المتشددون يتهمون مَن
تَرَجَّى بالنبي - ﵌ - بالشرك الأصغر
قال المفتي (ص١١٢) تحت عنوان «المتشددون يتهمون مَن تَرَجَّى بالنبي - ﵌ - بالشرك الأصغر: «يتهم المتشددون مَن يترجّوْن بمكانة النبي - ﵌ - بالشرك ويبادرونه بقولهم: قل لا إله إلا الله، وفي الحقيقة نتج ذلك عن خلط أمرين: الأمر الأول هو ظنهم أن الترجّي بالنبي - ﵌ - وتأكيد الكلام به من باب الحلف.
والأمر الثاني أنهم اعتقدوا أن حكم الحلف بالنبي - ﵌ - هو نفس حكم الحلف بآلهة المشركين، ونوضح فساد فهمهم في هذين الأمرين فيما يلي:
إن الحلف بما هو مُعَظَّم في الشرع كالنبي - ﵌ - والإسلام والكعبة فلا مشابهة فيه لحلف المشركين بوجه من الوجوه، وإنما مَنَعه مَن مَنَعه مِن العلماء أخذًا بظاهر عموم النهي عن الحلف بغير الله
أما عن الترجي أو تأكيد الكلام بالنبي - ﵌ - أو بغيره مما لا يُقْصَد به حقيقة الحلف فغير داخل في النهي أصلًا، بل هو أمر جائز لا حرج فيه ».
الجواب:
أولًا: السلفيون في ذلك مُتَّبِعُون لا مُبْتَدِعُون، فقد اعترف المفتي أن الحلف بما هو مُعَظَّم في الشرع كالنبي - ﵌ - والإسلام والكعبة مَنَعه مَن مَنَعه مِن العلماء، فلماذا يشَنّع على السلفيين عندما أخذوا بقول هؤلاء العلماء، ومعهم أحاديث النبي - ﵌ - التي تنهى عن الحلف بغير الله، وتعدّه من الشرك والكفر ويكفيهم ذلك؛ فقول رسول الله
[ ١٢٣ ]
- ﵌ - مُقَدَّم على قول كل عالم كائنًا من كان، وهذا منهج الأئمة الأربعة، وقد سبق نقْلُ كلامهم في ذلك (١).
ثانيًا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ، فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (رواه البخاري ومسلم).
وقال - ﵌ -: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ». وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ» (رواه الإمام أحمد في المسند، وأبو داود، والترمذي، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني).
في هذا الحديث لم يَسْتَثْنِ النبيُّ - ﵌ - نفسه ولا الكعبة ولا غيرهما.
فهذا توجيه النبي - ﵌ -، فِعْلٌ سمَاه النبي - ﵌ - شركًا وكُفْرًا، هل نفعله اتباعًا لقول المفتي؟!!
أيهما أولى بالاتباع: النبي - ﵌ - أم المفتي؟!!
ثانيًا: ليس النهي عن الحلف بغير الله مخصوصًا بآلهة المشركين كما يزعم المفتي، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ ابْنَ الخَطَّابِ فِي رَكْبٍ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «أَلاَ، إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، وَإِلَّا فَلْيَصْمُتْ» (رواه البخاري ومسلم).
قال المناوي في فيض القدير عند شرح هذا الحديث:
«وتخصيص الآباء خرج على مقتضى العادة، وإلا فحقيقة النهي عامة في كل معظم غير الله» (٢).
_________________
(١) انظر (ص ٨٠ - ٨١) من هذا الكتاب.
(٢) فيض القدير شرح الجامع الصغير (٢/ ٣١٩)، رقم (١٩٤٥).
[ ١٢٤ ]
ثالثًا: قد وَرَدَ عَنِ الصَّحَابَةِ - ﵃ - اسْتِنْكَارُ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ - ﷾ -، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عبد الرزاق وابن أبي شيبة في (مصنفيهما)، والطبراني في (المعجم الكبير) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنَّهُ قَال: «لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا»، (قال الهيتمي في مجمع الزوائد: «رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح»، وصححه الألباني).
رابعًا: نريد من المفتي الدليل على هذا التفريق بين الحلف بما هو مُعَظَّم في الشرع كالنبي - ﵌ - والإسلام والكعبة، وبين ما ليس بمعظم، وإلا فقد ورد النهي عن النبي - ﵌ - عن الحلف بالكعبة، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ قُتَيْلَةَ، امْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ: أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ - ﵌ - فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ، وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ تَقُولُونَ: «مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ»، وَتَقُولُونَ: «وَالْكَعْبَةِ»، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﵌ - إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: «وَرَبِّ الْكَعْبَةِ»، وَيَقُولُوا: «مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ شِئْتَ» (رواه النسائي والحاكم وقال: «صحيح الإسناد»، وصححه الألباني).
فهذا كلام النبي - ﵌ - في النهي عن الحلف بالكعبة وإقراره أنه من الشرك، فأيهما أولى بالاتباع: النبي - ﵌ - أم المفتي؟!!
وعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَحَلَفَ رَجُلٌ بِالْكَعْبَةِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «وَيْحَكَ لَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» (رواه ابن حبان، وصححه الألباني، وقال الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط مسلم»).
فهذا كلام عبد الله بن عمر - ﵄ - في النهي عن الحلف بالكعبة، فأيهما أعلم: صحابة النبي - ﵌ - أم المفتي؟!!
[ ١٢٥ ]
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: «إِنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِاللهِ، وَإِنَّ مَنْ حَلَفَ بِالْكَعْبَةِ أَوْ آدَمَ أَوْ جِبْرِيلَ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ وَلَزِمَهُ الِاسْتِغْفَارُ لِإقْدَامِهِ عَلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَلَا كَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ» (١).
خامسًا: نقل الحافظ ابن حجر قول ابن هُبَيْرَةَ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ: «وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْلَفُ بِمُعَظَّمٍ غَيْرِ اللهِ كَالنَّبِيِّ، وَانْفَرَدَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ فَقَالَ تَنْعَقِدُ» (٢).
ومعنى ذلك أن هناك رواية أخرى عن الإمام أحمد - ﵀ - بالمنع من الحلف بالنبي - ﵌ -، فلماذا يطعن المفتي في السلفيين وقد أخذوا برأي:
• جمهور الأئمة مالك والشافعي وأبي حنيفة.
• أو إجماعهم حيث إن هناك رواية أخرى عن الإمام أحمد بالمنع؟!!
سادسًا: هل يستطيع المفتي أنْ يطعنَ في الأئمة الأربعة ويتهمَهم بالتشدد كما فعل مع السلفيين الذين أخذوا برأيهم؟!!!
مرة أخرى فلْيعلم القارئ الكريم أين يقف المفتي وأين يقف السلفيون!!
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر (١١/ ٥٣٥).
(٢) نفس المصدر والصفحة.
[ ١٢٦ ]
المسألة