هذا أنه تعالى لا يخيب دعاء داع ولا يشغله عنه شيء بل هو سميع الدعاء ففيه ترغيب في الدعاء وأنه لا يضيع لديه تعالى انتهى.
وأما الآية الثالثة وهي قوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم﴾ فالمراد أنه تعالى معهم بعلمه وهو على العرش فوق جميع المخلوقات، وقد نقل الإجماع على هذا غير واحد من أكابر العلماء. قال الإمام أحمد بن محمد بن حنبل فيما رواه القاضي أبو الحسين في «طبقات الحنابلة» عن أبي العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب الفارسي الإصطخري قال: قال أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل: هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروقها المعروفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي - ﷺ - إلى يومنا هذا وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق - ثم ساق الإمام أحمد أقوالهم في هذه العقيدة إلى أن قال - وخلق سبع سموات بعضها فوق بعض وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض، وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماء إلى سماء
[ ٥٧ ]
مسيرة خمسمائة عام والماء فوق السماء العليا السابعة، وعرش الرحمن ﷿ فوق الماء، والله ﷿ على العرش، والكرسي موضع قدميه، وهو يعلم ما في السموات والأرضين السبع وما بينهما وما تحت الثرى وما في قعر البحار ومنبت كل شعرة وشجرة وكل زرع وكل نبات ومسقط كل ورقة وعدد كل كلمة وعدد الحصى والرمل والتراب ومثاقيل الجبال وأعمال العباد وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم ويعلم كل شيء، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو على العرش فوق السماء السابعة ودونه حجب من نور ونار وظلمة وما هو أعلم به، فإن احتج مبتدع ومخالف بقول الله ﷿: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ وبقوله: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ وبقوله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ إلى قوله: ﴿هو معهم أينما كانوا﴾ ونحو هذا من متشابه
القرآن، فقل إنما يعني بذلك العلم لأن الله تعالى على العرش فوق السماء السابعة العليا ويعلم ذلك كله وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان انتهى.
وقال أبو عمر ابن عبدالبر أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ هو على العرش وعلمه في كل
[ ٥٨ ]
مكان. وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله انتهى، وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في «القاعدة المراكشية» ثم قال: فهذا ما تلقاه الخلف عن السلف إذ لم ينقل عنهم غير ذلك إذ هو الحق الظاهر الذي دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وذكر شيخ الإسلام أيضًا في «شرح حديث النزول» قول الله تعالى في سورة الحديد: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ وقوله تعالى في سورة المجادلة ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾ الآية، ثم قال: وقد ثبت عن السلف أنهم قالوا: هو معهم بعلمه، وقد ذكر ابن عبدالبر وغيره أن هذا إجماع من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولم يخالفهم فيه أحد يعتد بقوله وهو مأثور عن ابن عباس والضحاك ومقاتل بن حيان وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وغيرهم. ثم ذكر الشيخ ما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ قال: هو على العرش وعلمه معهم، وروى أيضًا عن سفيان الثوري أنه قال: علمه معهم، وروى أيضًا عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ إلى قوله ﴿أينما
[ ٥٩ ]
كانوا﴾ قال هو على العرش وعلمه معهم.
وذكر أبو عمر الطلمنكي إجماع أهل السنة والجماعة على أن لله عرشًا وعلى أنه مستو على عرشه، وعلمه وقدرته وتدبيره بكل ما خلقه، قال: فأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ ونحو ذلك في القرآن أن ذلك علمه وأن الله فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء، قال: وقال أهل السنة في قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز انتهى، وقال أبو عمر الطلمنكي أيضًا أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله على عرشه بائن من خلقه انتهى.
وذكر الذهبي في كتاب «العلو» عن أبي طالب أحمد بن حميد قال: سألت أحمد بن حنبل عن رجل قال الله معنا وتلا: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ فقال: قد تجهم هذا، يأخذون بآخر الآية ويَدَعون أولها، هلا قرأت عليه: ﴿ألم تر أن الله يعلم﴾ فعلمه معهم، وروى ابن بطة في كتاب «الإبانة» عن المروذي قال: قلِت لأبي عبدالله إن رجلًا قال أقول كما قال الله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ أقول هذا ولا أجاوزه إلى غيره فقال أبو عبدالله هذا
[ ٦٠ ]
كلام الجهمية، بل علمه معهم فأول الآية يدل على أنه علمه، وقال حنبل بن إسحاق قلت لأبي عبدالله أحمد بن حنبل ما معنى قوله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ و﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ إلى قوله: ﴿إلا هو معهم أينما كانوا﴾ قال علمه.
وكلام أكابر العلماء بنحو هذا كثير جدًا، وفيما ذكرته ههنا كفاية في الرد على الشلبي الجهمي، وبيان مخالفته لما أجمع عليه الصحابة والتابعون وأئمة العلم والهدى من
[ ٦١ ]
بعدهم في معنى قوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ الآية وأن المراد بهذه المعية معية العلم، ومن استدل بالآية على أن الله تعالى في كل مكان أو أنه منزه عن المكان فهو من الجهمية الذين كفرهم العلماء وأخرجهم بعض الأئمة من الثنتين والسبعين فرقة من فرق هذه الأمة.
وأما قول الشلبي: وعلى هذا فإن هذا التصوير مردود تمامًا بنص القرآن الكريم وبحكم الفكر الإسلامي.
فجوابه من وجهين: أحدهما: أن يقال: إن المردود بنصوص الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم هو قول الشلبي الجهمي أن الله تعالى في كل مكان أو أنه منزه عن المكان، فالأول قول الحلولية من الجهمية، والثاني قول المعطلة منهم، وكل من القولين باطل وضلال وكفر بالله العظيم لما فيهما من إنكار علو الرب ﵎ فوق جميع المخلوقات واستواءه على العرش ومباينته لجميع خلقه فلا يخالطهم ولا يمتزج بهم. وقد ذكرت قريبًا بعض النصوص الدالة على علو الرب ﵎ فوق جميع خلقه وأشرت إلى ما لم أذكره منها وهي كثيرة جدًا في الكتاب والسنة.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الفكر الإسلامي هو الذي يدور مع نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها وهو الذي يقرر علو الرب ﵎ فوق جميع المخلوقات واستواءه على العرش ومباينته لجميع خلقه، فأما القول بأن الله تعالى في كل مكان أو أنه منزه عن المكان فهو من أفكار الجهمية وليس من أفكار المسلمين، ومن زعم أنه من الأفكار الإسلامية فقد قلب الحقيقة وافترى على الإسلام والمسلمين.
[ ٦٢ ]