٥٣ ]
عباس ﵄: «الكرسي موضع قدميه والعرش لا يقدر أحد قدره» رواه عبدالله بن الإمام أحمد في كتاب السنة وعثمان ابن سعيد الدارمي في الرد على بشر المريسي وإسناد كل منهما صحيح على شرط مسلم، ورواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه، وفي رواية لعبدالله بن الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: «إن الكرسي الذي وسع السموات والأرض لموضع قدميه وما يقدر قدر العرش إلا الذي خلقه» وروى ابن جرير عن ابن زيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس» قال: وقال أبو ذر سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض» وروى ابن مردويه عن أبي ذر ﵁ أنه سأل النبي - ﷺ - عن الكرسي فقال رسول الله - ﷺ -: «والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة»، وروى عثمان بن سعيد الدارمي بإسناد صحيح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «ما بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام وبين كل سماء مسيرة
[ ٥٤ ]
خمسمائة عام وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام وبين الكرسي وبين الماء خمسمائة عام والعرش على الماء والله تعالى فوق العرش وهو
يعلم ما أنتم عليه» ورواه البيهقي في كتاب «الأسماء والصفات» وابن عبدالبر في «التمهيد» بنحوه، وهذا الأثر له حكم المرفوع لأن فيه إخبارًا عن أمور غيبية، والأمور الغيبية لا تقال من قبل الرأي وإنما تقال عن توقيف، وقد ذكر الله تعالى استواءه على العرش في سبعة مواضع من القرآن، والعرش فوق جميع المخلوقات، والله تعالى فوق العرش، وقال تعالى: ﴿وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير﴾ وقال تعالى: ﴿وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة﴾ وقال تعالى: ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ وقال تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ والآيات والأحاديث الدالة على علو الرب ﵎ فوق جميع المخلوقات كثيرة جدًا، وفيما ذكرته ههنا كفاية في الرد على الشلبي الجهمي الذي حمل آية الكرسي على غير محملها واستدل بها على ما ذهب إليه من الحلول ونفي العلو وهو خلاف ما تدل عليه من علو الرب ﵎ ومباينته لجميع خلقه.
وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿إني قريب أجيب
[ ٥٥ ]
دعوة الداع إذا دعان﴾ فليس فيها ما يتعلق به الشلبي الجهمي حيث استدل بها على ما يوافق مذهب القائلين بأن الله تعالى في كل مكان أو أنه منزه عن المكان، فالأول قول الحلولية من الجهمية. والثاني قول المعطلة منهم. تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، وإنما المعنى في الآية أن الله سبحانه قريب من قلب الداعي ويكون ذلك بتقريبه قلب الداعي إليه كما يقرب إليه قلب الساجد، فالساجد يدنو قلبه من ربه وإن كان بدنه على الأرض، قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وهذا المعنى متفق عليه بين أهل الإثبات الذين يقولون إن الله فوق العرش، وقال البغوي في الكلام على قوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾ فيه إضمار كأنه قال: فقل لهم إني قريب منهم بالعلم لا يخفى عليَّ شيء، وقال القرطبي قوله تعالى: ﴿فإني قريب﴾ أي بالإجابة، وقيل بالعلم، وقيل قريب من أوليائي بالأفضال والإنعام، قلت: ولا منافاة بين هذا الأقوال فإنه سبحانه قريب بالعلم وبالإجابة وبالإفضال والإنعام على أوليائه، وقال ابن كثير هذا كقوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ وقوله لموسى وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ والمراد من
[ ٥٦ ]